عبد الكريم الناعم: نوافذ 42

قبل ثلاث سنوات من الآن مزّقت الأبَ سيّارة مُفخّخة، كان عائداً إلى البيت يحمل لوح شوكولاتة لطفلته، بعد سنتين، وفي الشهر ذاته، مزّقت الأمَّ عُبوة ناسفة زُرعتْ في سرفيس، الطفلة ذات الأعوام الخمسة بلا أب ولا أمّ..
يا إلهي كيف تستطيع القلوب النّظيفة تحمّل كلّ هذا الحزن؟!
***
كانت بمواردها البسيطة تحاول أن تساعد مَن هو بحاجة، وما أكثرهم الآن، ذكَروا لها مقاتلاً فقد ساقيه في إحدى المعارك، في قرية بعيدة في تلك الجبال، فهيّأتْ ما تقدر على شرائه، وذهبت إليه، بيت تفوح منه رائحة الفاقة والفقر، ولكنّه نظيف، والمقاتل الذي فقدّ ساقيه، ممدَّد في سرير حديديّ تفوح منه رائحة الصدأ، وأطفالُه الصغار يلعبون قرب باب البيت، سألتْه: "ألمْ يزرْك أحد من المسؤولين"؟
قال: "زاروني، ووقفوا بجانبي، وأُخذتْ لهم الصّور وهم يرفعون شارة النّصر، وغادروا البيت بعدها مثلما جاؤوا"
قالت بنبرة قهر مكبوتة: "أوَلم يقدّموا لك شيئا"؟!
ابتسم بمرارة وقال: "ألمْ أقلْ لك رفعوا شارة النّصر"
في أحد مطاعم دمشق الفخمة التي لا يحلم الفقراء بتخطّي بابها، وكان قد عرف رطوبة الأزقّة الفقيرة، وامتلأت حُويصلات رئتيه برائحة الصّفيح الصّدِيء،.. كان أحد المسؤولين يُقيم مأدبة تكفي أهل ذلك البيت لمدّة عام على الأقلّ...
*******
كان سليمان الشعبان أعمى ولادةً، وقليلة هي الأعمال التي يستطيع إنجازها، وكان معروفاُ بلطْفه، وصمته، فهو آذان تتلقّف ما يسمع، يبتسم في موضع الابتسام، ويصمت في الأغلب، وكانوا يعيشون في قرية تجمع بين أكثر من طائفة، لم يحدث أنْ حصل فيها خصام، على أساس طائفيّ، ضرب الاجتياح التكفيريّ البلاد، فغادر سليمان مع أهله إلى قرية مُجاورة، ظنّوا أنّها تحميهم من وباء القتل على الهويّة،
ذات ليلة هُوجمتْ قريتهم، وارتفعت أصوات الرصاص، ودويّ القنابل، وهذا الأعمى المسكين ما تمنّى عينين كاليوم، ليستطلع، وليكون أكثر فائدة، اقتحموا بيته، وسمع أصوات التهليل والتّكبير، وطرقَ سمْعَه صوتٌ يعرفه، فهو يعرف الناس من أصواتها، فقال بصوت مرتفع قليلاً: "ألستَ جارنا إبن أحمد العزّو"؟ ردّ عليه الصوت: "هو بشحمه ولحمه، ولا تظنّن أني نسيتُ جيرتكم لنا، ولذا حسبتُ حسابك، فالسكّين مشحوذة، ولن أدعك تتعذّب طويلا في عمليّة الذّبح"، بلع سليمان ريقه، واتّسعتْ دائرة عينيه العمياوين، شعر بيد تَتَلّه بقوّة، وتلوي رقبته، وسمع صوت ابن أحمد العزّو يقول الله أكبر، واخترق شيء كسهم النّار حنجرته، وظلّ جسمه ينتفض بقوّة بعد فصل الرأس عن الجسد، لم يكتف من يريد الذّهاب إلى الجنّة بدماء هذا الأعمى المسكين، بالذّبح، بل انتزع عينيه العمياوين، والتفتَ حوله، فشاهد كلباً يقف مذعوراً في الباب، فألقى إليه بالعينين المُطْفَأتين منذ الولادة، اقترب الكلب، تشمّم العينين، وأدخل ذيله بين خلفيّتيه، وراح يجري مذعورا، حابساً أصواتاً مخنوقة تتصدّع في حنجرته...

البعث