تعقيب المعلّم و شعبان والرزوق على بحث "الجمال" للدكتور سليمان
تعقيباً على بحث عن "الجمال" في سلسلة الفكر الإستراتيجي, كتب الأستاذ غسان أديب المعلم:
(جلّ من سوّاها ".. سوريّا الجمال وكل سوريٍّ جميل")
الشكر في البداية لحكيمنا الرائع والمفكّر المبدع سعادة السفير بهجت سليمان، لمنبرك الراقي وما يحثّ فينا على النهل من كل جديد من علم ومعرفة وفي شتّى الميادين.
سيدي الكريم:
في سردكم الكريم عن الفلسفة اليونانية بعلم الجمال، وبالتعريف هو العلم المتعلّق بالإحساسات وكلمة استاطيقيا حرفيّاً، تعني العلم المحسوس.
ذهب بعض الفلاسفة اليونانيين لاعتبار الآلهة هي الجمال.. لأنها تجمع جماليات البشر الكاملة والمثالية وفرّقوا بين الجمال و الفنّ..
واعتبروا الفنّ (البعض منهم) نشاطاً صناعياً بحت، ولم يقتصروا بالفنّ على الشعر أو الموسيقى بل تجاوز ذلك لفنّ العمارة والنجارة والحدادة والهندسة..
بمعنى أوضح: كلّ إبداع تبدعه يد الإنسان، نطلق عليه كلمة (فنّ) طالما حقّق قيمةً جمالية جوهرها إرادة الإنسان في تحقيق الجميل
مثال: لوحة فنيّة أو تمثال نحت.. نوتة موسيقية.. الخ
والجمال هنا يختلف بل بمعنى أوضح هو أشمل من الفنّ لأنّه الكلّ الذي يدركه الإنسان ويسرّ له ويبتهج به (الكون الفسيح) وهو إحساس باللون والشكل والمضمون وغيره
إذن البداية تكون مع الفنّ للوصول للمعنى الشمولي.
هناك عديد من المدارس القديمة والحديثة, انهالت على هذا العلم..
وهناك مدارس تمثّلت بشكل فرديّ مبدع عبر وجهة نظر أو رأي لهذا الفيلسوف الرائد..
سأذكر البعض منها على سبيل المثال مع الربط أيضاً بالمدارس الفلسفية الأقرب لواقعنا وتفكيرنا ولغتنا وجغرافيتنا..
اعتبر "نيتشه" في كتابه "عشق الأوثان" بأن الفنّ بالمطلق هو النشوة، ووضع تعريفاً لها بأنها تفاقم الطاقة وزخم الامتلاء..
وبهذا الشعور يُثري المرء من زخمه الخاص على كلّ الأشياء، فيحولها لمرآة قوته وتصبح انعكاساً للكمال.
ووضع الجمال (علّة) في الإنسان ذاته، فهو وحده الذي منح العالم جمالاً.
ملاحظة:
المقصود هنا جمال إنساني.. ويتوافق قليلاً هذا الرأي مع "كانط" الذي رأى بأن الجمال لا يرجع للأشياء بل مصدره الذات
.
أعود إلى "نيتشه".. هناك مفارقة جميلة في فكرته عن الفنّ مع "الفارابي" الذي اعتبر الفنّ صفة حسيّة أساسها الخير. والفنّان يستطيع التقرّب من العقل الفعّال في نُسكه وتنقيته من المادّة (طبعاً يقارب هذا الوصف للفكر الصوفي ويختلف مع نيتشه بحصر الإبداع في الخير)
وفي ذات السياق (العربي الإسلامي) فرّق أو قسم أبو حامد الغزالي موضوع الجمال لقسمين (ظاهر و باطن) واعتبر الأول شأن الحواس، والثاني شأن البصيرة
وكذلك "ابن رشد" الذي ربط الجميل بالفضيلة
وكذلك مدارس الصوفيّة (اتحاد الإنسان مع ذات الله روحيّاً)
والمعنى الحقيقي للجمال فيما يُرى من نور
وبين هذه المفارقات البسيطة والمتواضعة بين المدارس لابد أن نذكر المؤسس الفعلي لعلم الجمال (العربي الإسلامي) وهو "أبو حيّان التوحيدي".
