د. بهجت سليمان: الأنثروبولوجيا.. "علم الإنسان أو علم الإناسة"

[الحلقة السادسة والعشرون "26" من «سلسلة الفكر الإستراتيجي»]


(الأنثروبولوجيا: "علم الإنسان أو علم الإناسة")

{الإجتماعي والسياسيّ في التّحليل الأنثروبولوجيّ.. و تقاليد استعصاء التّحديث..}

ــ د. بهجت سليمان


يبقى مستغلقاً على الفهم الكثير من الظّواهر و الوقائع السّياسيّة التي تحدث في الحرب و السّلم، و في مختلف الظّروف المعطاة في المكان و الزّمان، عندما لا يُعيرها البحث و التّحليل أهميّة خاصّة تنبع من كونها تتحكم بمصائر الأفراد و الجماعات، فإذا بها تشبه في عنادها و استمرارها أمور القضاء و القدر.

ليس هناك نظريّة فكريّة شاملة و عامّة تكفي لتحليل الأنظمة السّياسيّة في واقعيّتها كأنماطٍ ترتبط، حصراً، بطبيعة و شكل و مفاصل و قوى المجتمع الذي تنشأ عنه و تعبّر عنه تعبيراً مباشراً أو تعبيراً مجازيّاً، على اعتبار أنّ النّظام السّياسيّ في أيّة دولة هو مزيج من التّعبير الطّبيعيّ و الموضوعيّ عن "المجتمع"، بالإضافة إلى كونه يستقلّ، منفصلاً، بآليّات و ديناميّات أخرى ترتبط، بدرجة كبيرة أو صغيرة، باستقلاليّة "السّياسة" عن "الاجتماع"، إذ لطالما كانت السّياسة تتجاوز في ضروراتها تلك التّلقائيّة التي تكون فيها نسخة قِيَمِيَّةً انطباقيّة على المجتمع، تدير، و حسب، متطلّبات العفويّة الاجتماعيّة أو متطلّبات جميع الاستراتيجيّات الاجتماعيّة التي تطمح إلى أن تعبّر عن وجودها في القرار السّياسيّ المباشر في الدّولة.

هذا جزء من الصّراع التّاريخيّ، على كلّ حال، بين الأفكار التي ترى في نسقها وَصْفَاتٍ نهائيّةً لإحلال ما تفهمه هي على أنّه "عدالات" اجتماعيّة و سياسيّة، كالانقلابات و الثّورات و العامّيّات، أو تلك التي تزعم أنّها تقوم في نسقها الفكريّ الحديث على ما تسمّيه "الّليبيراليّة" أو "الدّيموقراطيّة"..؛ و بين "الأنظمة السّياسيّة" ذات الفلسفات و العقائد و الأيديولوجيّات التي لا حصر لها في "النّظريّات"؛

هذا، مع أنّ "المكان السّياسيّ"، في مختلف أجهزة "الدّولة" و مؤسّساتها، هو المكان الطّبيعيّ الذي يجب على التّحليل أن يعتبره الأكثر نموذجيّة لفهم انبثاق الدّيناميّات و الاستراتيجيّات و السّلطات، الاجتماعيّة، التي تتواجه مواجهة سياسيّة في "الدّولة" بوصفها حيّز النّظام السّياسيّ، و لو بمجابهات علنيّة أو سرّيّة في إطار صناعة القرارات العامّة التي تدّعي أنّها تشكّل تعبيراً تمثيليّاً كاملاً أو مناسباً للحاجات المجتمعيّة أو المصلحة العامّة.

و في رأينا، فإنّ جميعَ مناهج الأنثروبولوجيا المقارِنة (ومضامينها المقارَنة) تُخفقُ، عندما تحاول أن تدّعي لها علمويّة اجتماعيّة، و لو متعدّدة و متضافرة، من أجل استدعاء "واقع" اجتماعيّ محدّد لإخضاعه إلى "النّظريّة" الثّقافيّة إخضاعاً مجهريّاً كما على طريقة دراسة "البيولوجيا". حتّى "البيولوجيا" كعلم للحياة الخَلَويّة يقف عاجزاً، ما إن يبدأ السّؤال على "الفيزيولوجيا" الحيويّة للخليّة في إطار الأعضاء.

