منازل

علم عبد اللطيف- فينكس:

لَكِ يا مَنازِلُ في القُلوبِ مَنازِلُ
أَقفَرتِ أَنتِ... وَهُنَّ مِنكِ أَواهِلُ
يَعلَمنَ ذاكِ.. وَما عَلِمتِ... وَإِنَّما
أَولاكُما... يُبكى عَلَيهِ.... العاقِلُ
(ابو الطيب المتنبي).
المنازلُ والشّعرُ.
......................
ماللقصائدِ والصّدى..
يُغوي البيوتَ
فتتّقي.
بعضاً غَريراً شارداً
لا ينزِلُ الدرجَ الطويلَ
ولا يعودُ ويرتقي.
هذي المنازلُ لا تُعيدُ خطابَها
فيها صدى الكلماتِ زادُ ضيوفِها
يدنو كما طيفِ
وإنْ قاربتُه في ليلهِ
نَفَرَ الصباحَ كما أسيرٍ
مُعْتَقِ.
تركَ الصدى ترديدَه في إثْره
متنقّلا بين اليباس
وبين غصنِ في الحدائق
مورقِ.
مالي وللصوت.. استثارَ مسامعي
وعهدتُه أبداً رفيقَ سكينتي
فيه من الألق المُذابِ..وفيه بعض
مدامعي.
وبه من التّوق الحبيبِ إلى البلاد تذكرٌ..
لم أُحصِهِ
لكنني أدركتُ كم هو
موجعي.
ياللمنازل كم حَباها الشعرُ من أصدائه
حتى تراقصَ في خرائبها البكاءُ
ولم تبادلُه الرضى
أو تمنعِ.
ولها القلوبُ العابقاتُ بسرّها
ما جاهرتْ في بوحِهِ
يوماً.. ولم تزعمْ براءةَ خفقِها
او تدّعي.
جاءتْ وفودُ الشعر من أبوابها
زحَمَتْ وسيعَ فِنائها
وتصالحا.
مَنحا النوافذَ كلّ ما
قد كان في الكلمات من معنى العطاءِ
وما درَتْ من كان فيها
المانِحا.
وهي التي أبْقَتْ على أجفانها مفتوحةً
لم تذرُفِ البلوى ولم
يَبْدُ المحيّا
يومَ نكبتها الوجيعةِ
كالِحا.
فيها غدتْ كلّ الفصول ملاعباً
لِحُفاةِ أبناءِ الخرائبِ
تعتلي فيها الضياعَ مَحافلاً
ومسارحا.
لم تنسَ في أسفارها
تلك الوفود الآتية.
من عطّر الأمسَ القصيدَ
ولَمَّ في كلماته معنى الرحيل
بقافيَةْ.
غرِقتْ بإيقاعٍ صَحا في شَجوِها
وعهودُها ما غادرتْ
فيها الأغاني
طافيةْ.
سألتْ كثيراً عن معاني القول في أشعارِها
وعنِ الرجوعِ
وسرّهِ.
وبها من الحسراتِ مايكفي اليراعَ
إذا مضى متبرّماً
من حبرهِ.
في كَسْرِ أحلامِ الخواطرِ
وِزْرُ باكيةِ الحروفِ
وقد أضافَ إلى القصائد
كِسْرةً من وِزرهِ.
هل من مواسٍ للكتابة
حين يخذِل حرفَها فيها
غِناها.
وهي التي عبَرتْ على النيران حافيةً
ولم تُدركْ بخطوتها
مُناها.
سَئِمتْ من الترحال بين جنونها وسكونها
فانْصاع فيها الحرفُ
يطلب مُذعناً منها
رضاها.
هي لم تمتْ
قالت ومالَت صوبَ خابية الضّنى
كي تمنحَ التذكارَ من نشواتها
وتدور حول مكانها
في بعض هدهدةٍ...
وتُشْركُ سكرَها فيها
بكاها.
لم تَدْرِ مافعل الزمانُ بسرّها
لو جاهرتْ ببَواحه
ماضرّها.
أو كان بالظنّ الأكيد..سعى بها
أو جرّها.
لا تستقيمُ حلاوةٌ في حفظها
مع مُرّها.
لو لم يكن هذا الزمان
يجيبُ عن أسرارها
ماكان سلّم بالشراكة راضياً
وأقرّها.
يا للقصائد سافرتْ..فيها القوافي حائِرةْ.
مابين أنّات البيوت..وبينها
إغواءُ خاطرةٍ سَرَتْ
في الخاطرة.
لم تلتفتْ صوبَ الأماني خِلسةً
ومضَتْ إلى عنوانها..كغيوم صيفٍ
عابرةْ.
كانت سترضى أن تُقيمَ ببيتها
مثل الصدى
لكنها في الحالتين
مُسافرة.
يا كلّ أحرفيَ النبيلةِ
حاذري أن تبرحي هذي البلاد
هي منزلكْْ.
وهناك في أفيائها
وقتٌ وريفٌ ذاتَ فصلٍ
ظلّلكْ.
هي لم تُضِفْ فصلَ القراءة للفصول
لتخذُلكْ.
يانبلَها في قَطْرها
كم في النّدى
قد بلّلك.
فتقبّلي منها صلاةَ حروفها
أو شِعرَها من حزنه
ليعود يمسح وجهَه في آيةٍ
مما ملَك.
قد كان هذا الحزن يوصِل بعضها
ويلمّ بعضاً غائبا
كي يوصِلَكْ.
أبداً وَفَى بعهوده
مابدّلكْ.
هو لم يُجِبْ
كي يسألكْ.
كم قال لكْ
ما أجملكْ.
أو فاصرُفي عنه الغِوى
إن ناءَ في أثقاله
أو لم يَثُر بقصيدِهِ
قولي له من غير أن تتحسّري
يا..هيتَ لكْ.
إن كان يدري ما أتاه
الفاعلون.
أو أدركَ المثوى الذي بجنونه
قد شرّع الاحكامَ شرعاً
للجنون.
هذي ظنونُ الشِّعر والشعراء
أعطتْ من أكيد ظنونها
ما يستقيمُ مع الظنون.
او فلْتدُرْ طاحونةُ الزمن الجريءِ
على زمانٍ سار حتى أمسِ
فيما يُشبه
الركبَ الحَرون.
ماذا لوانّ الشعر حطّ على الثرى
بشجاعتِهْ.
ماذا يقول عن الشباب..
عن الكهولة..
أو براءةِ منزلٍ
أغنَتْهُ عن أسفاره
بيَفاعَتهْ.
هل كان يفقد ظلّه وقتَ الغروبْ
ينظر ساهماً
في ساعتهْ.
ماكان هذا الشعر إلا راضياً
بهروبه من نفسه
فرِحاً بما تركتْ حروفُ قصيدِهِ
بوداعتِهْ.
هو لم يغِبْ..
يعلن أنه متعالقٌ
مع أرضهِ.
ماانفكّ يكتبُ كلّ فصلٍ ذاتَه
لم ينتبه دوماً
لينهي يومه
في فرضهِ.
هو قد يكون...وقد رأى
نُذَرَ الغياب بشعرِه
قد غالبَ غيبةَ ظنّه
بحضوره
أو...
مع بعضهِ.