لأن فلسفة التوحيدي الجماليّة (واقعيّة ومتوازنة) وذلك عندما وضع خمسة عناصر للتكوين الجمالي
(الطبيعي + الاجتماعي + الديني + العقلي + الشهواني)
وبها حدّد أو بيّن الحُسن من القبح
.. و قال في هذا الشأن: الحُسن و القبح حاجة للبحث اللطيف حتى لا يجوز أن (يُرى القبح حسناً والحُسن قبيح)
وبأغلب الآراء تضع هذا التفكير بالجامع بين القديم والحديث من الأفكار الفلسفية من مدارس متنوعة.
بالنهاية ومن منظور شخصي.. نتداول دائماً كلمةً في واقعنا ربّما يكون مردّها لأفلاطون وهي:
(إنّ الله جميل يحبّ الجمال)
أعتقد أن رأي أفلاطون المختصر هو الأجمل والأحلى، عندما وصف الجمال بتلك الحياة التي وهبها الله مخلوقاته ونفخ فيها من روحه، ومن ثمّ فإنّ الشئ الجميل هو الذي يشعّ بالحياة
اقتراناً بهذا القول والرأي الجميل وضعت وربطت البداية والعنوان به
لقد وهبنا الله جنّةً وآيةً في الجمال
وعلى أرضها (جامد ومتحرّك) كلّ جميل.. رغم كلّ الآلام المحيطة والسوداوية والتشاؤم في بعض الحالات لكن الاسم وحده قمّة الجمال
هكذا يكون الإحساس عند من يعشق الوطن.. لأنّه في خياله وعشقه قد يصل حدودَ السماء السادسة
وقد يصل عند البعض ما هو أبعد.. وما (بعد بعد) أبعد.
(رأي شخصي مع احترامي لجميع الآراء الواردة ضمن المنشور من الأصدقاء الكرام.)
***
فيما عقبت الدكتورة رشا شعبان:
(الجمال)
نعم، الجمال هو أحد أهم الشواغل الأرقى، الأخرى التي تشغل الإنسان، و لعلّ الوعي الجمالي، هو أرقى أشكال الوعي الإنساني.
و تبقى العلاقة الجمالية ضرباََ من ضروب الاهتمام الإنساني و الفائدة الروحية الاجتماعية العامة، و إن اقتضت إلى ما أشار إليه "كانط"، بالتنزه عن المصلحة و الغرض و المنفعة.
نعم، إن الاهتمام الجمالي متحرر من تلك التصرفات الأنانية، التي تعبّر عن نفسها في اقتناء الموضوع أو استهلاكه، أو استخدامه لتلبية حاجات بيولوجية و فوائد شخصية، فالنظرة النفعية الذاتية إلى الشيء أو الموضوع، تشل الشعور الجمالي الخالص.
لأنها تحوّل العاطفة الجمالية إلى الاقتناء و الانتفاع و التلذّذ.
و هذا ما يفسّر فقدان الإحساس بجمالية حالة ما، عندما تقترن بامتلاك موضوعها أو إنجاز الانتفاع منها.
و ليس للعلاقة الجمالية غاية خارج ذاتها، بل هي غاية ذاتها، و هذا ما نسميه في الفلسفة، الغائية دون غاية، أي أن الغاية داخلية لا خارجية.
و هذه هي الخصوصية الجمالية التي انتبه اليها كل من كانط و شيللر في الجمال.
و قد أشار شيللر إلى أن انتفاء التبعية للعالم في الحالة الجمالية، بل يجد نفسه حراََ إلى حدِِ ما إزاءه.. و عبّر عن ذلك بقوله أن الجمال شكل الحرية.
و لعلّ أهم ما في العلاقة الجمالية، هي المعايشة المباشرة و قوة المشاعر و الأحاسيس الضرورية للحكم الجمالي، حيث أن كل حكم جمالي ناتج عن معايشة جمالية، تحتضن شعورا و عاطفة خاصة تجاه موضوع الجمال، كالمعاناة أو البهجة الروحية.. لذلك يظل القول المأثور في علم الجمال (لا جدال في الذوق).
و طبعاََ تلك المعايشة الانفعالية التي تثير فينا انفعالاََ ما، هو بعيد كل البعد عن استجابات المتعة الخالصة أو النفعية، بل هي ضرب من ضروب الفرح الروحي المنزّه عن الغرض و اللذة الحسية.