في هذا الحديث، و على سبيل المثال في هذا السّياق، نحن يمكننا النّظر إلى "المعارضات" السّوريّة التي طرأت على المشهد الاجتماعيّ- السّياسيّ الأخير، على أنّها تنفيذ مباشر و تطبيق عمليّ لمجموعة من الأفكار التي تفتقر إلى الكثير من عناصر الوظيفيّة التّاريخيّة، لتنغلقَ على وظيفيّة داخليّة و خارجيّة طارئة، أهمّ ما يُميّزها مطلبيّاتٌ قاصرة بدوافع شخصيّة أو شخصانيّة أو كونها مشاريعَ، تعبّر عن محدوديّة اجتماعيّة و جهل سياسيّ بحقيقة و طبيعة الصّراع في الحرب السّوريّة، مع ما يتطلّبه هذا الجهل من أخلاقيّاتٍ دونيّة مرتبطة بالمستوى الحضاريّ (الثّقافيّ) الوضيع لهذه المعارضات.

إنّ أهمّ ما يُميّز التّشكيلة الأنثروبولوجيّة الاجتماعيّة في تاريخ المجتمعات و الدّول، هو ما يُدعى بالنّمط التّكوينيّ المحلّيّ الذي يوصف، سياسيّاً و ثقافيّاً، بالنّمطيّة الوطنيّة (من التّوطّن). و نحن مع هذه الصّفات الوطنيّة، فقط، نستطيع الاعتماد على الأنثروبولوجيا السّياسيّة لدراسة أنماط الاصطفافات السّياسيّة في علاقة "الاجتماعيّ" بِ"السّياسيّ".

المهمّ في ما نريده، هنا، هو أنّ ننظرَ إلى واقع "الدّولة" بوصفه تعبيراً متفاوتاً عن "المكان الاجتماعيّ" الذي يضم، بالإضافة إلى قوى وطنيّة تسهل دراستها كمادّة في الأنثروبولوجيا السّياسيّة، ما لا يخضع لهذه الدّراسة، و إنّما فقط إلى طريقة من طرق الأنثروبولوجيا الاجتماعيّة المعاصرة، بوصفها قوى عابرة للوطنيّة و القوميّات.

إنّ التّوسّع الفلسفيّ في نقد "الدّولة"، كمكانٍ سياسيّ، و نقد "المجتمع"، كمكانٍ اجتماعيّ، يسمح لنا أن نكون على دراية بحدودٍ سياسيّة جديدة و معاصرة، واسعة و متنوّعة، لنقد القوى الاجتماعيّة و السّياسيّة الأهليّة، نقداً يتجاوز ربط "الدّولة" و "المعارضة" بواسطة الوشائج التّقليديّة التي تعلّل كلّ سياسيّ بالسّياسيّ، أو العكس (أي كلّ اجتماعيٍّ بالاجتماعيّ)؛ كما يتجاوز الّلغة السّياسيّة الواحدة التي تسمح لنا بقراءة "الفوضى" و "النّظام" على أنّها مستويات تختلف بالدّرجة المنسوبة إلى "المقاييس" الحكوميّة، و حسب، إلى أدوات نقديّة، أخرى، تسمح لنا بالعزل الكامل ما بين النّظريّات السّياسيّة العالميّة المكتوبة أو المعمول بها، و بين تلك المقترحة، مثلاً، في تضاعيف هذا الحديث.

ليس من طرف في الحرب، بوجه عام، يُقاتل لأجل "العقيدة السّياسيّة" المجرّدة (العقائد السّياسيّة المتجادلة تصنع حواراً و مثاقفة و لا تصنع الجريمة!) و ربّما "هو" يُقاتل بواسطة "العقيدة"..، و هو الشّيء الذي يجعل أمر البحث على العقائد المتصارعة شيئاً سياقيّاً في مجرى الصّراع، لا أهمّيّة استراتيجيّة له، على اعتباره لا يدخل لا في الأسباب و لا في النّتائج الأخيرة للحرب.
في كلّ حرب داخليّة، أو لها بعدٌ داخليّ، أو لها مسرح اجتماعيّ، يجب أن نبحث في "الثّقافة" التي جعلت الجبهات العدائيّة المسلّحة أمراً ممكناً و له أتباع و أنصار و مريدون. و هذا هو، بالضّبط، ما نقول إنّه يتجاوز "السّياسيّ" إلى "الأنثروبولوجيّ"..

