قصيدة.. "محمد مارون عبود"

كان والد الأديب والناقد الكبير مارون عبود، الخوري يوحنا عبود يريده أن يكمل دروسه في الرهبانية المارونيّة ليرسم كاهناً، لكن مارون؛ الذي برز منذ صباه في نظم الشعر ومراسلة الصحف؛ أصرً على إتمام دراسته، حتى غدا من رواد النهضة الأدبية في لبنان والوطن العربي.
سمّى الأديب اللبناني مارون عبود (١٨٨٦-١٩٦٢) ابنه "محمداً”، فقامت الدنيا ولَم تقعد. يقول: رزقت ولداً فسميته محمداً وإبنة سميتها فاطمة فقامت قيامة الناس؛ فريق يستهجن ويكفٍر، وفريق يوالي وينتصر؛ وكان أول من قدر هذا العمل وأعجب به أشد العجب صديقي الكاتب الشهير أمين الريحاني الذي كتب لي رسالة تشجيع وتأييد .فكتب في ذلك قصيدته الآتية:
عشت يا ابني، عشت يا خير صبي ***** ولدته أمه في “رجبِ”
فهتفنا واسمُهُ محمدٌ ***** أيها التاريخُ لا تستغربِ
خَفّفِ الدهشةَ واخشعْ إن رأيْـت ***** ابْنَ مارونٍ سميًّاً للنبي
اُمّه ما ولَدتْهُ مسلماً ***** أو مسيحياً ولكن عربي
والنبيُّ القرشيُّ المصطفى ***** آية الشرق وفخر العربِ
يا ربوع الشرق أصغي واسمعي***** وافهمي درساً عزيز المطلبِ
زرع الجهل خلافاً بيننا ***** فافترقنا باسمنا واللقبِ
"فالأفندي" مسلمٌ في عرفنا***** والمسيحيُّ "خواجه" فاعجبي
شغلوا المشرق في أديانه***** فغدا عبداً لأهل المغربِ
يا بنيّ اعتزَّ باسمٍ خالدٍ ***** وتذكّرْ إن تعشْ، أوفى أبِ
جاء ما لم يأِتهِ من قبلهِ ***** عيسويٌّ في خوالي الحقبِ
فأنا خصمُ التقاليد التي ***** ألقتِ الشرقَ بشرّ الحَرَبِ
بخرافاتِهِمِ استهزئ وقلْ: ***** هكذا قدْ كان من قبلي أبي.
وغداً يا ولدي، حين ترى ***** أثَري متَّبَعاً تفخرُ بي
بكَ قد خالفتُ يا ابني ملّتي ***** راجياً مطلعَ عصر ذهبي
عصر حرية شعبٍ ناهضٍ ***** واتحادٍ لبقايا يَعرُبِ
حبّذا اليوم الذي يجمعنا ***** من ضفافِ النّيل حتى يثربِ
ونحيّي علماً يخفقُ فوْ-***** قَ منارات الورى والقبَبِ
ليته يدرك ما صادفته ***** عندما سمّيته، من نَصبِ
لو درى في المهدِ أعمال الألى***** حرّكتْهم كهرباءُ الغضبِ
لأبى العيشَ وشاءَ الموت في ***** أمّةٍ عن جِدّها في لعبِ
كم وكم قد قيلَ ما أكفرَهُ ***** سوف يصلى النارَ ذات اللهبِ
إن يشنّع بابنهِ لا عَجَبٌ ***** فهو غرٌّ كافرٌ لا مذهبي
لا تصدّق قولَهم يا ولدي ***** إن فيما قِيل كلَّ الكذبِ
إنّ حبّ الناس ديني وحيا***** ةَ بلادي باتحادٍ أربي
فكتابي: العدلُ ما بين الورى ***** في بلادٍ هيَ أمُّ الكتبِ
فاتّبع يا ابني أباً أبغَضَهُ ***** وجفاهُ كلُّ ذي دينٍ غبي
فهمُ آفةُ هذا الشرقِ مذ ***** حكموهُ بضروبِ الرعُبِ
جعلوا الأديانَ معراجَ العلى ***** ومشَوا في زهوهم في موكبِ
شرّدوا«أحمد» عن مضجعه ***** فسرى ليلتَهُ في كرَبِ
ودَهَوا عيسى لما علَّمهُ ***** وهْو لولا كيدهم لم يُصلبِ
فإذا ما متُّ يا ابني في غدٍ ***** فاتّبع خطوي تفزْ بالأربِ
وعلى لحدِيَ لا تندبْ وقُلْ ***** آيةً تزري بأغلى الخطَبِ

عاش حرّاً عربياً صادقاً ***** وطواه اللحدُ حرّاً عربي.