العُزلة 3

عبد الكريم الناعم

إضاءة
---------
كُتبت هذه القصيدة عام 1992، ولم أكن يومها أعاني من
أية عُزلة،
فكان ما كتبتُه، استشرافاً لِما سيأتي، وقد حدث هذا مع عدد
من الشعراء، وبسبب طول القصيدة فقد جزّأتُها، لعلمي أنّ
الأكثرين من متابعي الفيسبوك يؤثرون الأسهل,,
*******
لماذا أتيتَ؟
على أيِّ دَرْبٍ؟
أما زالَ ثمّةَ درْبٌ يقودُ إلى
حيثُ لا دَرْبَ غيرُ الجفافْ؟!!
أمَا زالَ في الشُّرْفَةِ البدْرُ،
و(النّايُ)، والعشْقُ، والإنشِداهُ،
وطائرُ عِطْرٍ يُهَوِّمُ
آنَ يُهيجُ القَطافُ القطافْ؟!
أمَا زالَ صوتٌ، ولو مِن صدىً،
مُعْشِبُ؟!
أما زالَ آنَ تَدورُ الكؤوسُ
يَشعُّ بأطْرافها كوكبُ؟!
أما... /
كيفَ تُصْغي؟!
أما زالَ صوتيَ يجري؟!
أما جفَّ؟!
صِفْ لي اخْضِرارَ الحروفِ،
مياهَ الكلامِ، الغصونَ، الطّيورَ
وقد أَرْهَقَتْها اشْتعالاً وفوضى،
وَصِفْ لي
وخلِّ المسافةَ تَنأى
فبيني وبينَ المَضيقِ منَ الرَّهْوِ
حدٌّ كما شَعْرةٍ من دخانٍ
وحائطُ وَرْدٍ تَجَمَّدَ فيه الأريجُ
كما كِسْرَةٍ من زُجاجٍ
فَأَنَّ فؤادي
فَناءَ
الهواءُ
أما زالَ في العالمِ الخارجيِّ شجارٌ،
وبوْحٌ، وهَجْرٌ..
وفي الليلِ مازالَ، آنَ الجوانحُ
تَنْدى اشْتياقاً..
يطيبُ
الْبَداءُ؟!
وقبلَ انْبلاجِ الصباحِ، على غُرَّةِ (العود)
يزْهو (البَياتً) شجيّاً
فيحلو الغِناءُ؟!
أما..؟/
تلكَ روحي على خُطْوةٍ من ذَهابٍ،
وتلكَ البداءاتُ شاخَتْ،
وَثَمَّ رصيفٌ يحنُّ إلى لَغَظِ الخَطْوِ ليلْاً،
وكلُّ اللّواتي تَتَبَّعْتُ فيهنَّ درْبَ الوُلوعِ
ذَهَبْنَ بعيداً،
بلادٌ معَ الحُلْمِ غارتْ،
وفي الدّمِّ دَفٌّ وطائرُ دفلى،
وبعضُ السّواري
وما من شراعٍ،
تبارَكَ ذاكّ الأسى عالياً
في انْكسار المرايا..
تُبارِكُ صبحَ الخلايا
تَبارَكَ أنّكَ تَذْهَبُ عنّي بعيداً،
فلا تَبْكِ آنَ اجْتِيازِكَ بابَ المجيءِ الأخيرِ،
فَإمّا الْتَفَتَّ وشاهدْتَ سرْباً على شاهِقٍ
مُسْتَريباً، وهاجَ بكَ الْوَجْدُ، فاقْرأْ منَ الشّعْرِ
عُشْراً، وسّبِّحْ بِحَمْدِ الذي سَبَّحَتْهُ البحارُ
هنالكَ روحي تكونُ على حُزْنِها
فارَقَتْ بيْتَها الآدميَّ الجميلَ
وراحتْ إلى حيثُ
كلُّ الزّمانِ نهارْ
وقدْ لا تَليقُ بما في الأعالي
فَيُغْدى بها كيْ تَعودَ،
ففي كلِّ شَهْقَةِ غُصْنٍ
يكونُ ابْتِداءٌ جديدٌ
و(آدمُ) يَسْعى،
وهذا السِّراجُ على شُحِّهِ
كوْكَبٌ من عَثارِ، وتَوْقٍ،
ونَفْحَةُ كأْسٍ تُدارُ
تُدارُ على جَمْرةٍ من رذاذِ الأماني
وَقَشِّ الذهولِ الجديدِ،
وقدْ لا تَجيءُ إليَّ وقدْ غَرَّبَتْني الغصونُ
على خُضْرةِ الإنْبهارِ
فَ..
دَعْني
سآوي إلى آخِرِ الرُّكْنِ..
دَعْني
ولا تَنْسَ أنْ تُغْلِقَ البابَ
كي لا تراني
وكي لا أراكْ
فَدَعْني
سآوي
وما عاصمٌ
سوفَ آوي إلى غُرْبةٍ لا تَبينُ
وأَسْكُبُ روحي على جَذْعِ زيتونةٍ
فعسى أنْ أُضيءَ
وتَبْلُغَ قبْلَ ارْتِدادِ الخواطرِ فيَّ،
أضيءُ الذي حَسِبَتْهُ البداءاتُ
منها، ذُراها
فَدَعني
ولا تنسَ أنْ تُغْلِقَ البابَ
كي لا تراني
وكي لا أراكْ
فَلَسْتُ-
إذا لم أكنْ قد نسيتُ
اخْضِرارَ المعاني، وقد أَثْقَلَتْني –
فَلَسْتُ
سِواكْ