رشا شعبان تعقّب على "خير" د. سليمان

كتبت الدكتورة رشا شعبان, التعقيب التالي, على دراسة "الخير" التي كتبها الدكتور بهجت سليمان, وهي الحلقة 22 من سلسلة دراساته الاستراتيجية, وكنّا نشرناها أمس على الرابط http://www.fenks.co/%D8%A8%D9%84%D8%A7-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/14302-%D8%AF-%D8%A8%D9%87%D8%AC%D8%AA-%D8%B3%D9%84%D9%8A%D9%85%D8%A7%D9%86-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%8A%D8%B1.html.

كل الشكر لك حكيمنا الرائع الدكتور بهجت سليمان، لتلك الموضوعات التي تضعها نُصب عقولنا، لنعيد نرتيب علاقتنا بها، فكراََ و ممارسةََ.
إن الاشتغال بالتفلسف و البحث عن حقيقة ما نفكر به و نعمل عليه، هو ترفّع عن الحياة الاستهلاكية و النفعية، و التي هي شأن العوام في تهافتهم على الاحتياجات البيولوجية المحضة، ظناََ منهم أن ذلك مصدر سعادتهم و خيرهم، أما الفيلسوف فكان و مازال يطلب الخير و العدل و الحق، و رأى في ذلك مصدر سعادته و خيره.
ولعلّ ثنائية الخير و الشر، و وجوب وجود معايير نحكم من خلالها على مدى صوابية و خيرية ممارساتنا، هي السؤال الأخلاقي الأرأس في تاريخ التفكير الفلسفي.
لقد دأب العقل الفلسفي في تحديد معايير الحكم الصحيح و الصائب على فعل الخير، و منهم من ربط ذلك بصوابية الفعل من جهة ما هو عقلاني، فالخير هو ذلك الفعل الذي صدر وفق محاكمة عقلانية صائبة، و منهم من جعل من الواجب و الإرادة معياراََ للحكم على خيرية أفعالنا، من جهة أن أفعالنا الخيرة يجب أن تنبع من فعل حر و إرادوي، و هذا يعني أن معيار الحكم على خيرية أفعالنا، هو تلك القوة الحرة و الإرادوية التي حدّدت ما يجب أن يكون و تمثلتها بقوة و اختيار ارادوي و ليست إلزامية بالمعنى الجبري، و بالتالي ما يجب أن يكون، ليس قوة جبرية بل اختيار حر نحو فعل ما يجب أن يكون.
و كذلك هناك من شدّد على معيارية الخير وفق علاقته مع النيّة التي تسبق الفعل، و هو الإرادة الطيبة و الخيرة و التي تنبع من الحافز و الهدف من الفعل، و آخرون كان رأيهم أن المعيار يتحدد في ما يلي الفعل و ربط ذلك بالنتائج أو المنفعة، فإن كانت النتيجة لذة فالفعل مستحسن و خيّر، و أما في حال كانت النتيجة ألماََ فالفعل مستهجناََ و شراََ.
و كل تلك التباينات أو الاختلافات التي تبدو أنها متنافرة، إلا أنها جميعاََ تصلح لتكون معياراََ للحكم على خيرية فعل ما.
فالإرادة و الحرية و النية الطيبة و نتائج الفعل و معيار العقلانية و الحكمة، كل ذلك هي متلازمات في الفعل الخيّر.
و حتى في علاقة الخير بالأوامر الدينية، بإمكاننا القول أن الرب أمرنا بالخير لأنه خير، و لو لم يأمرنا به، لما أصبح شراََ، لأن الله خير أسمى و لا يمكن أن يأمرنا بالشر على الإطلاق، و بالتالي يكون الخير و القيم الأخلاقية سابقة على الأوامر الإلهية، لأن الرب هو من تبناها و أمرنا بها بوصفها خيرة.
و هذا يفسّر أنه من الاستحالة بمكان أن يدعو دين ما للشر لأن الرب هو الخير بالمطلق، و أن كل الأديان تقوّمت على الخير و الأخلاق.
و كذلك من الأهمية بمكان التأكيد على أن الخير هو خير في ذاته، لا لشيء آخر، و هو الخير الأسمى، الذي نمارسه و نتمثله بوصفه خيراََ، لا لمنفعة أخرى، فالخير هدف إنساني و ليس وسيلة.
و يرتبط الخير بالسعادة، و هو من شروطها، ولا يمكن لفعل أن ينتج سعادة إلا بوصفه خيراََ لنا و للآخرين أيضاََ، و هنا معيارية الخير للمجموع في غاية الأهمية، لأنها بعيدة عن النسبوية و البينية و الفردية و الأنانية.
لقد قامت فكرة التنوير على أن الإنسان في منزلة سامية من جهة أنه عاقل و كائن إرادة و حرية، وفي هذا الإطار يمكن طرح مسألة الخير و في علاقته مع سعادتنا و إنسانيتنا.
و أخيراََ لابدّ لنا من الإشارة إلى أننا لسنا خيرين بالمطلق ولا شريرين بالمطلق، لكننا خيرون بقدر ما ينتصر الخير الذي بداخلنا، على الشر الذي بداخلنا، و في هذا الصراع الداخلي بين القوى الخير و الشر في داخلنا، تبرز قوة الإرادة التي تجعل من الخير متفوقاََ على الشر، و هذا هو الانتصار الحقيقي لإنسانيتنا، إنه نصر الخير فينا.
كل المحبة و الإجلال لك حكيمنا الرائع الدكتور بهجت سليمان، و أتمنى أن أكون قد استطعت التقاط بعضاََ مما أردت الحوار فيه.