كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

تكريم العملاق

سام صالح

عندما يكون الشاعر هو طليع حمدان فإنه لَكريمٌ
و الكريمُ بذاتِهِ يكون تكريمُهُ من الناس بأن يعرفوا مقامَه الكريمَ و يُنزِلوه به...
منذ بضعة أيام كُرِّمَ طليع حمدان في صوفر بالصورة التقليدية الدّارجة.. و لا بأس بمثل هذه التكريمات الرمزية فذكرى الشاعرِ و شعرِهِ تنفع الذائقين المُحبّين...
قد يكون بعض القُرّاء يعرفون قيمة عملاق لبنان،
و ربما بعضهم سمع به وما سمع له...
و على أيّة حال أنا أتحدث عنه حديث من يعرفه معرفة طيبة منذ سنين طويلة.
إنّ وطناً من الأوطان فيه عبقريٌّ بحجم طليع حمدان لأعدُّهُ وطناً مُوَفَّقاً إلى الجمال بمعناه القريب و البعيد...
طليع حمدان من أجمل وجوه لبنان الحضارية.
إنه مَلِكُ الكلمة و ملك الذوق و ملك المحبة.
و المستوى الفكري الجمالي الذي يتلكم منه هذا العملاق كفيلٌ بأن يُحَضِّرَ أمّةً صحراويّةَ السجايا، و يهذّب تفكيرها و ميولها، و الذي أفسَدَتْه السياسةُ من حياة الناس يستطيع إصلاحَه، لو أنصَتَ إليه الناس و أخذوا كلمته على محمل الجد...
طليع حمدان في شعره و تواضعه و محبته إنسان حقيقي.
إنه يخاطب عقلَ الإنسانية الراشدَ و قلبَها المُحِبَّ.
..في شعره تجد الحياةَ بأبهى صورها
تجد الجمال والحب و التسامح،
تشاهد ألق الطبيعة و اخضرار الربيع، وتفتح الزهور، و تدفق الينابيع و الأنهار، و غناء البلابل و الشّحارير..
و في مقال لي سابق عن الزجل اللبناني قلتُ:
هو بحتريُّ الزجل و ابنُ زيدونه.. و أجمل من غنى للطبيعة و حركةِ الحياة فيها.
من افتتاحياته قوله:
طلّيت يا نوّار بعد الانتظار
توشوش نسيم و ترجع تفلفش خَضار
و كل العراوي ال بعدهن ما تْبكّلو
بإيدك يا شهر الورد جبتلهن زرار
ونيسان لمّا ودّع العمر الحلو
قلّك بلهثات الزنابق و القمار
ما أسعد ال عمرو بيكون بأوّلو
و ما أتعس ال عمرو بآخر يوم صار
معليش يا نيسان لو عمرك فِني
متل ما قبلك فني آذارنا
عمار الشهور بيرجعو بتاني سنة
و نحنا منين بيرجعو أعمارنا
و شاعرنا من أعظم من غنّى للوحدة الوطنية وللألفة والتعايش بين الطوائف. و من نماذج شعره في ذلك قوله:
التعايش بين أزهار العشيقة
و بين النحل عبّالو قفيرو
التعايش بين خيطان الرشيقة
و بين النَّول لبّسنا حريرو
التعايش بين هالخمرة العتيقة
و بين الكاس بنَّجنا عصيرو
التعايش بين أوتار الموسيقا
جداول عزف خلّاهن يصيرو
التعايش بين هالنسمة الطليقة
و بين الزّهر نعوَشنا عبيرو
التعايش بين ناسك بالحقيقة
و بين الشمع صفّالو ضميرو
وحتى هالعصافير الصديقة
الحياة من الحديقة بيستعيرو
ما طاروا بفرد جانح بالحديقة
بلا جناحَين ما فيهن يغطّوا
و بلا جناحين ما فيهن يطيرو
و لا شك أن الشاعر العملاق الذي هو حرٌّ بكلمته و رأيه لا بد أن يكون صوتَ الضمير للشعب الذي ينتمي إليه.. و أحقُّ كلمة يقولها شاعرٌ هي التي يتحدث بها كل مواطن في بيته وبين أهله و ذويه.
وهذه الكلمة هي الأصدق و الأولى بالجهر من غيرها من الكلمات التي هي محض مجاملة ومسايرة وتملّق و تزلّف و تمسيح جوخ...
و سأختم بقصيدة لشاعرنا الكبير طليع حمدان قالها في حفلة الكويت، التي أقيمت في تسعينيات القرن الماضي، والتي كان خصمَه المنبري فيها زغلول الدامور الذي قال له في بعض محاوراته معه:
بيجوز إنت سبقتني بكتر السنين
لكن أنا يا ما سبقتك بالحنين
و قصيدة طليع أثبِتُها كاملةً هنا لأنها لسانُ حالنا اليوم في سوريا المنكوبة المسلوبة و المنكوسة المعكوسة، مع أن الشاعر وجَّهَها من الكويت مخاطباً بها الشعب اللبناني. و هي:
يا طفل أشواقي تعا لَيّي
متل جدول عطر بالفَيّة
ما أجملك ع شفاف عطشانين
و ترم العطش ما أطيب المَيّة
زغلول يا بو جفون دبلانين
مهما غمزت ببيوت شعرية
بفهم أنا و هالناس فهمانين
لا بتمرق عليهن ولا عليّي
اللّي وصّلونا للمشاكل مين
هلّق بقلّك مين يا خيّي
البلوة مش من ولاد مختلفين
البلوة بزمان الإختيارية
بالرغم ماشابوا متل صنّين
ضلّوا بعقلية أنانية
ورّتوها ل شعبنا المسكين
متل حقل بيورت الحيّة
كل شي حدث تغيير بالتكوين
ضلّت مصيبة متل ما هيّي
مدري حملنا عيون عميانين
مدري ما بدنا نقشع سْويّة
شوفوا اللي كانوا من البدائيين
دابوا مع التغيير غنّيّة
شوفوا العبيد اليوم مرتاحين
و ملّوا الدني رايات حرّيّة
شوفوا شو عملت بالغرب برلين
و لو شعبها من دون حنّيّة
ت تقابل الحلوين بالحلوين
هدّت جدار من العبوديّة
شوفوا أوربّا بطلّة التسعين
فتحت الشرقية ع غربية
عيبة علينا نضلّ مقسومين
و نحكي بغربية و بشرقية
و شوفوا كمان بعالم التمدين
شو تغيّر قوانين دولية
و نحنا بدل ما نغيّر قوانين
منغيّر كرافات يومية
ياهل ترى ع مين متّكلين
ع اللي ادّعوا بالديمقراطية
بيقدّموا عشرة للمساكين
و بياكلوا تسعين بالميّة
عا مين متكلين ع دكاكين
خلّوك يا لبنان يا بيّي
موزّع متل ركوة على فناجين
قهوة ع نار الموت مغليّة
كلّنا بلبنان مظلومين
إسلام و دروز و مسيحية
ما عاد فينا كل عشر سنين
نعمل حرب كرمال شخصيّة
من هيك يلي محاشر السبعين
لا تلوم أصحاب الشبوبية
تنبطّل بلبنان مختلفين
عقلية ال عنّا خطر ع الكل
لازم نغيّر هيك عقليّة