تعقيب الدكتورة شعبان و المعلم على بحث "السعادة" للدكتور بهجت سليمان
كتبت الدكتورة رشا شعبان, التعقيب التالي على بحث "السعادة" للدكتور بهجت سليمان
كل الشكر و الإمتنان لما تقدمه حكيمنا الرائع من عصف فكري، في موضوعات تشغل حيّزاََ كبيراََ من تفكيرنا الإنساني.
نعم كان السؤال عن "السعادة" من الأسئلة التي تلح على العقل منذ أن بدأ يسأل ذاته، في طبيعة وجوده، و الهدف منه، و إلى أين هو سائر في هذا الوجود.
و لو سألنا كل إنسان في الحياة، كيف تحب أن تحيا؟ لكانت الإجابة بالتطابق، أريد أن أحيا سعيداََ، و ل اختار الحياة الجيدة.
و المشكلة ليست في اختيار الجيد، و السعادة، بل المشكلة في تحديدنا، لما هو الجيد، أو بمعنى آخر، كيف أكون سعيدا؟ و أين تكمن السعادة؟
و هذا ما يضعنا أمام إشكالية العلاقة بين ما هو جيد، و بين السعادة.
هل الجودة هي السعادة؟ و هنا كان التداخل بين ماهو جيد و بين السعادة، و كذلك بين الفضيلة و السعادة.
و انطلاقاََ من ذلك بإمكاننا القول، أن السعادة ترتبط بالفضيلة، و قد كان السؤال عن السعادة مرتبطاََ بالفضيلة في التفكير الفلسفي.
و انطلق السؤال الأخلاقي للإجابة عن ماهية السعادة عبر مدخل إشكالي أيضاََ و هو السؤال، في كيف يجب أن نعيش؟
وحاولت الفلسفات بمدارسها و فلاسفتها، الإجابة عن ذلك السؤال، في صميم بحثها عن السعادة.
و يحضرني موقف الفلسفة البوذية في البحث عن السعادة، و التي أكدت عبر فيلسوفها "بوذا"، أن السعادة تكمن في حياة خالية من الألم، و هي الحالة المعروفة باسم "النيرفانا"، أو السعادة القصوى.
و انطلقت البوذية من أن القضاء على الألم، يكون باجتثاث الرغبة الكامنة و الملحة، نتيجة التعلق بالأشياء التي تجلب اللذة.
واعتبر أن ذلك لا سعادة دون نهج أخلاقي سلوكي في الرأي و الفعل و الحكمة التي توصلنا إلى النيرفانا.
و اعتبر أن الطريق النبيل و الذي يتشعب إلى مبادئ و سلوكيات أخلاقية، هو الطريق إلى السعادة القصوى.
و أما الكونفوشيوسية، نسبة إلى كونفوشيوس، فقد رأى أن السعادة تقتضي تطوير طيبة القلب و الإيثار و مدها للآخرين، و كذلك شدّد على ارتباط ما هو أخلاقي بالسعادة، و اعتبر الضمير مدخلا لحيازة السعادة.
و أجمل ما قيل في السعادة، و الذي أكد أن السعادة ليست بالمتع الحسية، هو قول "هرقليطس"، لو كانت السعادة قائمة في المباهج الجسدية، لكان يمكننا أن نعتبر الثيران سعيدة، عندما تجد علفاََ تقتات به.
نعم السعادة مطلب إنساني، و هي ليست مجرد الانطباع في السعادة، حيث أن انطباعاتنا، ليست هي الحقيقة،
لقد أكد أرسطو كذلك، أن السعادة ترتبط بالحكمة، و ذلك انطلاقاََ من العلاقة بين الجودة و طبيعة الإنسان العاقل،
فالسعادة هي الجودة، و الجودة هي أن نفكر و نمارس وفق طبيعتنا العقلانية و بما يتفق معها.
و أخيراََ، يمكننا القول معك أيها الحكيم، أن السعادة ليست عرضاََ، بل هي كينونة كلية جوهرية تتجسد في اختياراتنا، وفقاََ لما يتفق مع طبيعتنا العقلانية التأملية و محاولة امتلاك الحكمة في حياة ننشدها..
وهي كذلك نهج أخلاقي نختاره في اشتغالنا على صيرورة ضميرنا و قدرتنا، على أن نميّز بين المتعة و اللذة الظاهرية، و بين امتلاكنا لنبع السعادة الكامن في أعماقنا و من داخلنا، إنه في معيار تصالحنا مع ذواتنا و الرضى عنها.
كل المحبة و الإجلال لك حكيمنا الرائع د. بهجت سليمان، وقد حاولت أن أشاركك بعضاََ من الأفكار في بحثنا عن السعادة.
****
كما كتب الأستاذ غسان أديب المعلم, التعقيب الآتي, على بحث "السعادة":
سعادة الوطن..
تحية طيبة للمفكر الرائع والحكيم سعادة السفير بهجت سليمان لما تقدّمه لنا من فكر قيّم ومعلومة ورأي ولما يحمله منبركم الكريم من موسوعات علمية في شتى المجالات..
الأمر الذي أحال هذا المنبر لملتقى حواري ثقافي عالي المستوى بشخصكم الكريم و بشخص روّاد هذا الملتقى الرائع من أساتذة كرام وأصدقاء رائعين
سيدي الكريم:
اختلف تعريف السعادة من فيلسوف لآخر وكذلك الأمر من مدرسة فلسفية لأخرى.. وفي سردكم الجميل توقّفتم عند المفهوم بشكل عام في الفلسفة اليونانيّة مروراً بمدارس مشابهة في عديد من المواقع.
