د. بهجت سليمان: رجل الدّولة.. و الّلاتكافؤ الحاكم علاقةَ القرارِ السّياسيّ بالقرار التّنفيذيّ
[الحلقة الرابعة والعشرون «24» من «سلسلة الفكر الإستراتيجي»]
{رجل الدّولة.. و الّلاتكافؤ الحاكم، علاقةَ القرارِ السّياسيّ ب القرار التّنفيذيّ}
ـــ د. بهجت سليمان
تتقاطع و تتداخل حدود مكوّنات الأشخاص المتغايرين في الواقع إلى درجة تصبح فيها الفروق بين الأفراد عديمة الأهمّيّة في المواقف التي تملي على الكائن الاجتماعيّ أن يخوض مضامينها بحكم كونه مسؤولاً أمام ضرورات وجوده و ما تفرضه عليه هذه الضّرورات.
و فيما انشغل الفكر البشريّ مبكّراً بمشكلة التّصنيفات النّمطيّة التي تقتضيها حوافز النّسقيّة الدّافعيّة التي تتمايز بها السّلوكات و الأفعال و صور القيم العمليّة، التي تُفصح عن مدلولاتها في العمل الاجتماعيّ، فقد ترسّخت على ذلك مجموعة من التّباينات الوصفيّة في المسؤوليّات و الواجبات، في لغة الأدب الاجتماعيّ المعبّر عن فكر سياسيّ صريح أو ضمنيّ، أسّس لمعتقدات تحوّلت إلى نظريّات و فلسفات، في مجرى التّحوّلات العمليّة لمضامين الاتّفاق و النّزاع الحاكمين للانتماء السّياسيّ، في سياق الاستدلال النّظريّ التّاريخيّ الذي أنتج وعي الأفراد و الجماعات و المجتمعات و المؤسّسات و أيديولوجيّات العصب و الأحزاب و الدّول، مع الممارسات الّلصيقة بأنساق الوعي المتعدّدة و المختلفة، على الأغراض و الأهداف و المعتقدات النّاشئة في هذا الخِضَمّ.
كان من آثار الانقسام (و التّخصّص الموضوعيّ) في العمل الاجتماعيّ التّاريخيّ ذي الأهداف السّياسيّة المباشرة أن ظهرت المصطلحات الوصفيّة المعبّرة على وقائع محدّدة في إطار التّوزيع القسريّ (الموضوعيّ) للعمل، و كان جرّاء ذلك أن ظهر مفهوم "رجل الدّولة" كضرورة من ضرورات "تقسيم العمل" الاجتماعيّ الذي رافق التّمايز البنيويّ لهيكل الدّولة التّاريخيّة منذ أوائل إدراك "الاجتماع"، مبكّراً، لنظامه الذّاتيّ في "المؤسّسات".
ظهرَ أثرُ هذا الوعي سريعاً في "المفهوم" بالمصطلحات الدّالّة على المفاهيم الأكثر عمليّةً و التي ساهمت لاحقاً، هي نفسها، بتوضيب النّمطيّة الاعتباريّة للرّمزيّة السّياسيّة التي يُجمع عليها "السّلوك الاجتماعيّ" من أجل مستقبل وجوده المسمّى، و لو أنّ هذا "السّلوك"المحيّر، بوجه عامّ، قد أضمر أو يُضمر في حالات كثيرة عدم اكتراثه بالتّحوّلات النّظريّة للتّفاصيل، أو العكس، كما و لو أنّه لا يكترث، صراحةً، بالأفكار و النّظريّات التي يساهم، هو، في تكريسها، في غالب الأحيان، إلّا حينما يُريد أن تأتي نتائجها على قدر رغباته و مصالحه اليوميّة، غاضّاً النّظرَ عن مشروعيّاتها أو شرعيّاتها أو إمكانيّاتها في شروط الضّرورات أو المتاح..!
لا تعلّمنا "السّياسة" بما هي تنفيذٌ للمبادئ النّظريّة غير المكتوبة و المتمثّلة بثقافة تحقيق الغلبة و السّيطرة، لا تعلّمنا ما تجب علينا معرفته من مبادئ "العدالة" السّياسيّة في فنون الحكم و إنجاز مستقبل المجتمع و الدّولة في قواعد السّلوك الأخلاقيّة السّياسيّة و أصول التّوجّه بالأغراض نحو الأهداف؛ و إنّما جلّ ما نعرفه في محيط السّياسة المتلاطم بواسطة الخلافات و الاختلافات و التّناقضات و "صراع الإرادات" الفرديّة و الشّخصيّة في المجتمع الواحد و الدّولة الواحدة، ما بين الجماعات و المشاريع السّياسيّة المضمرة و المعلنة، هو ما يُتاح بالمفردات المشاعيّة ما بين جميع مستويات الفئات و الطّبقات و الجماعات و المكوّنات و حاملي الوصفات الثّقافيّة التّاريخيّة، و الكلمات التي يتصوّرها أصحابها مصطلحات معبّرة؛
و ربّما يكون من أشهر تلك المصطلحات التّعبيريّة السّاذجة و الجوفاء من أيّ مضمون تعليميّ سياسيّ، ما يُدعى بِ"الشّخصيّ" (Personal) و بِ"الكلّيّ" أو "الجمعيّ" أو "الشّامل" أو "العامّ"(Universal)، في معرض ما يُشير إلى نموذج محدّد و عمليّ هو نموذج "رجل الدّولة".
