د. بهجت سليمان: في الدّينيّ (و الاجتماعيّ و الأخلاقيّ).. و السّياسيّ.. و "المسافة" غير الفاصلة بين الدّولة و الدّين- ح3
على رغم ما تبيّن لنا فيما مضى من هذه المقاربات، من أنّ الدّولة و الدّين هما على درجة حاسمة من المحمول "التّاريخيّ"، بالنّسبة إلى السّياسة، غير أنّهما، في الأوضاع العمليّة التي تستولي على الممارسات التي تُجسّد السّياسة، لا يمكن لهما إلّا أن يتبدّيا في حقولٍ مباشرة و يوميّة تعني الأفراد و تعني المجتمع العينيّ المشخّص في علاقات هؤلاء الأفراد من جهة؛ و في المنظومة التي تحكم علاقاتهم، مباشرة، من جهة أخرى.
يعود هذا الأمر، كما قلنا سابقاً، إلى الطّبيعة التّنظيميّة التي يظهرلأجلها الدّين كثقافة و ردع و تواضعات و تواطؤات..، إلخ؛ و كذلك تلك التي تنشأ في غمارها الدّولة كإطارٍ ضابط للحرّيّات البهيميّة و المُبهمة.
هكذا، بالتّالي، يتوجّب على التّحليل النّقديّ للمفهوم، في الظّاهرة،أن يبحث، بتحديدات أكثرَ، في أثر الفكرة التنظيميّة المبكّرة للدّين، و استحالاتها في الاجتماع و الأخلاق، و دور ذلك في بناء الدّولة التّاريخيّة و علاقتها بالدّين، و أثر ذلك على السّياسة التي من شؤونها أنّها تدبيرٌ لأمور "المجتمع المنظّم" كحاملٍ نظريّ لفكرة الشّرعيّة و ما يتفرّع عنها،عمليّاً، في الممارسات السّياسيّة المختلفة في تبادل السّيادة و الخضوع.
لا تسير الأمور في "التّنظيم" ما لم يكن ثمّة أدوارٌ و مراتبُ في "النّظام".
و في إطار بحث موقع الدّين من الدّولة التّاريخيّة أو الدّولة الوضعيّة، يكون بإمكاننا أن ننظر في أمر "الدّولة الدّينيّة" و مصيرها المعاصر، كما في وضعيّات أخرى مثل "دين الدّولة" و "دولة الدّين" (التي تختلف طبعاً عن "الدّولة الدّينيّة")، و في المسافة الفاصلة أو غير الفاصلة بين الدّولة و الدّين.
عادةً لا يُناقشُ التّاريخ الماضي كمادّة نقديّة، بقدر ما هو يجب أن يُناقشَ كسلسلة من الواقعات و الظّاهرات التّامّات. و عندما يتمكّن الفكر النّظريّ من ذلك، يستطيع الذّهاب إلى أبعد ما يمكن أن يكون من "النّقد" الذي يجب أن يُمارسَ على المعطيات الواقعيّة للحاضر الذي ينتظرُ التّصويب الدّائم في المنظومة السّياسيّة التي تمثّل الدّولة.
نحن أمام ضرورة واقعيّة من منشأ تاريخيّ للظّاهرة و مفهومها الذي يتكرّس باستمرار في ممارسات حقيقيّة أو مزعومة. لهذا يضرب لنا الدّينيّ، عادة، "الأمثال" في "الاجتماعيّ" و "الأخلاقيّ"، و كذلك في "السّياسيّ"؛ و هذا ادّعاءٌ تعوزه الحقيقة في قوّتها النّابعة من "المرونة" التّاريخيّة الافتراضيّة، على مدى عهود متوالية و طويلة من كبت الكلمة و الفكرة و خنق الخطاب التّاريخيّ بإهدار عدالة حقّه الثّابت كخطابٍ مُوازٍ لخطابات أخرى..
و هو ما جعل من ادّعاء الأفكار يطفو فوق الأفكار ذاتها؛ و هو أمرٌ أدّى مع التّراخي الزّمنيّ و الاسترسال إلى نتائج أصبحت تستعيد سيرة النّشوء في "التّحريم"، نفسه، و تمنع ما يوازيها موضوعيّاً بقوّة "الواقع" الذي طغى على مختلف الظّرفيّات الزّمانيّة الممكنة الأخرى.