إنّ "الأنثروبولوجيا السّياسيّة" تتجاوز "السّياسة" إلى الخلف و إلى الأمام، في صيغةِ معاصَرَةِ الحدث، بالتّحليل العلميّ العقلانيّ و ليس بالحكم، و سواءٌ هنا أكان الحكم وجوديّاً أو بواسطة القيمة و الأخلاق.

فأن "تعرف" الأسباب التي جعلت من هذه الحرب ذات البعد الدّاخليّ، ممكنة و حيّة، إنّما هو شيءٌ يعمل على تقصير مدى الحرب و إضافة تجربتها إلى الخبرة السّياسيّة و الثّقافيّة، بدلاً من أن تنضاف تفاصيلها إلى المعتقدات السّياسيّة؛

و هكذا، فقط، نستطيع تجنيب المجتمع شرور "العقائد السّياسيّة" التّقليديّة (الأيديولوجيّات) و ندرأ عن المجتمع انتحاراته الدّوريّة و الطّقسيّة في الزّمان و المكان.

دعونا نتّفق، على رغم كلّ شيء من الخلافات و الاختلافات، على أنّ الأحوال الخاصّة لكلّ أمّة تخضع لمبادئَ تبدو معها هذا "الأحوال"، كما لو كانت كذلك من تلقاء نفسها" و على "أنّ تواريخ جميع الأمم ليست غير نتائج لها، و أنّ كلّ قانون خاصّ مرتبط في قانون آخَر أو تابع لقانون آخر أعمّ منه".

[مونتسكيو. روح الشّرائع. الجزء الأوّل. ترجمة عادل زعيتر. اللجنة الدّوليّة لترجمة الرّوائع. بيروت. دار المعارف بمصر. القاهرة- 1953م. (ص31)].

هكذا، بالضّبط، أنا أعني بعدم واقعيّة تفسير تاريخ أمّة أو شعب أو دولة وطنيّة، بمحض العقيدة السّياسيّة التي تطبع تاريخ الأمّة الرّسميّ بطابع وحيد؛ و إنّما من الأجدى أن ننظرَ إلى هذا التّاريخ بوصفه "ترابطاتٍ" تاريخيّة تفسّر "السّياسيّ" كما تفسّر "الاجتماعيّ"، إلى أن نعرف كيف يتمّ تفسير "الاجتماعيّ" بِ"السّياسيّ" و تفسير "السّياسيّ" بِ"الاجتماعيّ".

لم َيخلق الأشخاصُ أمّةً من الأمم، و إنّما على العكس، فقد أتاح تاريخ الأمّة، نفسه، و خلق تلك "الضّرورة" لظهور هؤلاء الأشخاص و القادة و سائر الآخرين؛

بمعنى أنّ هذا الأمر المبدئيّ هو فاتحة "التّفسير" الذي نقوله في العلاقة ما بين "السّياسيّ" و "الاجتماعيّ"، و عليه، نحن، يجب أن نتوطّد عندما نقارب في التّحليل و التّفسير التّاريخيّ للظاهرة السّياسيّة كما هي عليها الحرب.

لا تكون الحرب الدّاخليّة، أي لا تبدأ الحرب الدّاخليّة، في مجتمع أو أمّة، إلّا كتطبيقٍ متطرّفٍ لمبدأ "الدّيموقراطيّة"، و ليس العكس كما يُشاع. و لنذكر، جميعاً، كيف بدأت مقدّمات هذه الحرب في (سورية)، و ذلك على رغم إيماننا بالدّور الخارجيّ في الحرب، و لكنْ الذي نعتبره دوراً لازماً، دوماً، في عالمنا المعاصر، بشرط وجود الكفايات "الدّاخليّة" لهذه الحرب.

هذه قضيّة أثيرة في تاريخ الفكر السّياسيّ الحديث و المعاصر.

يقول (مونتسكيو) (1689- 1775م): "عندما يصبح النّاس في مجتمع يفقدون حسَّ ضَعفِهم، و تزول المساواة التي كانت بينهم، و تبدأ حال الحرب" (المصدر. ص16).