يوماً بعد يوم تختلف مضامين و أبعاد و دلالات الكلمات و المصطلحات، بحيثُ أنّ ما كان منها يرمي إلى بُعدٍ أو أبعاد مفهوميّة محدّدة، بموصوفات معيّنة، أصبح في ما بعد ممّا يحمل و يتحمّل محمولات جديدة و مختلفة، تبْعاً لازدياد كثافات التّعبير المقترن بِجَدَادات الفهم و الاكتشاف ؛ و هكذا تحوّلت ظروف الفكر السّياسيّ إلى مزيدٍ من التّعضّي مع "فلسفة السّياسة" كنسقٍ فكريّ خاصّ و كممارسة يخوضها جميع المشتغلين فيها مباشرة، و لو كانوا لا يُدركون أو لا يفهمون ذلك، و ذلك بسبب كونهم "أدوات" واعية أو غير واعية، تنفّذ مشروعاً موضوعيّاً لا يمكن الإحاطة به إلّا إحاطة فلسفيّة، كما بسبب أنّ "العلوم" المختلفة تقوم بالوصف بينما تقوم فلسفة "العلوم" بالتّفسير و الحكم و التّعليل.
مع اقترابنا من بؤرة المشهد نصبح قادرين على الرّؤية وفق لغة أخرى في ما يخصّ خلفيّات وعينا الذي يقودنا إلى العناية و الاهتمام؛
و نلاحظ أنّ ما كان بالنّسبة إلينا و إلى الآخرين مألوفاً و عاديّاً و بديهيّاً قد استحال إلى إشكاليّ.
و هكذا تجري لدينا التّحوّلات في المواقف من جملة الوقائع و الظّواهر، و تصبح المعطيات الاجتماعيّة للعمل السّياسيّ شيئاً أكثر تحصّناً بالألغاز، التي تثير فينا فضول "الفلسفة" باضطراد، بعد أن كان هذا الواقع داخلاً في قوائم إحصائيّات اليوميّات الغامضة، و التي توحي بما توحيه من ائتلافها مع الرّغبة الخارجيّة، و حسب، باستيضاحها في وضوحٍ مزعوم.
نحن، أيضاً، أمام استحالات تاريخيّة للمفهوم.
لقد تبدّلت كثيراً دلالات مصطلح "رجل الدّولة" بحيث يُمكننا اختصار ذلك بواسطة التّبدلات التي طرأت مع التّاريخ على "الدّولة" نفسها كواقع و مؤسّسة و بنية، و على مفهوم "الدّولة" أيضاً، كما طرأتالتّبدّلات عينها، تاريخيّاً، على مفهوم "رجل الدّولة" من جهة أنّه كان يتميّز في شخصيّته الاعتباريّة بواسطة الأهداف العامّة التي يعمل عليها، فيما لم تكن مسألة "الأخلاقيّات" الاجتماعيّة العامّة مطروحة بحدّة في المخيال السّياسيّ، و ذلك ربّما لعدم الضّرورة المسلكيّة في بيئة سياسيّة أخلاقيّة محدودة؛ بينما اليوم ينضاف إلى طبيعة التّمايز بالأهداف ضرورات أخلاقيّة ملحّة للتّمايز بالسّلوك و بالانتماء.
- يُعدّ (كونفوشيوس) (551- 479 ق. م) من أصحاب الآراء الهامّة بالنّظر إلى سلوك "رجل الدّولة" من موقعه الذي يُحصّنه و يمنحه "السّلطة" انطلاقاً من أنّه يُمثل "الحكومة" أو "الدّولة" كظاهرة، لا تحمل مفهوم "الضّرورة" في ذاتها و إنَّما من خلال ما تمثّله من هيئة تحمل هذه "الضّرورة" انطلاقاً من كونها تقوم بدور محدّد تجاه المجتمع.
"الفضيلة هي الجذر، و الثروة هي النّتيجة؛ فإذا جعل الحاكمُ الجذرَ هو الهدف الثّاني، و جعل النّتيجة هي هدفه الأوّل فإنّه سيعلّم [الآخرين] السّلب".
[ فلسفة الأخلاق و السّياسة- المدينة الفاضلة عند كونفوشيوس. دكتورة هالة أبو الفتوح أحمد. دار قباء للطّباعة و النّشر و التّوزيع. القاهرة- 2000 م. ص(141)].
و بلغة اليوم فإنّ "الوزير" عند (كونفوشيوس) ليس أداة استثمار لمكانه و مكانته و جاهه و سلطته، و هو ليس مجرّد عنصر مكمّل للنّسق الحكوميّ، و حسب، من عناصر النّظام، و إنّما هو "الحلّ البديلُ" لمشكلة "النّظام"، و بخاصّة في "الأزمات".
