رد المؤرخ السوري الدكتور "سامي مبيض" على رد وزارة التربية
يوم أمس نشرت جريدة «الوطن» رداً رسمياً من وزارة التربية السورية على مجموعة ملاحظات أوردتها أنا في الصحيفة نفسها حول كتاب «تاريخ الوطن العربي الحديث والمعاصر» لطلاب البكالوريا الأدبي. رد الوزارة مشكور طبعاً وكذلك اعترافهم الصريح بأنهم أخطؤوا في عدة أمور، وهو أمر حضاري ونادر في مجتمعنا، ولكن لا يزال هناك عدة نقاط أريد الإصرار عليها، وهي ليست «بسيطة» كما ورد في نص الوزارة.
1- في ردها عن طريقة كتابة الأسماء باللغة الإنكليزية، تقول الوزارة: «لا نعتقد أن وجهة نظره هي الوحيدة التي يجب أن تعتمد» وتعطي مثالاً كلمة «سان ريمو» بالقول إنها تُكتب على الطريقة الإيطالية Saintrimo..
أولاً في الإيطالي تُكتب Sanremo وليس Saintrimo
وثانياً منذ متى ونحن في سورية نعطي كلمات مرادفة باللغة الإيطالية؟ ما اللغات الأجنبية المتداولة في المجتمع السوري؟ الإنكليزي والإفرنسي أم الإيطالي؟
ثانياً، إن كتابة الأسماء العربية بالأجنبي أو الأجنبية بالعربي قد تحمل عدة أوجه، هذا الكلام صحيح ولكن هذا لا ينطبق على الأسماء الأجنبية عندما نكتبها بالأجنبي. بالأجنبي أسماء العلم تكتب بحسب مصدرها، ولا توجد عدة طرق لكتابة Jimmy Carter أو Charles de Gaulle أو Adolph Hitler.
ولكن بالأسماء العربية الموضوع مختلف، والمثال: شكري القوتلي بالإنكليزي تكتب بالأشكال التالية: Shukri al-Quwatli، Chokri al-Kowatli، Shukri al-Kuwatli، Shukri al-Kuwatly
ولكنها بالعربي تكتب بطريقة واحدة فقط «شكري القوتلي». أما الأسماء الأجنبية فمن المستحيل المطلق وغير قابل للنقاش أن نُعدل اسم عائلة Ponsot لتصبح Boncu ونقول إن الكتابة الإنكليزية مدارس مختلفة، أو أن يتغير اسم Glubb ليصبح Globe. اقترح عليكم إسقاط الأسماء الأجنبية فوراً أو تعديلها لأن الإصرار عليها بهذا الشكل أمر مخجل ومُعيب.
2 - تستشهد الوزارة بالموسوعة العربية الصادرة عن رئاسة الجمهورية بالقول إن المؤتمر السوري العام عقد في 7 آذار وليس 8 آذار 1920. مرة أخرى الموضوع لا يتحمل وجهتي نظر: المؤتمر عقد يومي 6-7 آذار وصدرت مقرراته يوم 8 آذار وأصبح ذلك اليوم عيداً وطنياً لسورية عرف باسم «عيد الاستقلال» وهو مُختلف عن 17 نيسان 1946 المعروف «بعيد الجلاء».
وبالمناسبة، الموسوعة العربية عمل مهم، وكنت من المشاركين فيه عن طريق الأستاذ الدكتور عزيز شكري رحمه الله، ولكن العمل ليس معصوماً عن الخطأ، ولا يجب أخذ أي معلومة منه أو من غيره دون الرجوع إلى عدة مصادر، وهذا من أساسيات البحث العلمي.
3 - تصر الوزارة بأن علاء الدين دروبي كان رئيساً لوزراء دمشق وليس لكل سورية، وتتجاهل أن قرار تقسيم سورية إلى دويلات جاء في شهر أيلول عام 1920 وأما الدروبي فقد قُتل في نهاية شهر آب، أي عندما كانت سورية لا تزال موحدة، وتستشهد الوزارة بكتاب واحد فقط صدر عام 2007، وكان بإمكانها العودة إلى مذكرات يوسف الحكيم، أحد وزراء الدروبي، الذي يذكر منصبه بدقة في الصفحة 12 من كتاب «سورية والانتداب الفرنسي» أو إلى مذكرات فارس الخوري، وزير المال في عهد الدروبي، الذي يؤكد المعلومة نفسها في أوراقه (الجزء الثاني) الصفحة 78.