و هذا يفسّر القول بأن الجمال، هو "الصعب" أو "الأصعب"، من حيث القدرة على امتلاك تلك العلاقة الروحية المنزّهة مع العالم، في اطار ما هو أبدي و التوق له.
و في بحثنا في الجمال، لا بدّ من تحديدنا و لو بشكل بسيط، للعلاقة بين مقولات جمالية، كالجميل و الجليل.
ف "الجمال" علاقة منسجمة متناسبة كيفياََ، بين الواقع و المثل الأعلى، يحس فيها المرء بالفرح و الحرية..
أما "الجلال" فيفجر كمياََ حدود التوافق بين الواقع و المثل الأعلى، و يذهب في القوة و التعاظم إلى ما لا نهاية، فيولد الشعور بالاحترام و التوقير الذي يؤكد تفوق العالم على القوة الإنسانية من جهة، و إصرار الإنسان على تأكيد ذاته و حريته إزاءها من جهة أخرى، و لهذا كانت الشهادة و البطولة أقرب إلى معنى الجلالة.
و أخيراََ، أتمنى أيها الحكيم أن أكون قد استطعت مشاركتك في بعض من الأفكار حول الجمال.
كل الإجلال و التقدير لك حكيمنا الرائع "د. بهجت سليمان"، لما تقدمه لنا من موضوعات، نشعر في كثير من الأحيان بعجز الإضافة لها.
محبتنا و احترامنا لك أيها الحكيم.
***
فيما عقب المهندس والشاعر ياسين الرزوق زيوس:
كان "شوبنهور" يرى أن جوهر العالم هو قوة عمياء و لا هدف لها و لا غاية هي الإرادة و بهذا اختلفت مثالية شوبنهور الميتافيزيقية عن جميع المثاليات التي سبقته.
و يرى البعض أن شوبنهور في ذلك قد ترك أثره الأكيد في فلسفات "نيتشه و برغسون و كروتشه" بل و حتى في "فرويد" من جهة أن شوبنهور قد نظر إلى حقيقة العالم في الصراع بين الدوافع اللاعقلانية و بين وظائف التأمل و المعرفة في جوهر الوجود الفيزيائي و العضوي و الإنساني الذي هو الإرادة بوصفها محصلة للقوى الواعية و غير الواعية في وقت واحد.
و عندما يتعلق الفن بالعبقرية الإنسانية نبقى نتساءل هل الغباء هو جحود بالجمال أم أنه من مكوناته التكميلية أيضاً في الرؤية البنيوية و العضوية البسيطة لا المعقدة لأشخاص اختلفت درجاتهم.
و إذا ما رأى نيتشه أن الإرادة الكلية هي إرادة القوة فماذا عن القوة الكامنة في الضعف و أين مبعثها الجمالي الذي لا بدّ أنه قابع في الذات ينتظر الفرصة المناسبة للاستنهاض أو الانفجار.
و إذا ما كرر الفلاسفة أن العبقرية هي الأصل الفني الكامن وراء جميع أشكال الخلق الإنساني فماذا عن معتقد الغباء و دوره في اعتناقات لا تحصى من العبقريات الحسناء.
و إذا ما كان العلم بالتحديد يحدد حركته و الفلسفة مسارها اللا محدودية فلماذا طرح "ديكارت" نظريات الشك حتى بالنفس و الروح و العقل و هو الذي حدد وجود الهوية في التكوين المدمج للإنسان و سواه من الكائنات؟!....
لك استنهاض العقول بقبحها و جمالها دكتورنا الغالي بهجت سليمان.
البحث المعقّب عليه: د. بهجت سليمان: في "الجمال".. بوصفه الأبديّةَ المُحايثةَ في "الجميل".. سلسلة الفكر الإستراتيجي ح"19" http://www.fenks.co/%D8%A8%D9%84%D8%A7-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/13943-%D8%AF-%D8%A8%D9%87%D8%AC%D8%AA-%D8%B3%D9%84%D9%8A%D9%85%D8%A7%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A8%D9%88%D8%B5%D9%81%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%A8%D8%AF%D9%8A%D9%91%D8%A9%D9%8E-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8F%D8%AD%D8%A7%D9%8A%D8%AB%D8%A9%D9%8E-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D9%8A%D9%84-%D8%B3%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%AC%D9%8A-%D8%AD-19.html