في لحظة تاريخيّة فارقة تمكّن التّاريخ، بعد طول حاجة و حلول، من تحقيق توزيع "فيزيولوجيّ" للعمل. هنالك من هو أدّى الأعمال العضليّة، و هنالك من أدّى الإنتاج النّظريّ. رافق الأمر احتكارٌ للرّاحة و التّرفّع و السّيادة، في توزيع غير متكافئ للعبوديّة.
هذا أمرٌ تعاونت عليه الدّولة و الدّين، معاً، في التّاريخ، لتكريسه في "الأخلاقيّ" و "الاجتماعيّ"، و تالياً في "السّياسيّ".
في مثل هذه الأوضاع التّاريخيّة، المألوفة في الثّقافة و الفكر، كان كلّ من الدّين و الدّولة في موقعيّ تبادل الأدوار و المنافع و الثّروة و "السّلطة" و السّيادة، و لو أنّ الأمر لم يكن ليسيرَ على هذه الشّاكلة من "المسالمة" السّياسيّة التي يفترضها القارئ؛ بل على العكس، فإنه غالباً ما كانت تنشأ التّناقضات و الخلافات على "الأدوار" و الحصص و النّزعة الفرديّة أو الشّخصيّة التي يمكن استبعادها في السّياسة كما في الاجتماع.
هكذا استمرّت "العلاقة" بين الدّولة و "الدّين"، و كذا أيضاً بدأ بينهما "التّناقض".
كان لا بدّ للدّين من أن يحتلّ "الأخلاقيّ" لتثبيت الموقع "الاجتماعيّ" و التّطاول على الموقع "السّياسيّ"، على رغم الحمولة السّياسيّة التي استطاعها الدّين في محاولاته، النّاجحة، غالباً، في التّاريخ، في اختراق القيم الفرديّة و الاجتماعيّة المسمّاة "أخلاقاً" و تسخيرها كسلاحٍ اجتماعيّ- سياسيّ في وجه الدّولة كمؤسسة تحتكر "السّياسة".
إنّ النّفاق التّاريخيّ الذي صاحب "التّديّن" ناقصاً مقتضيات "الإيمان"، كمهنة طموحة و مداورة، جعل من "الدّينيّ"، من حيث نشأته، يسقط من السّماء إلى الأرض.
في هذه الأثناء كان لا بدّ له من ممارساتٍ اجتماعيّة كاذبة ليكون قادراً على استثمار "المقدّس" استثماراً اجتماعيّاً في خلطه التّديّن مع الأخلاق.
كان ذلك نتيجة طبيعيّة لانحراف النّشأة و تردّيها في "اليوميّ"، فإذا به يشترك، بالطّبيعة، مع السّياسيّ لتقوم بينهما علاقة من الصّراع على القيمة. ففي حين ادّعى "الدّين" المساواة- مثلاً- كانت الدّولة أن ادّعت "العدالة".
و في المساحة المشتركة "اليسيرة" ما بين "المساواة" و "العدالة" سكن "الإنسانيّ" و أقام إقامة شاقّة!
بحكم النّشأة و ترويض "الجماعة" قامت "الوشائج" ما بين الدّين و الدّولة، في "الأخلاقيّ" و "الاجتماعيّ" أوّلاً، ثمّ في "السّياسيّ" في المرحلة المتقدّمة من تطوّر الفكرة و تعقّد منظومة العمل المنظّم في "المؤسّسات". و بحكم الضّرورة في التّنافس و الاحتكار بدأت المفترقات تتكدّس في التّاريخ لتصل إلى درجة التّنظير الفكريّ حول طبيعة و ضرورة و إشكاليّات علاقة الدّن بالدّولة. نحن هنا في عصر النّهضة الأوروبّيّ الذي شقّ الطّريق إلى "الأنوار".
كان من رسوبيّات الألم الوجدانيّ الإنسانيّ، أنْ طَرَحَ فكر "الحداثة"، لأوّل مرّة بعد "الإغريق" و بعد بعض "الجيوب" الفكريّة العربيّة الإسلاميّة المبكّرة الأولى في الدّعوة المحمّديّة (!)، مسألة الإشكاليّة الأخلاقيّة في السّياسيّ.