و الحرب الذي يقصدها (مونتسكيو)، هنا، ليست الصّراعات المسلّحة، بالتّأكيد، و لكنّها "الحرب" بوصفها ذلك "التّرف" (البطر) الذي يغزو الحذر الاجتماعيّ في تبادل العلاقات و الأماكن الاجتماعيّة و اقتصاد القيم الاستعماليّة و التّبادليّة، و الرّخاء الشّعوريّ و توظيف "الفائض" في الهيمنة و التّسلّط الفطريّ عند الأشخاص؛ و ذلك ما إن يُحسّ النّاس بفائض قوّتهم التي ازداد ادّخارها، و أصبح هذا "الادّخار" يتطلّب "توظيفاً" جديداً معبّراً عن كمونها، بحيث لا يتمّ هذا "الوضع" إلّا عندما و حيثما "يفقد النّاس إحساسهم بضعفهم"، حيث أنّ "الشّيءَ" لا يكون، فعلاً، إلّا بتعبيراته التّخارجيّة، و "القوّة"، هنا، هي المثال على هذا الشّيء.

هذه ليست دعوة جديدة إلى التّضييق على "التّعبير"..، و لكنّها دعوة إلى إنقاذ "الدّيموقراطيّة"، نفسها من نفسها، في سلوك المجتمعات و القوى غير المقوّاة بالفهم و الإدراك و بشروط التّعبير السّياسيّ الآمنة الّلازمة و المتمثّلة بتجاوز الحدّ الأدنى من توقّعات الارتداد.

فمسألة توحّش قوى اجتماعيّة (أو جمعيّة، بالأحرى)، بعينها، هي مسألة تتجاوز "الاجتماعيّ" إلى "السّياسيّ" (و هنا، العُنفيّ!)، بحيث نستطيع أن نربط هذه المفصليّة بما قلناه على تفسير "السّياسيّ" بِ"الاجتماعيّ"؛
و أمّا عن تفسير "الاجتماعيّ" بِ"السّياسيّ"، فلقد أوضحناه أعلاه، في "مشكلة الدّيموقراطيّة"؛

فالدّيموقراطيّة الاجتماعيّة، و لو بأبسط أشكالها، و في جميع ظروفها المكانيّة و الزّمانيّة في التّاريخ، هي إقحامٌ للسّياسيّ في "الاجتماعيّ" الذي لا يمكن له أن يتجاوز شروطه القبَليّة و البربريّة الخالصة، تلك المرتبطة بجينالوجيا الفطرة؛

و قد عاصرنا، نحن، في هذه "الحرب" من الشّواهد ما يكفي لتأكيد هذه القناعة و هذه الحقيقة العمليّة.

و لتحديدٍ أكثر في مسألة "فساد الدّيموقراطيّة"، تعالَوا نستمع إلى "شيخ التّنوير" و حكيمه الأبرز (مونتسكيو)، ماذا يقول:

"لا يَفسُدُ مبدأ الدّيموقراطيّة بِضَيَاع روح المساواة فقط، بل يَفسُدُ بالإفراط في انتحال مبدأ المساواة أيضاً، و ذلك لأنّ كلّ واحدٍ يُريدُ أن يسَاويَ من اختاره ليتولّى أمره؛ و بما أنّ الشّعب لا يُطيقُ بذلك ما يُفوّضُهُ من السّلطة فإنّه يَوَدُّ أن يصنع كلّ شيء بنفسه و أن يتشاورَ عن السُّنَّاتِ و أن يُنفِّذَ عن الحكّامِ و أن يُجرِّدَ جميع القُضاة".

[المصدر. ص(166)].

إنّ شيوع أيّ مبدأ من مبادئ "الدّيموقراطيّة السّياسيّة" ليس هو الذي يؤدّي، إذاً، إلى "الفوضى"، و إنّما العلّة في ذلك هي انتشار مفاهيم "الدّيموقراطيّة الاجتماعيّة" في استخدام القوى الجماعيّة أو الفرديّة خارج إطار "النّظام". إنّه الوهم الجماعيّ أو الاجتماعيّ الذي يمهّد للحروب النّاجمة عن تصادم شرعيّة السّياسة مع شرعيّة أو "شرعيّات" الاجتماع.

و كأمثلة على "الدّيموقراطيّات الاجتماعيّة"، ما يدور في أروقة التربية و التّعليم و التّعليم العالي الرّسميّة و ما يدور في المؤسّسات الأهليّة و الدّينيّة، و بؤر الجريمة التي تعيش في "الظّلام"، من إعادة إحياء سُننِ "السّلطات" الاجتماعيّة المستبدّة الفارطة كبديل للتّنظيم الاجتماعيّ السّياسيّ التي تتولّاه الدّولة..، إلخ.

