كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

د. بهجت سليمان: مشروع "إعادة الإعمار" في سورية.. هو تحطيم اهتراءات قواعد المجتمع القديم

[سلسلة الفكر الإستراتيجي "16" الحلقة السادسة عشرة]

{مشروع "إعادة الإعمار" في سورية.. هو، أوّلاً، تحطيم اهتراءات قواعد المجتمع القديم}

ــ د . بهجت سليمان

سننظر في مسألة "إعادة الإعمار"، كحلقة أخيرة من سلسلة "تحليل الحرب"، بوصفها مناسبة تاريخيّة تتّصل بجملة من المسائل السّياسيّة الدّاخليّة و الخارجيّة، و الصّعوبات الاجتماعيّة و الاقتصاديّة و الثّقافيّة (و الإعلاميّة) و التّربويّة و العلميّة و الإداريّة، و ما إلى ذلك من لوازم تتّصل بمضامين هذه الأمور.

و لعلّ الأصدقاء القرّاء يدركون معنا أنّ مشروع "إعادة الإعمار" في سوريّة، لِما خرّبته الحرب، لا يعني تلك "الورشة" العملاقة التي يجب أن تبدأ في إعادة إنتاج معالم العمران و البنى التّحتيّة و الّلوجستيّة التي دمّرتها الحرب، فحسب، و إنّما يعني أموراً أبعد من هذا، أيضاً، و بكثير.

و بالمناسبة، هنا، علينا أن نتّفق على أنّ المباشرة في هذا المشروع "التّاريخيّ" (إعادة الإعمار) لا يشترط توقّف أعمال الحرب المسلّحة توقّفاً تامّاً و نهائيّاً، باعتبار أنّ تداعيات "الحرب" من الأعمال الإرهابيّة و التّخريبيّة سوف يستمرّ، بطبيعة الحال، ريثما تُجفّف "الدّولة" آخر مستنقع للجريمة المسلّحة التي مارستها و تمارسها أدوات الحرب، و الذي يرتبط ارتباطاً أكيداً بتجفيف آخر هذه الأدوات و معها هؤلاء الذين يمثّلونها من إرهابيي السّلاح و السّياسة، في وقت معاً، من منظّمات تكفيريّة و قوى إرهابيّة و "معارضات" انفصاليّة و انقساميّة، و دول إقليميّة وراءها.

و نذهب إلى أكثر من هذا حينما نقول إن المباشرة في مشروع "إعادة الإعمار"، هي بالذّات خطوة كبيرة، بالإسهام في إنهاء مظاهر الحرب الباقية و المختلفة، من جانب أنّ "موضوعة" البناء تعمل في الاتّجاه المعاكس لحالة الحرب التي تلخّصها موضوعة "الدّمار" و "التّخريب".

و ربّما يبدو أنّ الحديث في مسألة "إعادة الإعمار" هو حديث "بسيطٌ" و مفهومٌ و عمليّ محض، مع أنّ "المسألة"، هي، في الحقيقة، "مشكلة" أو قُلْ - و هذا في الأقلّ - "إشكاليّة" يجب أن يُنظر إليها في ضوء تركيبها, و هذا عندما ننظر إليها - و يجب أن ننظر إليها - من جانب المسؤوليّة الوطنيّة الشّاملة و الواجب السّياسيّ في الحدّ الأدنى ؛و إن زدنا ففي ضوء الواجب الأخلاقيّ..!

باتت الجغرافيا السّوريّة في "قلق" واقعيّ مفهومٍ، جرّاء ما انتابها من انتهاكات مباشرة من قبل دول عالميّة و إقليميّة و قوى و "مشاريع" وظيفيّة داخليّة انفصاليّة و اعتدائيّة و عدائيّة عليها، مرتبطة بتلك الدّول المحرّضة و الدّاعمة و مدعومة منها، مباشرة، أو غير ذلك.. بغية إضعاف طاقة الكتلة الوطنيّة السّوريّة، الكلّيّة التّكوينيّة منها و الدّفاعيّة، و الاستراتيجيّة، و المرتبطة بالمجال الاجتماعيّ و الحيويّ و الاقتصاديّ و السّياسيّ و الإقليميّ.

يقترن ذلك بالضرورات الاجتماعيّة و الاقتصاديّة و السّياسيّة لعمليّة "إعادة الإعمار" السّريعة و الضّروريّة و الملحّة، الأمر الذي يشكّل ضغطاً سياسيّاً "واقعيّاً" على مشروع الإعمار الجديد، و يجعله - ربّما - حالةً ابتزازيّة للدّولة السّوريّة، تمارسها فروض "المقايضات" السّياسيّة الدّوليّة علينا، في غضون "الشّهوة" الماليّة الدّوليّة المتطلّعة إلى مشاريع ربحيّة خالصة و مغرية لرأس المال الإمبرياليّ و رأس المال الكولونياليّ الرّيعيّ و الخدميّ المندمج مع رأس المال الاحتكاريّ العالميّ.