كان لا بدّ أوّلاً من أن يصطدم فكر "الحداثة" بهذه الإشكاليّة على صعيد الأفكار، قبل أن تصل درجة الطّرح الفلسفيّ المباشر لكي تغزو "السّياسيّ" مباشرة في مسألة "العلمانيّة" و فصل الدّين عن الدّولة، أو فصل الدّين عن السّياسة.
سيكون لنا لاحقاً، في غير هذا العرض، عودة إلى هذه النّقطة.
سنبحث، الآن، في أنماط تاريخيّة مختلطة في المضمون كشكل من أشكال الدّولة التّاريخيّة، و كشكل من أشكال الدّين و الدّين السّياسيّ، في وقت معاً؛ هذا، لأنّنا ما نزال نصادف في التّجربة المعاصرة نماذج من هذه "الاختلاطات"، كما أنّنا، في الوقت نفسه، نتعثّر بخطابٍ سياسيّ معاصرٍ يُنظّر لتسويغ مثل هذه "الاختلاطات".
ما أعنيه بالاختلاطات هو تلك المظاهر من الدّول الدّستوريّة التي تُشَرْعِنُ "الدّولة الدّينيّة" أو "دين الدّولة"، في شكلٍ من أشكال "التّنظيم" يعملُ على تلفيق متوازيين هما "الدّينيّ" و "الدّنيويّ" في مناسبة تقاطعهما في الصّراع على "الشّرعيّة"، تلفيقاً يوحي بأنّه من الممكن لكلّ هذا الشّكل المفضوح من التّواطؤ أن يشكّل "انسجاماً" أو "تماهياً" لفكرتين مختلفتين، من حيث المبدأ، على قواعد التّنظيم و مصادره المدنيّة في شكل "التّنظيم السّياسيّ" في الدّولة المعاصرة.
بطبيعة الحال نحن هنا، كما سبق و ألمحنا، لا نجد تشابهاً أو قرابةً بين هذا الشّكل من المأسسة الدّينيّة، و بين شكل "دولة الدّين"، المزعومة،( الفاتيكان، مثلاً ) و التي هي البقيّة الباقية من سلطة الإمبراطوريّة الرّومانيّة في تمثيلها المبكّر لسلطة الكنيسة المسيحيّة، و لو أنّها أكثر الأشكال هزالة، تمثيلاً لروما. و تتشابه معها بطبيعة الحال تلك الحالة التي تحاول أن تقلّدها كممثّلة للدّين الإسلاميّ، و أعني بها "المملكة السّعوديّة".
نحن هنا أمام دولتين وظيفيّتين و محميّتين إمبرياليّتين، من أجل المزيد من الإحكام العالميّ على "النّظام العالميّ" المعاصر، كوسيلتين إضافيّتين ( طبعاً و ليستا أصليّتين! ) لإخضاع اتّجاهات "الثّقافة" العالميّة القائمة و المحتملة و الممكنة في المجتمعات و الشعوب المنضويّة تحت كلا الدّينَين، المسيحيّ و الإسلاميّ، و ذلك بالتّلاعب بالبعد الاجتماعيّ و الضّميريّ للشّعوب، و استثمار نقاط الخمول الدّينيّة التي تكثر في "الأدب الدّينيّ"، و تعميق الجانب الأيديولوجيّ من الدّين لتوجيه المعتقدات و السّلوكات خارج سياقاتها الطّبيعيّة.
إذاً فإنّ ما أقصد إليه من خلال مفهوم "الدّولة الدّينيّة" أو "دين الدّولة"، هو شيء مختلف عن "دولة الدّين" التي لا تشكّل أيّة إشكاليّة اجتماعيّة مدنيّة معاصرة، على اعتبار الوضوح الكامل في أن هذه "الدّولة" التي أسميناها بدولة الدّين، ليست عقبة فكريّة أو سياسيّة أمامالتنظير النّقديّ في شكل "الاختلاطات" المعاصرة "السّياسيّة" و "الدّستوريّة" التي تهمّنا الآن.
حديثنا، إذاً، على "الدّولة الدّينيّة"، أوّلاً.
