اذهب غير مأسوف عليك

إحسان عبيد

(عندما أخاطب العام المنصرم، فأنا أخاطبه لأنه كان حاضناً للأحداث وليس مسؤولاً عنها، لأنها من صنعنا نحن).
مثل مدير مراسم لحفلة زارٍ كنتَ.. دعوتَ لحفلتك السفلة والجهلة والأوباش، وتركتهم كالثيران يعورون في متحف الخزف.. حطموا الغالي والثمين، وتركونا نبكي الجثامين.. هؤلاء الأوغاد أخذوا قطيع الفراشات إلى نفق ضوء زائف، وانحشروا كعقارب عمياء مصيرها أن تأكل بعضها.
تكاثرت سماسرة "الثورات"، وتكاثرمتعهدو حقوق الشعوب، وكشاشو الحمام في الهزيع الأخير من المناحة.. وفي الوقت الذي غدونا فيه نعاني من الفصام والصرع والضعف العقلي، طلبوا منا شهادة الجرح ضد السكين، ووثائق تسجيلٍ لتناهيدَ حارةٍ وهديرِ المصائب.
قلنا لك: استفقنا.. قلنا لك: أننا كنا نملّح أفكارا منتنة لنساعدها على البقاء.. قلنا لك: أننا كنا نرفع شعارات نيئة وسخيفة ملفوفة بعَطن المرحلة.. قلنا لك أن انحلال عقدة اللسان ستأخذنا إلى بر الأمان.. لكن طبيعة شرّك وعرّك تغلبتْ على جانب الرحمة فيك.. فرميتنا بقطعان الخنازير، ونوبات الطاعون، وغربان النفط، ولففتنا بكآبة خرساء، تحولتْ إلى دموع شاوية.
تعاقبتْ أيامك مثل عاصفة تترية اللحن.. تمنيناها لو كانت صرير ريح وثنية رحيمة.. وضعتَنا في مُغامرة خطيرة أن نأمَنَ، وفي مُغامرة أخطر أن نؤمِنَ.. ورسمتَ لنا على جدار الشفق طيوفَ حورياتٍ ينتظرن فحولة البعل الغائب.. ووضعتَ على جوازات السفر سمة دخول مجانية.
وقف إلى جانبك بعضُ الهمج والرعاع.. قطعانٌ لفتْ ذيولها، وقادوا بعضهم بشوارب حليقة ولحى طليقة، مسلحين بسواطير ومطارق دين حالك، فتك بالحسيس والأنيس، وسط جهل لا عزاء فيه.
وقف إلى جانبك بعض مدعي المثاقفة.. ارتدوا أجمل البدلات وربطات العنق، وتوزعوا على الفنادق والأرصفة، أنفهم في السماء، وإستهم في الماء.. يقفون كمستشرق في ثياب فقيه مؤجَّر.. كانت همهمةُ وغمغمةُ ودمدمةُ وشبرحةُ أصواتهم مثل حمى الضباع حينما تتعاور صيدا، ومثل سعار الذئاب الجائعة عندما تضرب دائرة حول غزال رضيع.. حقدهم نغل في أحشائهم، وأحشاؤهم بادلت الحقد نهشا ومغصا.. يقومون بدور الزبائن للوطن، متنكرين لفضل الأمومة والأبوة وجاحدين للتربية.
أيها العام المنصرم:
بئس الرفيق كنت.. جئت بمسوح الرهبان، وذهبت يعلو وجهك تعبير ثور في المذبح.. ماذا أذكر منك؟.. النكبة والتابوت، وأطفال تموت، وعواصف العويل بالبيوت.. أتيتَ بأعمدة الرخام على أضرحة أهلي وخلاني، وجمعتَ الحطب لتحرقهم على الطريقة الهندوسية.. وجعلتَ ما تبقّى منا، مشردين بأرضنا جائعين بخبزنا، خائفين بأمننا، بردانين بمحروقاتنا.
أيها العام الغادر: إرحل غير مأسوف عليك.. ستبقى دمّلا ينزف في كتف سوريا، وسوف تتلبسك جميع الشتائم التي ضلت طريقها، والتي لاسقف لها..
انتبهوا يا أصدقائي: فمنذ زمنٍ تتناول وطني مطارقُ التطويع من الدواعش والخوارج والعلوج بمساعدة الفاسدين وديدان الداخل الذين ينهشوننا ليل نهار، وما زال عنده بقيةٌ من عناد لأنه يحتمي بنا ونحتمي به.
"سر بي يا حصاني قبل أن يطول لساني".
• احسان.... دبي - 31- 12 - 2021..