د. نوفل نيّوف: أنا لا أُخطئ.. المخطئ دائماً هو الآخر (نصوص نثرية وشعرية)

أدناه, باقة نصوص نثرية وشعرية, كتبها الدكتور نوفل نيّوف, في سنوات متفرقة, في غربته الأخيرة:

هنا، والآن، ومنذ قرون تتناطح فيها قرون ولا رؤوس:
- أنا لا أُخطئ. المخطئ دائماً هو الآخر.
- فضيلة الاعتراف بالخطأ إهانة تعادل الاعتراف بانعدام الشرف. وارتكابُ أكبر جريمة أهونُ منها.
- في كل "جريمة شرف" طرفان. ولكنّ المجرم طرفٌ واحد: هو المرأة دائماً.
- الثأر واجب، سواءٌ أكنتَ المجرمَ أو الضحية.
- لا يوجد خصوم. كل من يخالفني الرأي عدوٌّ وخائن ويستحق القتل.
- أقزام يشتمون المثقفين ليقال عنهم إنهم مثقّفون...
- طائفيون يشتمون فلاناً من طائفتهم لأنه ليس طائفياً مثلهم، ثم يشتمون الطائفية بلا حياء...
- متكسِّبون، ينطبق عليهم وصف الجاحظ بأنهم "في مِسلاخ إنسان"، يتّهِمون بالطائفية طائفةً بكاملها حتى أرقى مثقف فيها، زاعمين أن طائفة أخرى بريئة من الطائفية، وما الطائفيون القتلة فيها، كما في غيرها، سوى استثناء لا يُقاس عليه.
– قوَّالون إن "داعش" و"النصرة" عميلتان للنظام، ولكنّهم يتمسّكون بأسفلهما حتى الموت...
- "علمانيون"، "إيمانيون"، "يساريون"، "ليبراليون" – باختصار: بازاريون، لا يرون في مأساة سوريا إلا قتالاً بين الطوائف لا غبر...
أيها "البُهَقاء" (لكي لا تتلوّث بكم أيُّ لفظة في اللغة):
لا تليقُ بكم أسفهُ كلمةٍ موجودةٍ في قاموس.

***

في الشّعاب الأخيرة...
على خيط الزمان الرفيع
نطعن في السنِّ وتمارينِ الحياة
ومثلَ سبّاح مخدوعٍ
نرتمي في بحر ناشف
يستمر الخيطُ غيرَ عابئ
بقهقهات العدم الأبدي السديم.

أسمع تكسير يديَّ الطائشتين
تحت الشجرة الحانية على القبر
وابقى جالساً أغالب
شمس الظهيرة الحَرون
لا تأخذُني في الوجوم طعنةُ قاتل
أو قتيلٍ أو سكران.
*

جُثثُ الندم والنجاة لا تغفو بين
أرصفة القتلى والمفجوعين.
الحواجزُ لابسةٌ عقاربَها الصفراء
والمنقِذون ملاعقُ مسنَنة لإطفاء دِمائنا
بقراراتٍ أمميةٍ حلال.

عند الكهوف الألْف
تحت قبّة مرفوعةٍ على الجُبّ
حبالُ مشاةٍ سودٍ منتظمين
أخّرَهم قليلاً صوتُ المقرئ عبدِ الباسط
عن الوصول بأسنانهم إلى القاع.

رصاصٌ يُميتنا في كيسِ رمل
ثيرانٌ تحرث الجصّ بالعظام
لتحصدَ بنا شواربَ الغد المغدور
وأذُنَيه.

***
صباحٌ على رصيف

حبرٌ يَسيل أشجاراً لا تعرف الأرض
نروح ونجيء
نغرِّد وننحني على في جُبِّها الشمس
الأحلام ثرثارة في قلمٍ وحيدِ اللون.
الشاعر جائع يوزِّع عسله على الغائبين
قبل أن تجترح معجزة، أيّها القلب،
صالِحْني مع النوم.
كلَّ يوم أَغرَق وأخرُج من الماء
لا يَنشَف عليّ خيط.
الحياة مَضحَكةٌ مُرَّةٌ، أيّها الحبّ
ولْيشمَتِ العسلُ بالسماء

***
ي
داً بيد نمشي على الضفتين
يمضي النهر بيننا وتتسع المسافات
يدانا عقدة عقيق
بها يهتدي الشروقُ إلى الشمس
فيها يلتقي الأزرقان.

بين الأشجار ظلّنا يغربل النور
شَعرها ينبش ثياب الريح
دفء زنديها عشبُ دربٍ إليّ.

مصباح الشارع لا يُسلِّم عليّ
عقيقٌ مصلوبٌ تعرفه المَريَمان
صدري تغصّ بقهوته النار:
ما صياحُ الدجاجة الديك

***

في الثانية ليلاً توقفت خائفاً عند الحافّة الخطيرة (نهاية الفصل 7) في قصة أنطون تشيخوف "الراهب الأسود". نهاراً أنهيت القراءة بشعور مَن يُطلّ على الحياة من علياء جحيم دانتي خالياً من الخوف.
"... ما أكثر ما تأخذ الحياة لقاء ما يمكن أن تمنحه للإنسان من نِعَمٍ تافهة شديدة الاعتيادية".
أنطون تشيخوف "الراهب الأسود"