و إذا كانت لغة الأمس لا تعير أهميّةً كبيرة للتّفريق ما بين "الحاكم" و "الوزير"، فإنّ لغتنا المعاصرة تستدعي هذا التّفريق بشدّة، مع تعقّد مهامّ السّيادة في "القرار" السّياسيّ في المستويات المختلفة للدّولة المعاصرة.
و على رغم ذلك فقد كان (كونفوشيوس) يؤكّد، مع جميع الفلاسفة السّياسيين في عصره، على أنّ أهمّيّة "الوزير" تتجاوز في الخطورة و الفاعليّة أهمّيّة "الحاكم" في المسؤوليّات الاجتماعيّة و الأخلاقيّة.
[المصدر. ص(145- 146)].
- تجاوز (أفلاطون) في نظرته السّياسيّة جميع من سبقوه و من عاصروه في فلسفة "الدّولة" و "السّياسة" و "الوطن"، فكان أوّل مَن ترك لنا تاريخ الكتابة مأثوراً عنه أنّه قال بأنّ "الإنسان" و بخاصّة "رجل الدّولة" لا يمكنه أن يكون "إنساناً" كاملاً بمعزل عن "الوطن"، و أوجب على "الفلاسفة" في "جمهوريّته"، بعد أن قادهم إلى "ذروة المشاهدة"، "أن يعودوا إلى الكهف لكي يهتمّوا بالشّؤون العموميّة".
[أفلاطون- سيرته، آثاره، و مذهبه الفلسفيّ. الأب جيمس فينيكان اليسوعيّ. دار المشرق- بيروت. الطّبعة الأولى- 1991م. ص(83)].
و يبتعد (أفلاطون) في "البيان" إلى درجة قصوى حين يقول إنّ الدّولة، بما هي دولة، إنّما وجدت لأجل "الصّالح العموميّ"؛
و نحن في هذا "المشهد" يمكننا أن نقول إنّ "رجل الدّولة" يستمِدّ وجوده كتعبير عن "الدّولة"، انظلاقاً من أنّ (أفلاطون) لم يكن لينخدعَ بتلك الجودة المزعومة التي ينسبونها إلى "فطرة الإنسان".
[المصدر. ص(85)].
نفهم عند (أفلاطون) أنّ على "رجل الدّولة" أن يتجاوز في سلوكه جميع أشكال المحدوديّات التي تنغّص على الشّخصيّة العامّة أبعادها المتنوّعة، التي تحقّق فيها الموزونيّة ما بين الخصال التي تتعادل في "الفضيلة"، التي هي عدالة ما بين صفات المرء المختلفة، بحيث لا تطغى خصلة واحدة على باقي الخصال الأخرى، و إلّا وقع في "الواحديّة" التي ستقود، عاجلاً أم آجلاً، إلى "الاستبداد". حتّى التّطرّف بِ"الدّيموقراطيّة" يستحيل إلى "الاستبداد".
[انظر الكتاب التّاسع من جمهوريّة ( أفلاطون )].
نحن نشاهد اطّراداً عكسيّاً بين الحاجة الإنسانيّة، في ظروف المجتمعات و الدّول، إلى تمثّل معطيات العلوم المعاصرة و نتائج التّحوّلات المعرفيّة، في إدراك الغايات من الوجود، و بين ترهّل القوّة السّياسيّة التي تصنع، فيما تصنع، فكرتنا عن "رجل الدّولة"؛
و هذا أمرٌ ليس شديد الغرابة و حسب، و إنّما هو حالة من حالات القصد الأخلاقيّ المتردّي في وعي الذّات الفرديّة، التي تتأسّس على بيانات ما بعد الحداثة، حيث بذريعة استعادة "الواقعيّ"، تمّت التّضحية بالواقعيّ و المثاليّ، في آن، معاصرٍ، واحد.
ربّما كان من التّعليل أن نقول إنّ الخطّ البيانيّ الذي يرسم تطوّر الإمتثال إلى الضّرورة المجتمعيّة في الإطار الوطنيّ للقيم السّياسيّة، إنّما هو في تراجع مستمرّ.
لا أحيل هذه الحالة الشّاذّة إلى واقع السّلوك الذي يتمثّل دوافع العمل العام و حوافزه في إطار وعي الحاجة العامّة، فقط، بل أشير هنا إلى عدم قدرة "النّظريّة"، نفسها، على أن تتكفّل رسم الإطار المسلكيّ للفاعلين السّياسيين من أجل تسويغ صفاتهم المفترضة في الدّولة المعاصرة..
و من الطّبيعيّ أن يظهر هذا الأثر السّلبيّ للتّطور الزّمنيّ في المجتمعات المغلقة بنمط البنية المكبوحة و نسق النّظريّة العامّة، التي تشوّهها تقاليد الأفكار العنصريّة (العناصريّة) الحصريّة و الاحتكاريّة و الاستئثاريّة، أكثر ممّا يظهر في المجتمعات التي حطّمت فيها النّظريّة التّكنولوجيّة، الكثيرَ من قواعد الماضي الحضاريّ في التّحوّل المعاصر لنموذج الشّخص الأخلاقيّ و مفهوم إطار المنفعة الشّخصيّة و المصلحة العامّة.
