محمد بوداي: شذرات من غباء فقهاء اللغة العربيه

عجائب وغرائب اللغة العربية كثيرة، منها مايمكن الحديث عنه علنا، ومنها مايصلح فقط للنقاش في دوائر ضيقة من الاصدقاء.
وإحدى الامثلة على النوع الاول هو اعراب الفعل المبني للمجهول وسوف أضرب مثالا على ذلك.
كيف نعرب جملة (هُزِمَ العَرَبُ)؟ اي طالب في المرحله الاعدادية سيقول: (هُزِمَ): فعل ماض مبني للمجهول.( العربُ): نائب فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة في آخره.
ياسلام على اللامنطق. العرب في هذه الجملة هزموا، وبدلا من ان يكون المهزوم مفعولا به، فقد قرر فقهاء اللغة ان يجعلوه نائبا للفاعل الذي هزمهم. بينما الفعل بحد ذاته مبني للمجهول اي، هناك فعل وقع وهو هزيمة العرب وقد سجلناه باسم فاعل مجهول، فنحن لانعرف من هو الذي هزمنا، ومع ذلك فنحن نائب لذلك الفاعل المجهول الذي هزمنا. هذا يعني اننا مشاركون بهزيمة انفسنا مع فاعل لانعرف من هو. ومع ذلك، فنحن نائب الفاعل الذي هزمنا، والانكى من ذلك هو انه مرفوع بالضمة بدلا من ان يكون مضروبا بالصرماية.
وحتى نعرف لماذا بنى الفقهاء هزيمتنا للمجهول، وبدلا من ان يكون المهزوم مفعولا به جعلوه نائبا للفاعل الذي هزمه، والذي هو فاعل لفعل مبني للمجهول ستظل هزائمنا تتكرر، وسيظل السبب مجهولا، وسنظل نفتخر بأننا نواب لمن يهزموننا. وسيظل الذي هزمنا يضحك علينا ويرفعنا بالضمة الظاهرة في مؤخرتنا ثم يجلسنا على الخازوق.
أوليس هذا مايحدث لنا اليوم؟ فكروا وقارنوا، وإن لم تفهموا النص من المرة الاولى فأعيدوا قراءته. الا تملأ الحروب بلادنا وتدمر كياناتنا وتقتل أولادنا؟ ألسنا كلنا مهزومين؟ هل هناك من احد يعرف من هو الفاعل الحقيقي الذي يهزمنا؟ ومع ذلك لايعترف أحد منا بالهزيمة وكلنا ندعي اننا انتصرنا. اليس كل واحد منا هو نائب للفاعل المجهول الذي يهزمنا؟
اللغة تبرمج الدماغ وتنتج الفكر
وأود ان ألفت انتباه القراء الى أنني لم اناقش الفاعل ونائبه من زاوية نحوية بل، من زاوية سيكولوجية- فلسفية تتحكم بالعقلية العربية المتخلفه. كيف يعقل ان أكون نائبا لفاعل هزمني علما بان ذلك الفاعل مجهول؟ خطورة اللغة تكمن في كونها اداة لبرمجة الدماغ وانتاج الفكر. نحن اليوم بالفعل نواب لفاعل مجهول يقوم بهزيمتنا، والمصيبة اننا مرفوعين ولسنا منصوبين.
نهزم أنفسنا بأيدينا ونعتبر ذلك نصرا. النصابون الدوليون نصبوا علينا لندمر بلدنا بايدينا ونحن في موقع المفعول به والمنصوب عليه ومازلنا نعتبر انفسنا نائبا لفاعل مجهول هزمنا ونصر على اننا مرفوعين ومنتصرين.
وملاحظة أخرى أود ان الفت اليها نظر القارئ وهي زمن الفعل في اللغة العربية.
كلنا نعلم ان زمن الفعل العربي هو الماضي، قرأ، كتب، أبدع، الخ كلها في الزمن الماضي وهذا بدوره برمج دماغنا وغرس في اللاشعور اننا ابناء الماضي وإن كل مافعلناه هو في الماضي حتى لو فعلناه الان. فالحياة عندنا هي الماضي لذا، فنحن شعوب ماتزال تعيش بالماضي وتجتر اقوال السلف ولا مستقبل عندنا. نحن كتلة من الماضي، والحاضر عندنا هو تأسف على الماضي او تشكيك بالمستقبل. لاحظ معي: ليت، لعل، لعمري، آه، آخ، تمنى، ظن، حسب، خال، هيهات، لو.
أما المستقبل، فلا تربطنا به الا كلمة سوف وهي للتسويف والمماطلة والتأجيل وليست برنامج عمل للمستقبل.
أما زمن الفعل في عائلة اللغات اللاتينية فهي المستقبل لذا، فهم يقررون مستقبل العالم ولايهتمون بماضيهم بل، يهتمون بماضينا لايجاد نقاط ضعفنا وتحريضنا على بعض.
أما زمن الفعل في عائلة اللغات التركية فهي الأمر: اذهب، اجلس، اقرأ الخ لذا، لن تجد شعبا ناطقا بالتركية انتج او سينتج يوما ما نظاما ديموقراطيا.
اللغة مرايا تعكس منهج تفكير العقل الذي انتجها وهذا ينطبق على اللغويين الذين انتجوا ذلك، اما بالنسبة للشعب الذي يتلقف اللغة، فان اللغة هي التي تبرمج عقولهم. فاللغة بالنسبة للجيل الاول عبارة عن مصطلحات برمجة ، وبالنسبة للجيل الثاني موروثات مُبرمِجَة.