أمّا كأمثلة على "الدّيموقراطيّات السّياسيّة"، فهو ما يُتاح لمؤسّسات المجتمع المدنيّ، عند نضوجها، من ممارسات تقويميّة لأعمال الحكومة المتعلّقة بالأداء الاقتصاديّ و الماليّ و الإداريّ و الخدماتيّ..، و ترسّخ مفهومٍ سياسيّ معاصرٍ للمعارضة..، إلخ.

و على عكس ما يُشاع و يُفهم، فإنّ "الغرب الدّيموقراطيّ" نجح في تنظيم مجتمعاته وفق ما تقتضيه أصول "السّلطة" الجائرة في جوهرها و القائمة على تهميش المجتمعات و تدجينها تدجيناً معاصراً، بفضل ما منحته "السّلطات" في الغرب من "ديموقراطيّات سياسيّة"، و أعني محضَ شكليّة، بالقدر الذي اخترقت فيه تلك "السّلطات"، جوهر العلاقات الاجتماعيّة و الاجتماع حتّى أحالته إلى مجرّد أرقامٍ و آلاتٍ، تستهلك بوفرة ما تنهبه أممها من شعوب العالم الفقيرة، حيث استطاعت سلطات رأس المال الإمبرياليّة في العالم المتقدّم أن تُلغي جميع مظاهر "الدّيموقراطيّات الاجتماعيّة" و تحافظ للأشخاص على بدائل هزيلة من الدّيموقراطيّات و الحرّيّات "الشّخصيّة" (و لا أقول الخاصّة)، لتجترّها تلك الشّعوب بأفرادها التي أحالتهم إلى سذاجات أبديّة.

لا يخفى على كلّ قارئ نبيه أنّ هذا الواقع "الغربيّ" الذي لا تمكن مقارنته بظروفنا العالميّة "الطّرفيّة"، كدول تنمو ببطء، يجب أن يُغلق أفواه جميع من يعربد، بيننا، بالدّيموقراطيّات و الحرّيّات التي يُريدونها على قدّ هذا التّفصيل المزيّف.

إنّ الطّريق الأسلم للتّصنيفات السّياسيّة المعتبرة وفق رائد "علم الاجتماع" الحديث (ماكس فيبر)، هو الذي ينطلق، كما كرّرنا مراراً، هنا، على هذه الصّفحة، اعتباراً من "الفرد" الواحد "النّمطيّ" أو "النّموذجيّ"، و الذي يختزل فيه "الثّقافة" بما هي محمولٌ اجتماعيّ في هيئة "حيّة" من لحم و دم و عواطف و آليّاتٍ للشّعور و السّلوك، تختصر جملة من صفات "النّمط" الاجتماعيّ كمادّة للدّرس و التّحليل و التّعميم؛

و هذا الأمر هو ما يُشبه الحال كما هو في تحليل "وحدة البضاعة" (السّلعة) عن (ماركس) و التي استنتج من خلال آليّاتها جميع قوانين أسلوب الإنتاج الرّأسماليّ.
هكذا أصبح ما قصدناه من تحليل "الاجتماعيّ" بواسطة السّياسيّ أمراً مفهوماً، و أصبح قصدنا من تحليل "السّياسيّ" بواسطة "الاجتماعيّ" أمراً أكثر وضوحاً، كما يجب أن يكون.

لسنا، كما غيرنا، في وارد إثبات أنّ مجتمعاتنا و أطر تنظيمها "السّياسيّ" إنّما يقوم على أسس متخلّفة و تقليديّة؛ ففي هذه "الظّروف" التي نمرّ فيها فإنّ طبيعة و أسلوب التّقويم، بالذّات، يجب أن يكون أكثر جدّيّة ممّا كان و ممّا هو حاصل حتّى اليوم.

أبعد من هذا، فإنّ للبعض آراءً أكثر صراحة و أشدّ حزماً في مسألة قراءة "السّياسيّ" في "الاجتماعيّ"، أو في تعليل "السّياسيّ" بِ"الاجتماعيّ"؛

و نحن هنا أمام نصّ هامّ و معتبَرٍ و نموذجيّ:

"عندما تخضع الأنظمة التّقليديّة لاختبار حقيقيّ، فإنّ الوضع الرّاهن يتطلّب، و بسبب هذه العلاقات، نظرة جديدة و أكثر قساوةً في نقدها. و تتجاوز المقارنة دراسة تنوّع و ولادة الأشكال السّياسيّة، لتُطرحَ مسألة ارتباطها المعمّم، بتناقضاتها و نزعتها العدائيّة، و تكيّفاتها و تبدّلاتها".