إنّه كلّما تراجعت ضرورات الحاكميّة الفرديّة في المسؤولية العامة، نجد أنّ الدّور الشّخصيّ- الفرديّ في تقرير المصلحة العموميّة، يأخذ خطّاً نازلاً ملحوظاً بتراجع الهيمنة الأخلاقيّة العامّة إلى هيمنة "الفرديّة"، و تحوّلها إلى هيمنة منكوءة بالاستئثار الذّاتيّ، أمام صعود الفكرة العامّة في الأهداف.
رأى (ماكيافيلي) في "المطارحات" أنّ "المواطن الشّرير" لا يمكنه إلحاق الأذى بالجمهوريّة ما لم تتاح له ظروف الفساد.
[نيقولو مكيافيلّي. مطارحات مكيافيلّي. تعريب خيري حمّاد. منشورات دار الآفاق الجديدة- بيروت. الطبعة الثالثة- 1982م. ص(631- 632)].
و في رأينا، فإنّ ظروف الفساد، ليست إلّا تلك الظروف الاستثنائيّة التي تحرف العامّة عن تأييد "الجمهوريّة"، إذ أنّ الشّعبَ لا يفسد بالجملة، و لكنّ الفساد العام يصبح مَيلاً أخلاقيّاً عامّا يبدأ بفساد "رجل الدّولة" الذي يشكّل قدوةً للشّعب، قابلاً للتّقليد كنموذج يُحتذى في الشّأن العامّ.
لا تكتمل قيم "رجل الدّولة" إلّا بأن يرتبط برابط أخلاقيّ وازع، يجعله يتّصل بقائد الكون (و هذا التّعبير لِهيروقليطس) فيفهم غاية عمله من خلال فهمه لغاية الخلق، و هذه هي علّة "الفضيلة" التي تملي على "رجل الدّولة" واجباته الكلّيّة.
ولكي يتحقّق هذا الأَمْر في "رجل الدّولة" عليه أن يكون حكيماً (أي فيلسوفاً)، حيث لا نعيش في ظلّ "الجمهوريّات الفاضلة"(!)؛ فإنّ واجباً "بيداغوجيّاً" يترتّب على "الحاكم" عن طريق حثّ "رجل الدّولة" و رقابته و حسابه و جزائه و تجريبه و فحصه الدّائم في المواقف، مع إدراكنا، سلفاً، أنّ "الحاكم" ليس "مربّياً" للسّاسة و رجال الدّولة الحاكمين التّنفيذيين.
يعتقد "رجل الدّولة"، "الواقعيّ"(!)، أنّ سلطته تمنحه الحقّ في التّمايز عن الشّعب بالثّروة و السّعادة و المتعة و الأنانيّة و الفرديّة المستهترة و التّهتّك الاجتماعيّ و السّياسيّ و الأخلاقيّ.
و نلاحظ في كثيرٍ من الأمكنة في هذا العالم، هذا النّمط من "رجل الدّولة" المعاصر، الذي أتاحت له تشوّهات الثّقافة العالميّة فرصة هذا التّكوّن الاحتكاريّ، كما ساعده في ذلك ظروف الجهل الاجتماعيّ و الأخلاقيّ التي تحكم وعي الشّعب نفسه في عدم انتمائه إلى "الواقع" بوصفه مبدأً للمسؤوليّة التّاريخيّة، الذي يفرض واجبات المواطنة و الانتماء.
و عندما يجد "رجل الدّولة" أنّ من يسوسهم، منسحبون من "الواقع" إلى الماضي أو إلى الأوهام و الأنانيّات الإقصائيّة تجاه "الآخر"، يجد "رجل الدّولة" في هذا الوسط اليوميّ، وفرصةً كبيرةً لاحتقار أفراد الشّعب الذين مهّدوا له أسباب ضعتهم و اتّضاعهم معاً، و مكّنوه من ممارسته وسائل و أدوات احتقارهم لأنفسهم بأنفسهم، بدلاً من أن يكونوا على أهبة الاستعداد الإدراكيّ لمصالحهم الاجتماعيّة و السّياسيّة المعاصرة؛
و هذا يؤدّي بنا إلى ضرورة الاستفادة في تحليل الظّواهر المختلفة و المتباينة بناء على "واقعيّة" جديدة و مغايرة تتلخّص في أنّه من غير الممكن تفسير "السّياسيّ" بِ"السّياسيّ"، و لا كذلك تفسير "الاجتماعيّ" بِ"الاجتماعيّ"، و إنّما علينا تفسير كلّ ظاهرة بجذرها و أسّها الضّروريين، فنفسّر "الاجتماعيّ" بِ"السّياسيّ"، و "السّياسيّ" بِ"الاجتماعيّ"، مع مراعاة قاعدة "مكيافيلّيّة" تقول: "مع أنّ البشر أنانيّون دائماً، فإنّ هناك درجات للفساد".