عطفاً على رأيكم ولما أوردته من فكر راقي في هذا المنظور، سيكون سردي في زاوية مشابهة من أرض واقعيّة نعيش في أركانها.. وهي البيئة السوريّة الجغرافيّة وما تحمله المكوّنات من تداخل حضاري عربي إسلامي سوري وغيره الكثير.
أولا: ماهي السعادة في المفهوم الفلسفي العربي..
أغلب الفلاسفة وضعوا السعادة ضمن مفهوم البحث العلمي بإشباع لذّة العقل والذهن بالمعارف..
وذهب ابن رشد بذات التعريف إلى القول.. هي طلب علوم الحكمة
وغاص الرازي في هذا المفهوم في أمر مهم وهو إرضاء النفس لحاجات أو مستلزمات الحياة، فقال مناقضاً لهذا المفهوم بأن الإنسان والحيوان يأكلان الطعام والشراب وهذه ليست سعادة، وإلّا لما كان للإنسان مكانة تفضيلية عنه..
بينما الغزالي حصر الموضوع بنقطة معينة وهدف واحد وهو معرفة الله عز وجل
ويبقى الأمر للقارئ أو الباحث في اختيار التعريف الذي يناسب فكره.
طبعاً الفلسفة الإسلامية ليست ببعيدة عن ما طرحناه بل يكاد يكون مشابهاً تماماً، باعتبار أن أغلب المذكورين كانوا من بيئة إسلامية بغضّ النظر عن مواقفهم..
في القرآن الكريم تعريف جميل جداً للسعادة.. ونادراً ما استلقفه الفلاسفة، ربما لعدم وجود اسم السعادة بالحصر..
وأجزم أن هذا التعريف لا يناسب (المسلم) حصراً بل يتعدّاه لمفهوم إنساني راقي يكاد يكون للعالم أجمع، بغضّ النظر ايضاً عن الموقف الديني أو الرأي بالأديان..
يقول تعالى (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة) صدق الله العظيم.. انتهى الاقتباس
نعيدها في تأنّ.. انظروا جيداً
العمل الصالح + الإيمان = سعادة
ولا فرق بين الجنس الذكر من الأنثى
ويمكن ل الأنثى أن تعمل لذلك...
ثلاث نقاط وعجبي انني لم أشاهدها في تفسير!
إذن السعادة كتعريف أو كمطلب لا يمكن أن تكون دائمة إلّا بالرضا..
أمّا الفرح فهو شعور مختلف تماماً..
الفرح شعور مؤقت.. زواج.. قدوم ولد.. نجاح.. فوز.. الحصول على مال وعديد الأشياء الماديّة.
لكن.. ماذا لو حصل الطلاق!
هل سيدخل ذلك الشعور تحت اسم سعادة! بالتأكيد وقطعاً لا..
وكذلك عند موت احد الأطفال أو المرض أو غير ذلك.
إذن السعادة عمل وهدف للوصول، ويترافق ويتوافق ذلك مع الطمائنينة وراحة البال وانشراح الصدر وراحة الضمير.. هنا يحضر سؤال آخر:
السعادة هي حالة فرديّة أم أنها تصلح كحالة جمعية؟
لا يمكن بمفهوم الإنسانية أن تكون سعيداً وسط جموع البؤساء.
هنا يكمن الاختلاف بالفوارق الفكرية وحالات الاستثناء بين الأشخاص.
هل نستطيع الوصول للسعادة الجماعيّة أو هل حقّاً هناك شعب سعيد وشعب تعيس.
نعم وبكلّ تأكيد، والجزم يكون بالدليل.
البلاد التي يعمّ فيها الفقر المدقع، لاتعرف معنى هذه الكلمة.. ونضيف لذلك الحرب وتوابعها من فقدان وآلام
هل نستطيع الوصول؟
هنا الأمر البالغ الأهميّة في الطرح.
يحتاج ذلك لبحث منفصل وعميق جداً لطرح جميع القضايا.. لكن نكتب جازمين بالنتيجة عند امتلاك الإرادة بالقول بكلمة نعم.
وطننا يستحقّ الوصول وقادرين على الوصول عند امتلاك زمام المبادرة، مع توافر الشروط المناسبة لإعادة الأعمار والإصلاح الشامل وتحقيق الأهداف.. عندها بالمجمل يغلب الطابع الجمعي على الفردي....
الرضا.. الأمان.. المعرفة.. العمل
ليست من الأمور المستحيلة، رغم كلّ وجلّ مانعيشه في لحظات هذه الحرب..
وأختم بالقول.. بأننا نبحث عن النظارة وغالباّ ما تكون فوق أعيننا وكذلك هي السعادة (تولوستوي).
أتمنى أن أكون صائباً في التحليل..
ومنكم العذر في حال الخطأ..
شكرا لحكيمنا الرائع ولجميع الأصدقاء الكرام.
رأي شخصي مع احترامي لجميع الآراء الواردة ضمن المنشور.
رابط الموضوع المُعقب عليه: كتب الدكتور بهجت سليمان: السعادة.. سلسلة الفكر الإستراتيجي "الحلقة 18" http://www.fenks.co/%D9%86%D9%82%D8%B7%D8%A9-%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85/13864-%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1-%D8%A8%D9%87%D8%AC%D8%AA-%D8%B3%D9%84%D9%8A%D9%85%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%B3%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%AC%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%84%D9%82%D8%A9-18.html