[جورج بالانديه. الأنثروبولوجيا السّياسيّة. ترجمة علي المصري. المؤسّسة الجامعيّة للدّراسات و النّشر و التّوزيع. بيروت. الطّبعة الثّانية- 2007م. ص(20)].

في السّياق السّابق، عَمِلْنا على توضيح نسقيّات علاقة "الاجتماعيّ" بِ"السّياسيّ" من جهة كيفيّة العبور المتبادل بين الفضاءات التّحليليّة، للعلل المتخادمة بين المكوّنين الأساسيين للدّولة و المجتمع.

تكفل لنا هذه النظريّة التّحليليّة الوصول إلى "مجتمعٍ" و مؤسّسات حكوميّة إحصائيّة، و أعني مكوّناتٍ قابلةً للإحصاء، بما هو الإحصاء أساسُ و جوهر التّحليل الرّاهن للدّراسات المستقبليّة التي تهدف إلى العلاج و الوقاية في وقت واحد.

إنّ "المكوّنات" التي نتحدّث عليها، ليست، و لا بحالٍ، مكوّنات بسيطة أو شفّافة، و إنّما هي مكوّنات مركّبة و معقّدة، و هذا هو سرّ الاختلاطات التي تقع فيها الوصفات السّياسيّة التّقليديّة التي تفترضُ في "المنظومة" الاجتماعيّة و "المنظومة" السّياسيّة وضوحاً، هو أقرب إلى الشّفافيّات المزيّفة و التي أصبحت، بفضل وسائل التّخفّي المعاصرة, قادرة على تعميم الخطاب المتناقض مع معتقداتها في "النّصوص".

إنّني أعني، هنا، بالنّصوص جميع أشكال "الثّوابت" الاستراتيجيّة المكتوبة منها و الاعتقاديّة العُرفيّة التي تتخفّى في أعماقها "السّلطات" الاجتماعيّة المناهضة للدّولة الوطنيّة الحديثة و المعاصرة.

تُعنى "الأنثروبولوجيا السّياسيّة" [وفق (بالانديه). المصدرالسّابق] بالأمور السّياسيّة "المستغربة" و "الهجينة" و التي لم يكن لها تفسير نمطيّ و معروف.

و ينطبق هذا التّصوّر، أكثر ما ينطبق، بصدد دراسة المجتمعات و النّظم التي استعصى فيها التّاريخ الماضي و منعها من تجاوز عقباتها نحو التّحديث. غير أنّ "الظّواهر" الخارقة للمألوف، و التي كانت إلى درجة أو أخرى، موضوعاً للاستغراب و الهُجْنَةِ، لا تعود كذلك عندما تُرصد في تاريخيّتها و تاريخيّانيّتها في استحالات حديثة و معاصرة، و مقارِنة لقواها و ركائزها الاجتماعيّة و الثّقافيّة و السّياسيّة و الماليّة و "الحكوميّة"، و أنشطتها الأهليّة أيضاً.

هذا هو ببساطة موضوع دراسة "الأنثروبولوجيا" السّياسيّة المعاصرة، و هذا هو ما تعمل عليه، بالإحصاء و الدّراسة المتأنّية و التّحليل و استنباط الخطط، في كلّ أنحاء العالم، أقوى أجهزة المعرفة و الاستخبارات الأمنيّة الدّوليّة.