و من دون أن نقع ضحيّة "الأخلاقويّة"، بأن نقوم بالنّصيحة السّياسيّة أو الاجتماعيّة ذات الهدف الأخلاقيّ، فإنّ البديل هو أمْرٌ شديد الواقعيّة، و لا أظنّ أنّه ممّا يُختلف عليه في علم السّياسة و فنّ الحكم، و هو أنّ الهدف من التّنظير في "رجل الدّولة" يكمن في أنّنا، جميعاً، نرغب في أفضل أشكال الدّول و أمتن المؤسّسات و أكثر الظّروف المعيشيّة وفرةً و عدالة عامّة، و هذا ما لا يمكن أن يتحقّق إلّا بواسطة "الدّولة الجيّدة"، التي تحمي الإنسان الفرد و الجماعة، من أسوأ ما في أنفسهم، و تعمل على تطوير و إطلاق أفضل ما فيهم من خلالٍ و استعدادات..
و من الطّبيعيّ أنّ هذا الهدف يجب أن يتركّز، أوّلاً، على الرّجال القادة السّياسيين الذين يعبّر عنهم نموذج "رجل الدّولة".
يجب أن نتذكّر، دائماً، أنّ "الأخلاق الخصوصيّة"، (أخلاق المواطنين)، تابعة للأخلاق "العموميّة"، و ليس العكس؛ ذلك لأنّ "رجل الدّولة" بما هو يقع في مكان القوّة و السّلطة و التّحكّم و الحاكميّة، هو من يمثّل مبدأ السّلوك الأخلاقيّ الوطنيّ، العام، و هو من يُعمّم الأدوات السّلوكيّة و ثقافة الاجتماع و أدب السّياسة على المجتمع.
من الخطير أن ينخدع الشّعبُ بتديّن "رجل الدّولة"، فيقوم هذا الأخير بممارسة جميع مصالحه انطلاقاً من شرعيّته الدّينيّة التي يقبلها الشّعب.
يجب أن يعلم الجميع من الأفراد و الجماعات و الفئات الاجتماعيّة المختلفة و سائر الطّبقات أمراً هامّاً جدّاً:
إنّ كلّ دين في الدّنيا يُصبح في الدّنيا، دنيا أخرى بعيداً عن أيّ دين..!
إنّ جميع مصالح "رجل الدّولة" هي، في الدّنيا، مصالح "علمانيّة" و لا يمكن أن تمتّ إلى "الدّين" بصلة، و ذلك مهما ادّعى "رجل الدّولة" السّياسيّ غير ذلك.
إنّ كثيراً من فسادات "رجل الدّولة" لا يراها الشّعب بدافع رضاهعلى ممارسات السّياسيين التّنفيذيين كأشخاص متديّنين، حيث يجعل "الدّين" حجاباً سميكاً على أدمغة أفراد الشّعب.
في سلوك "رجل الدّولة" و على عكس جميع "الأخلاقويين" في السّياسة، لا نرى إمكانيّة و لا مبرّراً لفصل "الأخلاق" عن "السّياسة".
إنّ أخلاق "رجل الدّولة" صريحة و واضحة في أدائه واجباته نحو "المصلحة العموميّة". و إذا كانت "الأخلاق"، في رأينا، هي تَحَمُّلُ المشقّات من أجل تحقيق الأهداف الكبيرة، فإنّ أكثر ما ينطبق هذا التّعريف، إنّما ينطبق على أخلاق "رجل الدّولة"، الذي وجد في مكانه ليتجاوزه إلى أهدافه. إنّ أهداف المكان السّياسيّ ليست في ذاته، و إنّما يمكن أن نقول إنّ أهدافه من أجل ذاته، فتكون "النّتائج" هي الحَكَم على احترام "المكان" من عدم الاحترام.
و على كلّ حال، هذا ما نفهمه، نحن، من "الأخلاق- السّياسة" التي هي مُرَكّبُ اتّصالٍ في ما يُسمّى بإجمالي السّلوك الإراديّ الفاعل أو (البراكسيس) (Praxis)..
حتّى في الأنظمة الدّيموقراطيّة المزعومة، نستطيع أن نقف على تذمّر الشّعوب من أداء "رجل الدّولة، بوصفه جزءاً من النّخبة السّياسيّة الحاكمة.
و تكاد تكون "المعرفة" السّياسيّة بطبيعة هدف أو أهداف الدّولة و مواءمة النّخبة الحاكمة لتحقيق أهداف الدّولة في قرارها السّياسيّ "الغائيّ"، إحدى أهمّ ما ينبغي على القيادة السّياسيّة أن تأخذه بالاعتبار عند توزير "رجل الدّولة" و جعله في مفاصل الحكم و السّيادة.