4 - الوزارة تُدافع عن نشر صورة عيد الجلاء عام 1946 وبالقول إنها عام 1956 وجاء في الرد: «استخدام الصورة جاء للدلالة الرمزية على الاحتفاء بعيد الجلاء.
«يا جماعة الخير، هذا كتاب تاريخ موجه لأجيال وأجيال، وليس بوستاً على موقع «فيسبوك» جلّ من لا يخطئ طبعاً، ولكن الدفاع عن الخطأ بهذا الشكل غريب جداً، فيمكننا إذاً – وهذا المنطق- نشر صورة لقصف دمشق عام 1945 ونقول إنها سنة 1925، والدلالة الرمزية هنا على أنها قصفت؟ أو بإمكاننا نشر صورة لجمال عبد الناصر عام 1952 ونقول إنها قبل وفاته عام 1970، والدلالة الرمزية هنا أنه كان رئيساً لمصر. تحليل الصور القديمة وتحليل عمرها ومضمونها وتوخي الدقة في الشرح قد أصبح علماً بحد ذاته لا يجب الاستخفاف به بهذا الشكل.
5 - أخيراً النقاش يُعاد في موضوع المفوض السامي موريس سراي، فقد قلت إنه كان خارج دمشق يوم قصف المدينة عام 1925 والوزارة قالت: «مكان وجوده لا يؤثر في سير الأحداث وصحتها التاريخية».
يا سادتي الكرام، لو كان سراي في دمشق موجوداً في قصر العظم، لما قصف الجيش الفرنسي سوق البزورية، ولما دُمر قصر العظم. ولو عثر عليه الثوار لقتلوه أو فاوضوا عليه، ولكن القصة كلها كانت خدعة من سراي نفسه لجلب الثوار إلى داخل حارات الأسواق القديمة. أيضاً لو أردنا الاستفاضة بتسويغ الوزارة، نستطيع القول إن الوحدة السورية المصرية أعلنت من حلب وليس من القاهرة، ولا فرق بينهما لأن مكان إعلانها «لا يؤثر في سير الأحداث وصحتها التاريخية».
تمنيت من وزارة التربية أن ترد بكلمتين فقط وتقول: إنها شكلت لجنة علمية تاريخية لمراجعة الملاحظات، وأن تأخذ وقتاً أطول في الرد، وخاصة أن الروح العلمية في الرد أقرت بصوابية الملاحظات عموماً.
***
أدناه, رد وزارة التربية
وزارة التربية ترد على الأخطاء الواردة في كتاب تاريخ العرب الحديث والمعاصر للثالث الثانوي الأدبي
السيد رئيس تحرير صحيفة «الوطن»
إشارة إلى ما نشرته صحيفتكم بالعدد 2578 تاريخ 2/2/2017 بعنوان (تزوير كتب التاريخ المدرسية نتيجة خطأ أم جهل؟!.. المؤرخون والمفكرون والسياسيون السوريون يغيبون عن المشهد التعليمي!).
نبين الآتي:
وضعت مناهج وزارة التربية في الجمهورية العربية السورية اعتماداً على أسس ومعايير بعيدة كل البعد عن التسييس أو الأدلجة وحرصت على صحة المعلومات فيها، إلا أن الخطأ وارد ولا أحد يدعي الكمال، ويجب ألا يستدعي الاتهام بالتزوير كما ورد في المقال المذكور للدكتور مبيض.
تفنيد الملاحظات التي أبداها الدكتور سامي مبيض:
1- الإشارة إلى الاستشهاد بكتَّاب أمثال غارودي الفرنسي وباتريك سيل البريطاني جاءت لتقوية موثوقية الشاهد لأن الموضوع يخص الصراع العربي الصهيوني، وهذا الاستشهاد جاء في موضعين فقط (الصفحة 54-57)، مع التأكيد أن موضوعات الكتاب بنيت أساساً على مراجع المؤرخين السوريين والعرب (طربين، سلطان…).
2- جاء في ملاحظاته أن الكتاب أورد سيرتي سلطان باشا الأطرش وعدنان المالكي فقط، وأغفل الشرح عن الشخصيات الأخرى أو إيراد سيرتها.
في كتاب التاريخ المدرسي لا ندرس السير الذاتية للشخصيات كلها، وإنما نورد بعضاً منها لتعريف الطلاب بأنموذج السيرة الذاتية وقد تم توظيف ما أوردناه في هذا المجال منسجماً مع مقتضيات معالجة وإيضاح الأحداث الواردة في الدرس.