أعني بالدّولة الدّينيّة، "الدّولة" التي تشكّل استمراراً لشكل دولة "الخلافة الإسلاميّة" على التّحديد. هنا ما يزال "الدّينيّ" حاكماً و منافساً للمدنيّ على الصّعيد الاجتماعيّ الذي يستمرّ في إنتاج البنية السّياسيّة في هرميّة الدّولة القادمة من ذكريات و ذاكرة "القبيلة"المتعاضدة مع سلطة "الإفتاء".
و أمّا المجتمعات فيها فَمُمَأسَسَةٌ في نظم القرابة و العائلة و العشيرة و القبيلة، مُقوّاةً بالمعتقد الدّينيّ- السّياسيّ الذي يقوم مقام "العقلانيّ" في "السّياسيّ". إنّها المجتمعاتالهُلاميّة، في عصرنا العالميّ، على التّحديد.
عندما ننعتُ مجتمعاً من المجتمعات بـ"الهُلاميّة"، فإنّنا نذهبُ إلى أن نقولَ إنّه مجتمعٌ غيرُ مُتعضٍّ، وظيفيّاً، من حيث أنّ "أعضاءَه" من أفراد و مؤسّسات أهليّة و مدنيّة و سياسيّة، تؤطّرها علاقات ظاهريّة من "الاجتماع"، أو تقدّم عنها صورة أفقيّة للاجتماع لا أبعاد عُمقيّة فيها.
و إنّما، أيضاً، هي ما تزال في إطار "الكَومةِ" الاجتماعيّة غير المنسّقة. و تربط الأعضاء المختلفة و المتعدّدة، في مستوياتها المتداخلة و المتفاوتة- في آنٍ واحد- في هذا النّوع من "المجتمعات"، روابط ما قبل سياسيّة و لو أنّها تتغلّف بالسّياسيّ!
نحن هنا أقربُ ما نكون في "عضويّة" غير متمايزة. و هذا شيءٌ مفهوم في "البيولوجيا". إنّ ما ينقص الأعضاء غير المتمايزة في "العضويّة البيولوجيّة"، هو "الوظيفيّة" المتقدّمة للأعضاء في تنسيق الحركات و المُدخَلات و التّفاعلات و المُخرجات، و هذا ما يدرسه العلم المعروف بـ "الفيزيولوجيا".
إنّ أقوى العلاقات في هذه المجتمعات "الدّينيّة" المرتبطة بالماضي الغيبيّ و المستقبل غير المحدّد و لا المنظور.. ، إنّما هي تلك العلاقات التي تقوم على ادّعاءاتٍ أخلاقيّة- اجتماعيّة لا تنتهي.
و يُضافُ إلى ذلك ما تستطيعُه الأفراد و الجماعات فيها، من "ثقافيّة" قائمة على المحفوظات المنقولة و الجاهزة للنّقل الذي يخترق الجدل و النّص و الخطاب، و باختصار لكلّ ما يمكن أن ينتمي إلى "الأيديولوجيا".
إنّ الأدلجة، الدّينيّة منها و السّياسيّة، هي ما يُميّز هذا النّوع من المجتمعات؛ هذا و من الطّبيعيّ و التّلقائيّ و المنطقيّ أن تكون الدّولة الحاكمة فيها، انتخاباً من أقدر مَن يتمكّن من "تمثيل" المجتمع و "التّعبير" عنه، في البنية الفوقيّة المطابقة..!؟ نحن هنا في "الدّولة الدّينيّة" النّموذجيّة في التّاريخ الحديث و المعاصر..!
و على سبيل المثال؛ هل "السّبب" في الفشلِ "الإداريّ"- السّياسيّ، هنا، هو "القرار" الذي أهمل فكرة "الدّولة" من أجل مراعاة "الدينيّ" و "الطّائفيّ"، أم، على العكس، و أي أنّ "السّبب" في ذلك هو أنّ "القرار" الاستراتيجيّ (في إنتاج المجتمع و أدواته في آفاقه الضّروريّة) قد غلب عليه طابع "السّياسيّ" و لكنْ الذي اصطدم بالمخزون الكامن في "الدّينيّ" ( أو الطّائفيّ ) الذي تفوّق "اجتماعيّاً"، فجعل هذا الأخير من الأول، من جديد، تابعاً إلى "الأخلاقيّ- الغيبيّ"، مع كلّ ما يحمل هذا النّعت من نفاقٍ تاريخيّ..؟!
