الشام.. أميرةُ العواصم وقَمْحُ المحزونين

توفيق أحمد
إنَّها الشَّامُ..
التي رَوَّتْ بأقداحِ سُلافِها يَباسَ الأيام
الشامُ التي أَلْهَبتِ الذَّواكرَ بالإلهام
أربعونَ عاماً
وأنا أَزْرَعُها في دمي سندياناً وياسميناً
لذلك ما شَمَمْتُ في كُلِّ أروقتِها إلّا العِطْرَ..
أقولُ ذلكَ..
وأنا واحدٌ من آلاف الملايين
الذين تَوَّجَتْ رؤوسَهُم بالنُّور والحَنان
طامِيةٌ في دفئِها
هي قِبْلةُ الماجدين
ولو كانت في شَمال المتجمِّدات
لم تَكُنْ إلاّ طريقاً للحقِّ
ولم تَكُنْ أيضاً إلاَّ سُلْطانةً على التاريخ
لم تَخْلُ أيّامُها يوماً واحداً
من محاولةِ الطُّغيانِ عليها
مِنَ الانْقِضاضِ على أحلامها في الحياةِ المستمرَّةِ
لكنَّها الشامُ التي انْتَصَبَتْ طَوْداً سامقاً
حاميةً للشَّرقِ وأهْلِهِ
يا لَكَمْ لَمَّتْ بأُبُوَّتِها
مِزَقَ ثيابِ الأخْوَةِ
ولم تكْترثْ يوماً إلاّ بالنائِرِ الجليل
جبينُها عالٍ
وحقُّها بائنٌ ومُصانٌ
وشَعْبُها أَحَدُ أَبْرزِ الأدلَّةِ الدامِغَةِ
على استمرار جَمال الحياة..
وعندما يُلْفَظُ اسْمُ دمشقَ
لا بُدَّ للعبير إلاّ الانتثار
وللأخلاقِ إلاّ أَنْ تَعُمَّ الميادينَ
وهي دارئةٌ لأبوابِها من كُلّ العواصف
عندما يكونُ الانْهيارُ خُبْزَ الأشقياءِ
فهي قَمْحُ المحزونين
كُلُّ مَنْ شَهِدَ نَعْماءَها
انْصَهَرتْ دماؤُهُ بكراماتِها
واستقرَّ الأمانُ في سرائِرِهم
ومِنْ أجل ذلكَ وغيرِهِ
أَصْبَحَتْ يقيناً بائناً لكلِّ ذوي المخاوف
ولا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ لآلِئِها
يُمكنُ صياغةُ كُلِّ عِقْدٍ زاهٍ
إذا كُنْتَ في الشام
فمنَ المُؤَكَّدِ أنَّكَ في حضرةِ النَّشامى
في حَضْرةِ المعارفِ والمُلهِمات
في حَضْرةِ احتواءِ الثقافات
وبين سليليِّ العبقريات
وقد فَتَّشْتُ في معاجِمِ سيرورتِها
فلم أَجِدْ عباراتِ الوَجَل
ولم أَجِدْ مُصيبةً طالَتْ بها أو عليها
لذلكَ انْتَقَلتِ الشامُ من عاصمةٍ
إلى أُمَّةٍ كاملةٍ
ولأنَّها صاغَتْ من سُمُوِّ الأيامِ فساتينَها
أَنْجَزَتْ صياغاتِها المتتاليةَ
لرُسُوخِها السامي في ثنايا الدهر
فالشامُ ليسَتْ مِنَ المُمْطِراتِ العابراتِ
بل هي مَطَرٌ دائمُ التَّهْطَالِ
ولا شَكَّ أبداً
أنَّ الشامَ من المُدُنِ التي تَزْدانُ
بطهارةِ الإلهِ العظيم
فهي عصيَّةٌ على حبائلِ الأعداءِ
وصافيةٌ صفاءَ أَغْوارِ الينابيع
أَصْفَيْتُ حُبِّي لها
وهي وردةٌ مُزْدانةٌ مورِقةٌ بدمائي ووجداني
وهي حَيَويَّةُ قصائدي
ودروبُ أَوردتي
ومن العِزَّةِ والشَّرَفِ والكبرياءِ والسُّمُوِّ
أَنْ تكون الشامُ
أميرةَ العواصم..