يحيى زيدو: كلُّ عاطرٍ.. في صليب القلب

أيلول، سلطانُ الشهورِ، حين يطلُ الخريف ساخراً بعذوبةٍ من صيفٍ نَزِقٍ دَبِقٍ..
في أيلول.. أراني مخلوقاً عشوائياً بلا وجهٍ، أو ملامحَ، أو هوية.

تارةً، أنا صوفيٌّ هائمٌ مُتَيَّمٌ..
أشرب خمرَ اليقينِ ممزوجاً بماء الشَكِّ.
أستسقي غيماً على عطشٍ و عريٍ مسكوناً بالتَوْقِ، متوارياً بالحُجُبِ.. فأشرقُ هوناً، و أغيبُ أحيانا.
*****
مرةً،أنا بَحَّارٌ عتيقٌ..
أُغنِّي، أدوخُ، أنوحُ، أبكي، و أروحُ بمركبي نحو أفق النهايات البعيدة.
أعجنُ بأصابعي الزبد بكلامٍ أختلسه من غيومٍ تتشكل كائناتٍ أو ظلالاً..
أصنع مفرداتٍ تطمس المعنى السابح في عوالم سديمية.
*****
حيناً، أنا حكيمٌ هنديٌّ خائب الرجاء..
أقلِّبُ حكمتي على دفاتر عتيقةٍ، و أعيدُ تشكيلها زمناً خالٍ من الرمز و الدلالة.
أضخُّ من عمري جداولاً من تسرِّي الليالي علَّ ينابيع عذبةً تنبجس في عميق الأزرق المالح.
أسخرُ من بائسِ الروح، يابسِ الجسد.. إذ كيف للنار أن ترقص بلا زمنٍ سرمديٍّ..!
أستبقي قلبي في ظهر الغيب.. حتى ليبدو الغيب ضريحاً لأمنياتي العاشقة
فيما قنديل الروح يطرد غَزَلَ الشياطين من كهف نفسي.. الأمَّارة بالحُبِّ.
*****
هوناً، أنا رحَّالةٌ تائهٌ...
أسيرُ مع ظلِّي في الشمس.. ظلِّي يدنو إذا ما استقامت. يدور إذا ما استدارت. يطول و يقصر حتى التلاشي..
أسرفُ في الرؤيا، و أعود إلى تجلياتي كصوفيٍّ مصلوبٍ على كلمة..
أتأمَّل آخر مسمار حزنٍ في صليب قلبي.. فيتمتم القلب:
«كل عاطرٍ... مبتدأه و خبره يكونان في برْكة العشق..»
أشربُ.. يقتلني الظمأ كلما شربتُ.. فأحترف التطواف حولها حتى الفناء.
*****
في الخريف.. تحطُّ على كتفي سنونواتٌ مهاجرةٌ..
كياني لها جسرٌ. تعبُرُني.. فأحضن منها ما يحوِّشُ الحضن
أهديها قلبي ضفافاً.. و روحي أغنيات.. و عيناي قنديلا رؤيةٍ و رؤيا.
أيُّ المعابر ستعبر أيها السنونو سوى ما عبرتَ..؟! و الغيم يحاصرك من الأعلى.. و صيادٌ لئيم يكمن تحتكَ.
ما فائدة اليقين حين يغدو الشكُّ ظلّاً، أو جسر عبور..؟!
أيها السنونو الممعن في الهجرات.. توضَّأ بماء القلب قبل التحليق في مدارات الرؤى..!

همست لي سنونوةٌ عابرةٌ:

الموت.. ليس عدو الإنسان
الإنسان.. هو عدو الإنسان.