3- يشير الدكتور مبيض إلى أن الكتاب أورد في (ص18) عن مارك سايكس أنه لم يكن مندوباً سامياً لبلاده في مصر، وهذا غير صحيح لأنه لم يرد في الكتاب (ص18) أن الرجل كان مندوباً سامياً لبلاده في القاهرة، وإنما أوردنا أنه مندوب سامي وهذا صحيح، حيث كان مندوباً سامياً لبريطانيا في الشرق الأدنى، أما الاجتماع فلقد تم في القاهرة فعلاً.
4- حول الوقوع في غلط كتابة الأسماء بالأحرف اللاتينية فإننا لا نعتقد أن وجهة نظره هي الوحيدة التي يجب أن تعتمد حصراً، ففي إيطاليا والدول الأوروبية تكتب أسماء المدن والأماكن والأشخاص على نحو قد يختلف عما قد يكتب في دولة أخرى، والأسماء هي: (سان ريمو، وارسو، ولويد جورج …)، فعلى سبيل المثال من المعروف لدى الجميع أن كلمة saint تعني القديس وهو ما كتبت به الكلمة في الكتاب بمعنى القديس ريمون.
5- أما عن موعد عقد المؤتمر السوري الأول، فقد عدنا إلى الموسوعة العربية الصادرة عن رئاسة الجمهورية المجلد الأول (ص164) واعتمدناه لتحديد تاريخ انعقاد المؤتمر السوري الأول الواقع في 7 آذار عام 1920م.
6- أما عبارة (ها قد عدنا يا صلاح الدين) فقد وردت أيضاً في الموسوعة العربية الصادرة عن رئاسة الجمهورية المجلد الرابع عشر (ص 79-80) وسبب إيرادها في الكتاب جاء لتمكين الطالب من الربط بين أطماع المستعمر في بلادنا ماضياً وحاضراً، والهدف هنا تربوي وقيمي.
7- أما عن إغفال ذكر الشخصيات النسائية ودورها في نهضة سورية، والاكتفاء بذكر زوجة المجاهد الشيخ صالح العلي وشقيقة المجاهد إبراهيم هنانو فنوضح أن ذكرهما جاء في سياق الحدث التاريخي لثورتي الرجلين لنؤكد أهمية وقوف المرأة إلى جانب الرجل، أما الشخصيات النسائية الأخرى، فلم تغفلها المناهج، بل جاء ذكر الكثير من الشخصيات التاريخية وفي مواد دراسية عدة ومنها السيدة نازك العابد وأخريات عديدات ممن أشار إليهن الدكتور مبيض في كتب دراسية أخرى وعلى نحو مستفيض، ويمكن العودة إلى تلك الكتب لمن يريد ليستجلي حقيقة الأمر.
8- المرحوم علاء الدين الدروبي: اعتمدنا في تسميته رئيس حكومة دمشق على مرجع «اتفاقية سايكس- بيكو ومنعكساتها، نائلة غانم، طبعة أولى 2007م. مطابع الإدارة السياسية».
9- في الملاحظات التي أوردها الدكتور مبيض نشير إلى أنه وقع في الخطأ حين ذكر عبارة (الاتحاد السوري الفيدرالي) إذ لم يرد في القرار الذي أصدره غورو برقم 1453 تاريخ 28 حزيران 1922 كلمة فيدرالي، بل قضى القرار بتشكيل اتحاد الدول السورية من دول دمشق وحلب والعلويين ولكن المؤلفين آثروا تجاوز هذه العبارة لما فيها من نزعة تقسيمية أو طائفية وصيغت الفكرة في الصفحة (36) بالشكل الآتي: (صدر قرار عام 1922 بتشكيل (دولة سورية) المؤلفة من حلب ودمشق واللاذقية، ولم يؤخذ القرار بحرفيته بل صيغ بطريقة تربوية مناسبة وهذا ليس تزويراً للتاريخ.
10- فيما يتعلق بحادثة الجنرال ساراي، وهل كان موجوداً في قصره أم لا: هناك روايات عدة وما ورد في الكتاب واحدة منها ومكان وجوده لا يؤثر في سير الأحداث أو صحتها التاريخية أو مغزاها لأن الأمر الرئيسي الذي يجب معرفته هو أنه من أمر بقصف دمشق.
11- أما عن كون سلطان باشا الأطرش والشيخ صالح العلي، أعضاء في الكتلة الوطنية فهذه الملاحظة صحيحة، وينطبق هذا أيضاً على ملاحظته عن الرئيس هاشم الأتاسي، فالأطرش والعلي لم يكونا من أعضاء الكتلة الوطنية والرئيس هاشم الأتاسي لم ينتسب إلى الحزب الوطني.