المشكلة الأساسيّة هنا- في مجتمع "دين الدّولة"، و في نظام دين الدّولة، السّياسيّ- أنّنا لا يُمكننا الجزم الوضعيّ المناسب، في وَسَطَهِ،لتطبيق الجانب التّنفيذيّ من هويّة الدّولة السّياسيّة، في إطار الاستلاب الذي يطمح إليه "الدّين" المُقوّى بالسّياسة، و الذي يمارسه، ممارسة فعليّة و مباشرة، على "الدّولة".
. نحن لهذا، بالضّبط، بدأنا حديثنا في هذا الشّكل من "النّظم السّياسية"، من منطلق تحذيرنا من فشل جميع التّنظيرات النّقديّة السّياسيّة للمجتمع و الدّولة معاً، و التي يحتاجها الواقع اليوميّ، هنا، أبداً و باستمرار.
و على الحصر، نحن، هنا، أمام إشكاليّة "متقدّمة" في العلاقة ما بين الدّولة و الدّين، و أعني بها ما يمكن أن نسمّيه "الدّينُ السّياسيّ"!
صحيح أنّنا انطلقنا منذ بداية متوالية هذه الأحاديث من أنّ ثمّة ما "يجمع"- و يستمرّ- دوماً ما بين الدّين و الدّولة، أو الدّين و السّياسة؛ و لكنّ ما حدّدناه هناك هو مسألة النّشوء و آثاره الموضوعيّة (الخارجة على السّيطرة، و غير المرغوبة) على "التّنظيم"، و ليست موضوعيّة و قَدَريّة مسألة "التّعاضد" و التّواطؤ التّاريخيّ و الأخلاقيّ المنظّم و المقصود.
إنّ من يتصوّر تشابهاً بين الحالتين،هو لم يُدرك، بعدُ، طبيعة الضّرورة الحضاريّة للفصل ما بين الدّولة و الدّين من حيث "السّياسيّ"، أوّلاً؛ و ثانيّاً، من حيث "الأخلاقيّ". أعني أنّنا هنا أمام ضرورات "الدّنيا" قبل أن نكونَ أمام ضرورات "الدّين"!
إنّ ما يختزنه شكلُ الدّولة و مضمونها في حالة محاباتها لدين الدّولة، إنّما هو أسوأ ما في شبيه "الدّولة الدّينيّة" التي تحدّثنا عليها، أوّلاً، ثمّ ما ينضاف إليه ممّا هو أسوأ، أيضاً، من أبشع أشكالِ الابتزاز "الدّينيّ" لـ "الاجتماعيّ" و "السّياسيّ" و "الأخلاقيّ" و "الإنسانيّ" في وقت واحد بدون ترتيب!
إنّ "دين الدّولة" هو الدّين الأكثر تغوّلاً- عل عكس ما يُنعتُ بنعوتٍ لطيفةٍ.. لسنا في موردِ ذكرها الآن!- في تاريخ علاقة السّياسيّ بالدّينيّ، و ذلك بالمقارنة مع جميع أشكال تداخل "الدّينيّ" بـ "الدّنيويّ" على مرّ التّاريخ؛ ذلك لأنّ هذا الشّكل من العلاقة هو أحدث الأشكال التي وصلتها علاقات التّخابث الدّينيّ الإنسانيّ في طموحها إلى ابتلاع "الدّنيا" و التهام "الدّين"...!؟
على التّوالي.. يجب أن يكون قد أصبح واضحاً، الآن، كم هي تعقيدات و حساسيّات العلاقة بين الدّولة و الدّين، و كذلك كم هو الفارق كبيرٌ في علاقة الدّينيّ بالدّنيويّ، من حيث "النّشأة" و من حيث "الاستخدام"، كما هو الفارق، أيضاً، واضحٌ ما بين دولة الدّين، و الأشكال الدّينيّة للدّولة، أو أشكال الدّين السّياسيّ.
الأهم في أشكال الدّول "المختلطة"، و بخاصّة منها الأخيرة في حديثنا السّابق، أنّها تقوم على أساس مجتمعات متخلّفة، محدودة بآليّاتالاستقطاب الأخلاقيّ- الغيبيّ القائمة على طائفيّة "دينيّة" وظيفيّة- تاريخيّة، و تاريخانيّة، فضلاً عن الغيبيّة- الاجتماعيّة التي تضحّي بالمجتمع من أجل "الجماعات" و "الأفراد" و "القرابات" و "العصبويّات" و "الأخويّات"..!