و على رغم أنّ "العقلانيّة الدّيموقراطيّة" في الأنظمة الوطنيّة العلمانيّة، تتجنّب نقاش أو بحث الأهليّة الواقعيّة لاستحالات الاجتماعيّ في السّياسيّ و تَغَايُرَ المقاييس أو المعايير التي تهمّ "السّياسيّ" دون "الاجتماعيّ"؛ فإنّه في المجتمعات المتدنّيّة تاريخيّاً و غير المؤهّلة أفرادها و أشخاصها، من النّخبة، لكي يكونوا أدواتٍ واعية للموضوعيّة التّاريخيّة في تحقيق الأهداف الشّاملة للمجتمع، يجري ما هو متعمّدٌ من استثمار الطّبقة السّياسيّة لمواقعها و نعوتها و أدواتها السّياديّة بأشكال جائرة من التّسلّط، بدلاً من أن يكون أعضاؤها أدواتٍ لتنفيذ الخطاب السّياسيّ للدّولة الحامية.
أمام ضرورات تكوين و تكوّن "النّخبة الحاكمة" سياسيّاً، فإنّ على هذا "القانون" الشّرطيّ التّقنيّ، ألّا يتحوّل إلى كابوس من الممارسات السّياسيّة المنفصلة عن المصلحة العموميّة، لصالح الأفراد و الجماعة أو الجماعات، باحتكار "رجل الدّولة" للقوّة التي تغدو عنفاً عندما تصدر عن غير مرجعيّاتها السّياسيّة السّياديّة المتمثّلة في الأهداف الوطنيّة العامّة.
إنّ تراكم المواصفات غير المرغوبة سياسيّاً لِ"رجل الدّولة" في بوتقة "النّخبة الحاكمة"، يجعل أمْرَ مستقبل السّياسات الوطنيّة، جميعها، في خطر، من جهة أنّ تكريس هذه المواصفات و تبوتقها في نسقٍ ثابت يتعزّز باستمرار، يجعل من قالب "رجل الدّولة"، المغلق، نموذجاً انحداريّاً حيّاً يجري تقليده بمحاكاة موضوعيّة، تعمل عيها الأجيال التّالية من "النّخبة السّياسيّة "، لتتحوّل إلى عرف أخلاقيّ- سياسيّ (Praxis)"مُلهِم" للطّامحين!
كان (مكيافيلّي) يُصرّ على أنّ أهمّ إنجازات سياسة "الفضيلة"، هو فعل "التّأسيس" الدّائم كذروةٍ لمهنةِ إدارة شؤون الدّولة.
[انظر. الأمير العصريّ- ما يحتاج القادة إلى معرفته في الوقت الحاضر. كارنز لورد. نقلته إلى العربيّة الدّكتورة هلا الخطيب. العبيكان. المملكة العربيّة السّعوديّة. الطّبعة العربيّة الأولى- 2008م].
و يتخطى هذا المفهوم، مفهوم "التّأسيس"، من القيام بالبدايات إلى التّعامل مع المنعطفات الاجتماعيّة و السّياسيّة، التّاريخيّة، التي تمر بها الشّعوب و المجتمعات و الدّول.
و يمكننا، بناءً على رأينا هذا، أن ننظر إلى ما تمرّ فيه (سورية)، اليوم، على اعتباره "تأسيساً" تاريخيّاً، بعد أن جعلت "الحرب" من كثير من المسلّمات الثّقافيّة و الأنثروبولوجيّة للأفراد و النّخب في المجتمع و السّلطة، حالاتٍ إشكاليّةً تحتاج إلى المراجعة و إعادة البناء من جديد، و ذلك سواءٌ في العمل و المعتقد و القيم و الأخلاق و قواعد السّلطة و السّياسة و السّيادة و الحكم و الإدارة و غير ذلك.
ينطبق الأمر على جميع أشكال العمل الاجتماعيّ و الإداري التّنفيذيّ المرتبط مباشرة بالسّياسة العامّة للدولة و بخاصّة فيما يهمّنا، هنا، من الاشتغال في حقل "المصلحة العموميّة" التي يتولّاها، بحكم آليّات العمل التّنفيذيّ، "رجل الدّولة"، أو الشّخص المشتغل في حقل "الشّأن العامّ".
و الملاحَظ على آليّات عمل النّخبة في (سورية)، اليوم، الميلُ إلى المزيد من "الشّخصانيّة" في القرار التّنفيذيّ و التّنظيميّ، و هذا أمر يترك، في المحصّلة، أثره المباشر و السّلبيّ على "القرار السّياسيّ" نفسه.
لقد أتاحت "الحرب" مناخاً من العمل بموجب "العطالات" الفيزيائيّة للنّشاط الحكوميّ، و حسب، بمعنى أنّ الأهداف الاجتماعيّة للعمل الحكوميّ، أصبحت مجرّد نهايات موضوعيّة للقصور الذّاتيّ الذي يحكم جميع أوجه النّشاط، الذي أصبح فاقداً للغائيّة المخطّطة و ناجزاً بحكم الطّاقة الذّاتيّة الفقيرة لموضوعيّات الآليّات و الأدوات، التي تمتلكها دوافع العمل التي تحوّلت إلى الحدّ الأدنى من الزّخم و الوفرة الحافزيّة، بسبب أوجاع و آليّات و مفرزات "الحرب" و ما تركته الحرب من اختزالات موضوعيّة للمحرّك الطّبيعيّ، لأوجه عدالات النّشاط التي تزداد في الحالات الطّبيعيّة، و تقلّ في أحوال الحرب، بسبب تكاثر الاحتكار الاجتماعي لخيرات الاجتماع و السّياسة و الاقتصاد، في صور الأنانيّات المتنامية و النّاجمة عن سيكولوجيا الجماعات و الفئات و الأفراد في الحروب الصّعبة و الطّويلة و المدمّرة.
