جعفر سلمان.. منارة لن تنطفئ ولا يخبو من وهجها الغياب

أُبي حسن

غادرنا منذ أيام (14 أيار الجاري) المربي والمعلّم والأستاذ النهضوي جعفر سلمان, بعد أن عاش حياة مديدة, مُثقلة بالكفاح والسخاء والعطاء.. حياة تفيض إنسانيّة وعشقاً لفعل الخير, وكل ما من شأنه إسعاد بني البشر.

يمكن القول, وبراحة ضمير, إنّ جعفر سلمان (باسمه الكبير, ومع حفظ الألقاب) ينتمي إلى آخر رعيل عاش عصر النهضة ومارسها دون أن تعنيه الشهرة, وهو بهذا يُذكرني بأقران له أنجبتهم جبال الساحل السوري,  كصديقه الأستاذ والمربي الراحل يوسف غانم سلمان (المريقب- الشيخ بدر), والمحامي محمود يونس (الشيخ بدر- بريصين) الذي افتتح مدرسة آواسط خمسينات القرن الماضي في بلدة الشيخ بدر, والمناضل الشيوعي النهضوي الراحل دانيال نعمة.. الخ.

عرفتُ الأستاذ جعفر عن قرب, وبقدر ما كانت تأسرني طهارته, كنت أنبهر أمام تواضعه وأدبه ونبله.. لا أذكر أنّه تحدّث يوماً على مسمعي متبجحاً بفضل قدّمه لبني قومه أو معروف أتى به لزيد من البشر...

زاول الراحل, في باكورة شبابه, التعليم, وأعرف منه ومن طلّابه أنّه علّم عام 1943 في قرية بحنين (ريف طرطوس).. وأسمح لنفسي هنا بذكر الحادثة التالية:

قبل عامين وفي مجلس عزاء المحامي الراحل يوسف ديب (أصله من قرية بحنين), وحيث كان يقطن على مقربة من السخابة في ريف جبلة, روى نجله الدكتور محمد ديب إن والده الراحل ظلّ يذكر طوال حياته أفضال الأستاذ جعفر سلمان عليه عندما كان الأخير يكافح الجهل بنور العلم في قرية بحنين, إذ حال الفقر دون تمكن الأستاذ ديب شراء الكتب وبالتالي الذهاب إلى المدرسة, فقصده الأستاذ جعفر في منزل أهله (المكوّن من اللبن والطين وأشواك البلان وجذوع الزلزلخت, بطبيعة الحال) سائلا ومستفسرا عن سبب تمنعه الذهاب إلى المدرسة, وعندما عرف السبب طلب منه الذهاب إليها, وكان أن اشترى له الكتب واهتم به طوال المرحلة الابتدائية, بعدها انتقل الأستاذ جعفر إلى بلدة الشيخ سعد (3 كم شرق طرطوس) حيث أصرّ هناك على بناء مدرسة من تبرعاته وتبرعات آهالي البلدة, ذلك عام 1946 وهي أول مدرسة تُبنى فيها (وفق ما يذكر الأديب والفنان علي مرعي في كتابه "الشيخ سعد"), وخلال وجوده هناك قصد بالمصادفة المدرسة التي انتقل إليها تلميذه السابق يوسف ديب, فعلم من إدارتها أنّهم سيضطرون لفصله رغم تفوقه لعدم دفعه لمستحقات الدراسة, عندئذ تكفّل الأستاذ جعفر بدفع كل ماترتب على تلميذه السابق طالبا من الإدارة أن لا يقولوا لتلميذه أنّه هو من دفع المبلغ بل يكتفوا بالقول له حال سألهم: "فاعل خير". وأعلم الإدارة أنه سيمر عليهم كل فترة لمتابعة شؤون تلميذه ودفع كل ما يترتب عليه نيابة عنه.

كتب الأستاذ الأديب ياسين أحمد نجل المربي والتربوي الراحل محمد علي ابراهيم منصور, عبر صفحته الشخصية, ما يختزل مشاعر وضمير كلّ من عرف الأستاذ جعفر عن قرب أو سمع به, إذ كتب: "يحمل أبناء قرية بحنين التقدير والعرفان بالجميل للمربي الكبير، وعظيم فضله في تأسيس نهضة تعليمية حقيقية في قرية بحنين التي أحبها كما أحب قريته.. الرحمة الواسعة للمربي الكبير الاستاذ الجليل جعفر خليل سلمان (أبو أيمن).. حزن أهله على فراقه هو حزننا أيضاً". واضاف: "المربّي الكبير الاستاذ جعفر سلمان (من قرية البرازين - ريف جبلة) مدير مدرسة بحنين الابتدائية بعد الاستقلال. لروحك النور والرحمة والسلام.. ولأهلكَ، وأصدقائكَ، ومحبيك الصبر الجميل..".

لم يكن بذل الغالي والنفيس في سبيل تعليم الطلّاب غريباً عمن هم من قماشة الأستاذ جعفر التي تعتبر امتداداً طبيعياً لعصر النهضة, فما بالنا إذا علمنا أنّه كان من المقربين للراحل والنهضوي الكبير, البعثي الدكتور وهيب الغانم!

بحكم علاقتي بأسرة الشاعر الغائب ممدوح عدوان سهُل عليّ التعرّف, عن قرب, على الاستاذ جعفر (إذ هو عديله), وبالآتي على معظم أفراد أسرته, فكان أن زرته, أكثر من مرة, في منزله الكائن في المزة, وفي كل مرة يزداد احترامي له لشدة تواضعه, لم أسمعه قط يتحدث عن خدمة قدمها لمخلوق, حدّثني لماما عن السنوات التي قضاها في بحنين وعن تلاميذه وأعرف معظمهم, وكان في طليعتهم المربي والتنويري الأستاذ محمد علي ابراهيم أحمد آل منصور الذي فارقنا قبل عامين وبضعة أشهر. أما عن الفترة التي أمضاها في قرية القمصية أذكر انه قال لي انه كان يقضي بعد ظهر يوم الخميس ونهار الجمعة بصحبة رفيق دربه النهضوي والمربي الآخر يوسف سلمان (المريقب- الشخ بدر) وكان بمعيته يذهب للسهر أحياناً في مضافة وحضرة الشيخ المجاهد صالح العلي قائد الثورة في جبال الساحل السوري ضد الاحتلال الفرنسي, وكان أول من أطلق النار على المحتل وذاك في نيسان 1918.

أجاد الراحل الكبير, اللغتين العربية والفرنسية, وكان مولعاً بالمطالعة وزاهداً بالأضواء وحب الظهور, ومن صفاته, بحسب عارفيه: نكران الذات.

سبق أن قلتُ عنه, في غير مناسبة, أنّه منارة تستضيء بها الأجيال, و لا أخالني جافيت الواقع أو بالغت, وسيظل منارة لا يطويها الغياب.

أسس الراحل الكبير أسرة يُعتّد بها تعليماً وتهذيباً, إذ أنجب الدكتورة نعمة سلمان, والدكتورة ندى, والأستاذ ايمن, والدكتورة الصيدلانية نهى..

للفقيد الرحمة, ولأسرته الصبر والسلوان.