إنّ التّحدّي الأوّل، إذاً، هو كيف للدّولة السّوريّة أن تتعامل مع هذا المأزقِ الوشيك؟

ليس على الّلغة السّياسيّة أن تُجاهر (أو تزايِدَ) بالحلول الأخلاقيّة عندما يتعلّق الأمر بوضع العالم المعاصر.

و يوماً بعد يوم تتكشّف تلك العلاقة المتداخلة و المعقّدة بين السّياسة و الاقتصاد. و من الواضح هنا أنّنا نتحدّث، ضمناً، على هذه العلاقة.

في مثل هذه الحالة تصبح كلّ لغات الخطابة السّياسيّة البليغة، خارج سياق البحث و الدّرس و الحديث.

يرغب الغالبيّة من "المواطنين" بحلولٍ سحريّة، و يحتاج إليها، إزاء ما سوف يعترضنا، يعترض الدّولة في سورية، من إشكالات عندما سيكون مطلوباً منّا دخول أو مباشرة العلاقات الاقتصاديّة مع "الشركات" و "الدّول" التي ستدخل الدّولة السّوريّة معها في العمليّات و الإجراءات العقديّة في التّنفيذ.

و نستطيع أن ننظرَ إلى تعقّد هذا الوضع بشكل أعمق عندما نعرف - و هذا معروف، على كلّ حال- مدى تداخل "الدّول"، بعلاقاتها، مع "الشّركات" العالميّة نفسها، و بخاصّة في ظروف الاحتكارات العملاقة العابرة للدّول و القارّات.

أمام هذا "الوضع"، من العمليّ أن تتَّجه الدولة إلى تسوية استثمارات سياسيّة نستفيد منها على المدى القصير و السّريع و المتوسّط، في معرض علاقاتنا العقديّة المختارة مع الشّركات و الدّول.
يعني أنّنا قادرون على أن نكون "براغماتيين"، أيضاً، كما سائر العلاقات السّياسيّة- الاقتصاديّة الأنجح في العالم، فنتدبّر، عندئذٍ، الحلول المطلوبة في إطار العلاقات الاقتصاديّة النّاشئة في ظروف "إعادة الإعمار".

إنّ "المقايضات" السّياسيّة هي لغة العالم، اليوم، حتّى في دولهِ الأقوى (و الأمثلة واضحة أمامنا..!)، ناهيك عن الدّول التي لا تجد البدائل أمامها بالوَفرةِ المناسبة في ظروفها المحلّيّة منها و المحيطة بها في إطار الجغرافيا الإقليميّة أو المصاقِبة أو في علاقاتها بالعالم الأوسع.

و من الهامّ هنا أن نذكر أن توجيه أسد بلاد الشام: الرئيس بشّار الأسد، الحكومةَ بالتّوجّه إلى "الشّرق"، في هذا المضمار، هو أحد الحلول الجوهريّة الضّروريّة و الواعدة و واسعة الاختيار.

إذاً يجب أن تكون الضّرورات الاستراتيجيّة مقترنة مع خياراتنا المبدئيّة في التّعاقدات الاقتصاديّة، و مرتبطة بمواقفنا السّياسيّة التّفضيليّة مع الدّول و الكتل الدّوليّة التي أبدت مواقف "عادلة" من الحرب على سورية.

لا سيّما أنّ مبادئ التّعاقد الاقتصاديّة على مستوى المشاريع الكبيرة - و هذا ما يعرفه الاقتصاديّون، جيّداً- تتمتّع في تشريعاتنا الاقتصاديّة السّوريّة بمرونة عالية من حيث اختيار "العطاءات" العقديّة على أسس مختلفة و التي منها "العقود المباشرة" في ظروف محدّدة يمكن التّعلّل بها، أو تلك التي منها، كذلك، أساليب "المناقصات" بأنواعها المختلفة التي تتضمّن، أيضاً، هوامش نوعيّة، و يمكن أن تكون مقصودة، في شروطها "القانونيّة" التي يمكن لنا أن نحدّدها في "دفاتر الشّروط" العائدة لمواصفات و طبيعة و "زمان و "مكان" التّعاقدات و التّوريدات، أو منح التّسهيلات.

لا نقصد، هنا، الدّخول في درسٍ اقتصاديّ معروف للمختصّين، و لكنّنا نذكّر بتلك "الهوامش" الواسعة في "أنظمة العقود" و التي يمكننا بها تمرير مواقفنا السّياسيّة، رسميّاً، و التّشبثّ بها أمام "القانون الدّوليّ العام" و "مبادئ التّجارة العالميّة"، و التي على "الحكومة"الالتزام بها في ضوء رقابة "سياسيّة" و "أمنيّة" مباشرة على ذلك.