تشكّل هذه "الشّخصانيّة" عبئاً على النّاتج الاجتماعيّ للعمل، و تخلق جداراً فاصلاً بين "المجتمع" و "الدّولة" يُقيمه و يمثّله، يوماً بعد يوم، "رجل الدّولة" في إطار "نخبة سياسيّة" انفصلت أكثر فأكثر عن هموم المجتمع و الأفراد و أصبحت سلطة بذاتها (بواسطة ذاتها) تطمح، و تعمل على، تفريغ القرار السّياسيّ، نفسه، من المغزى و المضمون و المدلول، في الوقت الذي يجب عليها أن تقوم بأقصى ترجمة دقيقة و أخلاقيّة لمضمون و أبعاد القرار السّياسيّ السّياديّ المعبّر عن اجتماعيّة الوطن.
ليس من المستحبّ، هنا، الدّخول في الأمثلة و الشّواهد على حديثنا هذا، فالمشتهَرُ من سلوك "النّخبة الحكوميّة"، و بخاصّة ممّا دون الطّبقة الحكوميّة الأولى، و فيها ضمناً، قد أصبح أوضح ممّا يحتاجه التمثيل.
قد لا يكون المطلوب من رجال الدّولة اليوم، في (سورية)، القيام بالعمل الأساسيّ المنوط برجال الدّولة و هو تحقيق الرّفاه و الطّمأنينة لأفراد المجتمع. نحن في "حرب" لها ظروفها الحاكمة و الضّاغطة التي يفهمها الجميع؛
و لكنّه، في الوقت نفسه، ليس المطلوب من "رجل الدّولة" أن يشكّل إضافةً أو تعزيزاً للمؤامرة الشّاملة المطبّقة على الدّولة و المجتمع و الشّعب، إنّ لم يكن من مهمّات "رجل الدّولة"، اليوم، أن "يقاتل"، إبداعيّاً، في وجه تلك "المؤامرة" على الوطن، فيما لا نرى، عمليّاً، أنّ هذا التّوجّه يعني معظم رجالات النّخبة الحاكمة في مختلف المفاصل و المواقع الحكوميّة و التّنفيذيّة التي تعني المواطنين بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر.
من جانب آخر، فإنّ المفارقات الهائلة، في الظّروف الطّبيعيّة و في ظروف الحرب بخاصّة، أن يجهل "رجل الدّولة" البعد الإداريّ لمهامّه السّياسيّة في التصريف الاجتماعيّ و السّياسيّ لواجباته..
و عندما ينفصم "السّياسيّ" عن "الإداريّ" كلّ هذ الفصام التّنفيذيّ، يبدو "رجل الدّولة"، و تبدو "النّخبة السّياسيّة" الحاكمة، أنّ جميعهم لا يملكون أيّة فلسفة إداريّة من أجل حلولٍ لمشاكل و مسائل الواقع الصّعب و المضني، مع أنّ فلسفة الإدارة في الأوقات و الظّروف الاستثنائيّة، الخطأ، هو أوّل ما يجب أن ينطلق منه "رجل الدّولة" في التّنفيذ..
هذا مع أنّه يبدو على معظم " نخبتنا" الحاكمة أنّها تعمل بالعكس تماماً، فتلجأ إلى كلّ ما يجعل الواقع أكثر فوضى و أقلّ وضوحاً في أهداف العمل و غاياته اليوميّة المحدّدة، و لو في الحدّ الأدنى من التّحديد، و ذلك في سياق مصالح مبهمة و مشكوك فيها و نفعيّة و ما إلى ذلك من توصيفات.
في زمن السّلم كنّا نقول إنّ "الوقاية" الإداريّة و القانونيّة هي أهمّ و أجدى من العلاج، بحيث تتركّز فلسفة الإدارة على الأخذ بأيسر السّبل التّفسيريّة القانونيّة، كيما لا يلجأ "التّنفيذ"، في مختلف أدواته و مفاصله، إلى الخطأ الإداريّ و القانونيّ المتعمّد الذي يبغي المصلحة الخاصّة؛ و كنّا نضيف أنّ مخالفة "القانون" ممكنة، عندما يلاحظ أنّ "القانون" الوضعيّ المكتوب لم يكن معاصراً للمشكلات الطّارئة المعاصرة، التي تحتاج إلى تدخّل إداريّ ابتكاريّ و إبداعيّ و مسؤول؛
و أمّا في زمن "الحرب"، و حيث كلّ شيءٍ طارئ و كلّ ظرف استثنائيّ، فإنّ الأَوْلى هو أن لا يُعلّق القانون تحت ذريعة المبادرات التّنفيذيّة الكاذبة التي تأخذ القانون و تطبيقاته إلى هاوية القرارات الفرديّة الشّخصية و النّفعيّة، و إنّما على "رجل الدّولة"- الإداريّ، التّنفيذيّ، أن يلجأ إلى المزيد من التّشبّث بالقانون، و ربّما بحَرفيّته الحادّة، لأنّ هذا الطّريق هو الطّريق الوحيد الكفيل بالرّدع الذي أفقدته الحرب هيبته في معمعة الفوضى النّاجمة عن تسيّب جميع ضعاف أو معدومي القيم المسلكيّة المفوّضين بتطبيق القانون. هذا أمرٌ هو، اليوم، من مهامّ "رجل الدّولة" الأولى و الأهمّ.