12- الملاحظة عن تاريخ وفاة تاج الدين الحسني صحيحة إذ توفي في 17 كانون الثاني عام 1943م وليس في 1942 كما جاء في الكتاب.
13- أما الملاحظة المتعلقة بقصف القوات الفرنسية للمجلس النيابي واستشهاد جميع النواب، فلم يرد في الكتاب أن جميع النواب استشهدوا وإنما ورد في الكتاب في الصفحة (47): «… فاستُشهد معظم أعضائه وأفراد حاميته من قوى الأمن الداخلي…»، فالملاحظة صحيحة كان يجب أن تكون الصياغة في الكتاب على نحو أكثر دقة.
14- بالنسبة لعدم ذكر دور الجيش العربي السوري في حرب فلسطين ومشاركة فوزي القاوقجي، فقد تعرضت فقرة «المشكلات الداخلية والتآمر الخارجي تمهد للانقلابات العسكرية»، في الصفحة (49) في دروس سورية لمشاركة الجيش العربي السوري في حرب فلسطين، وذكرت مشاركة فوزي القاوقجي وسعيد العاص في درس فلسطين (ص76).
15- بالنسبة للتفاصيل التي يرغب السيد مبيض في ذكرها عن حسني الزعيم نعود ونذكر أن الكتاب لا يتحدث عن شخصية حسني الزعيم أو غيره، فالكتاب مدرسي يتحدث عن تاريخ الوطن العربي، ومنه سورية، ولا يتسع للإفاضة بالشرح عن كل شخصية وكل حدث، ومع ذلك تناولنا شخصية حسني الزعيم ومحاولته كسب ثقة الشعب بعد قيامه ببعض الإصلاحات… إلخ وهي ليست من باب المديح، فعنوان الفقرة «الانقلابات العسكرية تعرقل مسيرة التنمية» الصفحة (50) تدل على ذلك وبخصوص علاقته السرية بالمخابرات الأميركية، فقد تمت الإشارة إلى علاقة هذا الرجل بالولايات المتحدة الأميركية من خلال اتفاقية «خطوط التابلاين».
16- بالنسبة لصورة الاستعراض العسكري أمام الرئيس شكري القوتلي في ذكرى الجلاء عام 1946م الواردة في الصفحة (49) من الكتاب، واستخدام الصورة جاء للدلالة الرمزية على الاحتفاء الوطني بعيد الجلاء وإن كانت من زمن لاحق، تدل على حقيقة تاريخية ألا وهي جلاء المستعمر الفرنسي عن الوطن الحبيب سورية، وسنعمل على التدقيق بوثائقية الصورة، إلى جانب الوظيفة التي يجب أن تؤديها.
17- وعن وجود خطأ في تاريخ الثورة العربية: لا خطأ في الكتاب، حيث إن تاريخ الثورة العربية (1916- 1918م) وقد ذكر سابقاً في الدرس الرابع في الصفحة 26). ولكن وردت العبارة في الصفحة (70) كما يلي: فأرسلت قواتها في أثناء الثورة العربية الكبرى (1916- 1917م) لتحديد المرحلة التي أرسلت فيها القوات وليس تحديد تاريخ امتداد الثورة.
وأخيراً وكما سبق وأسلفنا، فإن وجود بعض الأخطاء البسيطة أو العرض لرواية تاريخية في الكتاب وردت عند المؤرخين على أكثر من وجه لا يعني أن المؤلفين جهلة، أو أنهم يقومون بالتزوير، وإننا نأمل من صاحب الملاحظات ومن كل من لديه أي ملاحظة أن يتقدم بها ونحن على أتم الاستعداد لمناقشتها والأخذ بكل ما هو صائب منها تقديم الشكر العميق والامتنان له، وهذا هو أسلوب العمل المعمول به في المركز الوطني لتطوير المناهج التربوية في وزارة التربية.
الوطن
مواد ذات صلة: د. سامي مبيض: تزوير كتب التاريخ المدرسية.. نتيجة خطأ أم جهل؟!
http://www.fenks.co/%D8%A8%D9%84%D8%A7-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/13084-%D8%AF-%D8%B3%D8%A7%D9%85%D9%8A-%D9%85%D8%A8%D9%8A%D8%B6-%D8%AA%D8%B2%D9%88%D9%8A%D8%B1-%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D8%B1%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D9%86%D8%AA%D9%8A%D8%AC%D8%A9-%D8%AE%D8%B7%D8%A3-%D8%A3%D9%85-%D8%AC%D9%87%D9%84%D8%9F.html