نحن، فعلاً، سنخوض حرباً اقتصاديّة - سياسيّة "داخليّة" (إداريّة) و "خارجيّة" (سياسيّة) في البعد الاقتصاديّ، على الأقلّ، لمشروع "إعادة الإعمار"، من جديد.

في هذا الصّدد يجب أن نعرف جيّداً- و هذه فرصة اقتصاديّة و اجتماعيّة تاريخيّة و نادرة- كيف نشارك "القطاع الخاصّ" (القطاع الوطنيّ غير الحكوميّ) مع "القطاع العامّ" الحكوميّ في الكثير من ممكنات الاستثمار في إطار مشاريع "إعادة الإعمار"، و ذلك سواءٌ منه "القطاع الصّناعيّ" أو "القطاع التّجاريّ" أو "القطاع الإنتاجيّ"؛ فنُعيد، بذلك، تأهيل هذه القطاعات الوطنيّة إلى جانب إعادة تأهيل القطاع العام، من حيث الخبرة و العمالة و رأس المال في آن معاً.

و لكنّ الجانب المتعلّق بالاقتصاد و إجراءات الاستثمار في مشروع "إعادة الإعمار"، ليس هو الجانب الوحيد.. و قد لا يكون الجانب الأهمّ، أيضاً..، عندما سيخضع لضرورات أخرى سياسيّة و هيكليّة و إجرائيّة لا تنفصل عنه.

نحن خارجون، و سوف نخرج بالتّأكيد، من حرب مديدة و شاملةو مؤثّرة في العمق و الأفق، طالت بالتّخريب و الدّمار مجتمعاً بكامله و في كلّ جوانب الحياة الاجتماعيّة و الثّقافيّة و السّياسيّة و مختلف البنى التّحتيّة و الفوقيّة.

و على هذا فإنّ مفهوم "إعادة الإعمار" لا يقتصر، و لا يمكن له أن يقتصر، على الجانب الاقتصاديّ المباشر أو العمرانيّ أو ذلك المتعلّق، و حسب، بالحياة اليوميّة للمواطنين، ذلك لأن الأمر في هذا المستوى هو تحصيل حاصل.

إنّ لمفهوم التّخطيط للحاضر و للمستقبل مناسباتٍ مستمرّةً، و لكنّ الأوقات التي تفرض شئياً أو كثيراً من المسؤوليّة السّياسيّة التّاريخيّة، كما هي مناسبة "إعادة الإعمار" الشّامل في سورية..، يجب أن ينظرَ إليها، و أن يتمّ التّعامل معها، كأوقاتٍ قدَريّة يُتيحها لنا الواقع، كما الخيال العمليّ..؛ و لأنْ تكون هذه الأوقات التي تُبنى فيها الأوطان، من جديد، أوقات بناءاتٍ حديثةً على كلّ الصّعد الممكنة و التي تسمح بها طبيعة الحاجة و المعاصَرة.

نعود فنؤكّد على أنّ "إعادة الإعمار" فرصة لن تتكرّر في إحداث ما تسمّيه "المعرفة" ب"القطيعة العلميّة" أو "القطيعة الإبستميّة" (و الإبستمولوجيّة، أيضاً) مع الماضي الذي كان، كما رأينا في أحاديثنا السّابقة، هنا، من العوامل الرّئيسيّة المانحة و المساعدة و الحاضنة للحرب و لاستدامة هذه الحرب.

و سنركّز في هذه الدّراسة على الزّوايا "الميتة" أو "القاتلة"، اجتماعيّاً و سياسيّاً، و التي نراها من ضمن أهمّ ما يجب على "إعادة الإعمار" أن توليه أهمّيّتها القصوى و الأوليّة، أيضاً.

الجوهريّ هنا، هو أنّ "إعادة الإعمار" لا تعني، بل و يجب ألّا تعني، إعادة إعمار "الأشياء" بإعادتها إلى ما كانت عليه..!

لماذا؟

لأنّه، و ببساطة شديدة، نكون كمن يعمل على إعادة إنتاج الحرب أو مقوّماتها و عواملها أو أسبابها و معطياتها "الدّاخليّة" منها و "الخارجيّة"، أيضاً، و لو بعد حين..

أتحدّث، هنا، على الجوانب و المحدّدات و العوامل و المعطيات البنائيّة "المجتمعيّة" و "الثّقافيّة" و "الإعلاميّة" و "الوظيفيّة" و "الإداريّة" و "التّعليميّة" و "التّربويّة"..، إلخ؛ بالتّأكيد.