كلّ فوضى هي عكس "النّظام"؛ و حيث، في الحروب تميل "الأشياء"، بحكم "الأنتروبيا" الفيزيائيّة، إلى "الفوضى"، فإنّه يصبح "القانون" الوضعيّ و "القانون الأخلاقيّ"، هما الوسيلتان الوحيدتان التي تمكّن "رجل الدّولة" من القيام بمسؤوليّاته..
و لكنْ عندما يسبقهما، إيمانه بقضيّته الوطنيّة الاستثنائيّة، التي ترتبها عليه مسؤوليّته السّياسيّة و التّاريخيّة في الإسهام بإنقاذ الوطن.
واسعةٌ هي "الحقول" التي تجسد ضرورات قيام "رجل الدّولة"، فيها، بمهامّه الملقاة عليه، مضاعَفَةً. الثّقافة و التّربية و التّعليم و الاقتصاد و الإعلام، و كلّها مهامّ خطيرة و آنيّة و مستقبليّة، هذا إذا استثنينا مهامّ السّيادة السّياسيّة الأساسيّة و التي نستطيع، اليوم، ان نركن إليها بازدياد مع وجود قيادة سياسيّة سامقة و عملاقة و على رأسها الرّئيس الأسد، أسد بلاد الشّام.
انطلاقاً من المهمّات الجليلة الملقاة على كاهل أسد بلاد الشّام الرّئيس الأسد، و على عاتق الجيش العربيّ السّوريّ، و الدّبلوماسيّة السّوريّة الرّائدة؛ يحقّ لنا جميعاً، و من واجبنا، أن نتوقف، هنا و دوماً، عند مسؤوليّات "رجل الدّولة" في (سورية)، ليس من أجل المقارنة بين الأداءات المختلفة، و إنّما من أجل التّذكير ببعضِ ثوابت عمل "النّخبة السّياسيّة" السّوريّة التي تُفصح غالباً عن تخلّف عن المسيرة السّياديّة التي ينطلق فيها وطننا، سورية، اليوم.
لا يمكن لمواطن سوريّ شريف أن يقف، اليومَ، شاهداً على لا تكافؤ العمليّة السّياسيّة السّياديّة في (سورية) مع إنجازات "الحكومة" المتواضعة، و التي يشهد على "تواضعها" هذه التّصرّفات الإداريّة و الحكوميّة المرسَلةِ على غاربِ الارتجال و ضمور الشّعور بالمسؤوليّة التّاريخيّة الملقاة، اليومَ، على كلّ مشتغل بالشّأن العامّ.
إنّ عمل "رجل الدّولة" في التّنفيذ و القرار التّنفيذيّ هو عملٌ مكمّل للقرار السّياسيّ السّياديّ؛
و عندما لا تتكافأ جملة الممارسات في وظائف الدّولة المختلفة، و عندما لا تتناغم أو لا تنسجم، و هذا في الحدّ الأدنى، فإنّ الخلل الذي تُمارسه "النّخبة" السّياسية الحكوميّة، يتجاوز كونه خللاً إلى أن يشكّل عائقاً و كابحاً و مشوّها و مستنزفاً للقرار السّياسيّ.
قلنا، في أكثر من مرّة، هنا، و نعيد، إنّ بعضَ الممارسات الصّادرة عن "رجالات الدّولة" في سورية، في زمن هذه الحرب، بخاصّة، إنّما تُبدي ما هو أبعد من مجرّد الأخطاء غير المقصودة لتكون أفعالاً تهدف إلى تشتيت محصّلات انتصارات حربنا على هذا العالم العدوّ بأدواته الدّاخليّة الخائنة؛
و إنّ ما يقوم به بعض أفراد النّخبة الحكوميّة المسؤولة، إنّما يصبّ، مباشرة، في خندق و مجرى أعداء الوطن، أعداء المجتمع و الدّولة الوطنيّة السّوريّة.
لا تقوم الدّولة بمهامّها المطلوبة منها، ما لم تشكّل مصلحة "النّخبة" السّياسيّة، متمثّلة برجالات الدّولة، جزءاً أساسيّا من "المصلحة العموميّة" التي هي مصلحة المجتمع و الدّولة..
و إنّ أيّ عمل أو سلوكٍ لرجل الدّولة، أينما كان، يناقض أو يعاكس أهداف الدّولة في السّيادة، إنّما هو عمل موجّه، قصداً و عمداً، ضدّ أهداف الدّولة في المجتمع و "النّظام".