و هكذا تطبع بطابعها المتخلّف جميع المؤسّسات الأهليّة منها و المدنيّة، و جميع أشكال التّجمّع و التّعبير، بما في ذلك ما يُسمّى "السّلطة" و "المعارضة".
إنّ هذا "الواقع" الذي يقوم على جذرٍ متناقضٍ مُشَرْعَنٍ في علاقة الدّينيّ يالدنيوي ، يجعل "المؤسّسة" العامّة ساحةً لصراع المكوّنات و الأطراف الذين شكّلوا شبكة العلاقات الكيديّة و الانتقاميّة و الثّأريّة في "المكان الاجتماعيّ" ثمّ نقلوها في "المنظومة" العامّة ( في المؤسّسة ) إلى "المكان السّياسيّ".
هذا هو سرّ التّعقيد الباعث على التّناقض و التّردّد و تشجيع الميولِ التي تعبّر، أكثَرَ، عن الانفصاليّات و الانقساميّات النّفسيّة و لو أنّها تعتمد دين الدّولة و حامله الأكثريّ- الاجتماعيّ!
أمام هذه التّرتيلةِ الجائرة يبقى العالمُ وحشيّاً و متحجّراً، و الطّبيعة متجمّدة، و العقل غائراً في الغرائز الدّونيّة المرتبطة بالعنفِ و الشّهوة الجائحة، من جهة؛ و بالدّفاع عن الذّات، من جهة أخرى.
إنّ الفعل، هنا، و مهما كان نابياً و بذيئاً و طاغياً و مجرماً..، يمكنهببساطة أن يجد له ملاذاً آمناً في كلّ من الدّين و الدّولة في آن واحد، حيث تخترق "القانون" الوضعيّ شبكة من مراكز القوّة و العنف و الاحتكار و الطّغيان.
ليس هنالك ما هو أخطر من "الدّافع الإنسانيّ" المختلط- وفق ما وصفناه، أعلاه- عندما يتمكّن من استثمار الدّينيّ والدّنيويّ، في آن معاً، في تلبية النّزعة الفرديّة الإنسانيّة التي تبقى- على الدّوام- مسيطرة على كلّ اتّجاهات الشّأن العالم و المرفق العامّ و المصلحة العامّة، و ذلك مهما كان المضمون "الأيديولوجيّ" للخطاب السّياسيّ ذا صوتٍ غالبٍ في فضاءات الفراغ.
سوف نقرأ، في مستقبل هذا الحديث، تصوّراتٍ عمليّةً على كيفيّات نقد هذا الشّكل الواقعيّ لدين الدّولة، و لو أنّها من المهمّات الصّعبة و المحفوفة بالمخاطر الثّقافيّة و الاجتماعيّة جرّاء استقرار "العُرف" الفرديّ و الجماعيّ و الدّينيّ و الطّائفيّ و الجِهويّ، و "الأخلاقيّ" (و باختصار، ما هو من ممتلكات "المقدّس"، اليوم..) في أعماق و آفاق الخطاب السّياسيّ الذي اضطرّت "الدّولة" للتّخلّي عن احتكاره، و هذا ما هو مفارقٌ في تاريخ "الدّولة" و استراتيجيّات "التّنظيم"..!؟
* ملاحظة:
** الحلقتان السابقتان ، نشرتا هنا على هذه الصفحة ، في الأيام الماضية:
- 2 - "الحلقة الثانية":
["التّاريخيّ" و "السّياسيّ" ، في الدّولة و الدّين... و الصّراعُ على "الشّرعيّة"] على الرابط http://www.fenks.co/%D9%86%D9%82%D8%B7%D8%A9-%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85/12116-%D8%AF-%D8%A8%D9%87%D8%AC%D8%AA-%D8%B3%D9%84%D9%8A%D9%85%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%91%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%8A%D9%91-%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%91%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D9%91-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%91%D9%88%D9%84%D8%A9-%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%91%D9%8A%D9%86-%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%91%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D9%8F-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%91%D8%B1%D8%B9%D9%8A%D9%91%D8%A9.html و
- 1 - "الحلقة الأولى":
[الدّينُ و الدّولة.. أم الدّولة و الدّين؟]