تعكف "الأنثروبولوجيا السّياسيّة" على دراساتٍ في مسح شامل لجميع مكوّنات الفرد الاجتماعيّ و الأسرة و المجتمع، بجماعاته و قواه و سلطاته و ميوله و احتمالات و انحرافات التّغيّر و التّبدّل و التّحوير للعيّنات المستهدفة بالإحصاء، اعتباراً من شكل السّحنة و طبيعة البنية الشّخصيّة الفرديّة و الصّحيّة و الخصائص المورفولوجيّة و السّيكولوجيّة و العادات و الطّقوس و التّقاليد و القابليّات و الأمراض الشّائعة و الأكثر شيوعاً و معدّل الأعمار و المكوّنات الثّقافيّة و الحالة الاقتصاديّة و أشكالالعقائد و ممارسات الأديان، و العلاقات النّاشئة في ظلّ جميع هذه الظّروف ما بين الأفراد المختلفين؛

لتنتهي بدراسات إحصائيّة، بالاشتراك مع "علم الاجتماع"بأقسامه المتعدّدة، إلى وضع و طبيعة و كميّة التّأطير و التّبادل "السّياسيّ" (الحزبيّ و النّقابيّ) بين الأفراد و المكوّنات الاجتماعيّة، من جهة، و بين كميّة و تأثير التّمثيل السّياسيّ في الاتّجاهات السّياسيّة الأساسيّة و الغالبة في "الحكومة"، لهذا الواقع الاجتماعيّ و قواه الجذريّة و السّطحيّة المختلفة، من جهة أخرى.

أمام هذه الصّورة يُفترضُ بالقرار السّياسيّ (الحكوميّ) - و هذا ما تعمل عليه الدّول "المستقرّة" - أن يكونَ مرهوناً بأهم نتائج هذه الإحصائيّات، و بخاصّة منها تلك النّتائج الأكثر مَسَّاً بالوقائع المقارَنة و بالعيّنات الدّرسيّة الأرشيفيّة المتراكمة، وصولاً إلى تجاوز سطحيّة الظّواهر الاجتماعيّة، أو تلك التي تتمكّن من أن تُبدي سطحيّة مزيّفة، ليكون جميع ذلك مفسّراً للظّاهرة السّياسيّة، و ليكون قادراً على تعليل القرار السّياسيّ في مراحله التّمهيديّة فيما قبل الشّروع باتّخاذه.

لا نتحدّث من فراغ عندما نقوم بهذا التّنظير. و يكتسي تنظيرٌ مثل هذا أهمّيّته القصوى في ظروف الفوضى التي يبديها المجتمع في الأزمات العميقة و المزمنة و الشّاملة، كما في تلك الظّروف الطّبيعيّة التي تُحيط بِ"النّظام" في مؤسّساته الرّئيسيّة و الأهم؛ على أنّ مثل تلك الدّراسات هي من صلب أعمال الحكومة السّياسيّة في الأوقات و الظّروف العاديّة، أيضاً، أو يجب كذلك أن تكون.

من المفيد جدّاً بالنّسبة إلى القرار السّياسيّ الحكوميّ تتبّع سيرورات التّحوّلات أو الاستحالات المتوقّعة، أيضاً، عندما تتشابه، أو تُشْتَبَهُ، معطيات الّلحظة الاجتماعيّة بالنّسبة إلى أمر مصيريّ يتعلّق بمستقبل تغيير سياسيّ، أو اقتصاديّ، عندما يكون المخطّط من البدائل أكثر أو أقلّ ممّا هو منجز من التّصنيفات المتشابهة التي ينعقد عليها الاختيار، بحيث يكون من المحتّم العمل على اكتشاف و تحديد الدّيناميّات الاجتماعيّة، المتوقّع أن تشكّل جزءاً جوهريّاً من العمليّة السّياسيّة موضوع الغرض، المؤدّي إلى أهداف جديدة و غير مسبوقة في تطوّرات المعطيات الجديد المعبّرة عن التّغيير.

إنّ المثال الأوضح على هذه الفكرة هو في الحالة التي يكون فيها مفروضاً على "السّياسيّ"، أن يُحدّد الميول الاجتماعيّة الخاصّة التي تدعم قراراً سياسيّاً استراتيجيّاً ذا تأثيرات اجتماعيّة و اقتصاديّة عميقة، كفيلة بأن تترك أثراً أو آثاراً مباشرة على المنحنى البيانيّ للتّكوين الاجتماعيّ، الدّاعم للقرار السّياسيّ التّالي؛ حيث أنّه يكون ضروريّاً التّفريق بين العيّنة القياسيّة العشوائيّة المتبدّلة، بطبيعتها، و غير المعبّرة فعلاً عن توجيه الحاجات الاجتماعيّة.. و بين العيّنة النّظاميّة الشّاملة للقوى الاجتماعيّة نفسها، للتّعبير عن أفضل ما يناسب مستقبل "الاجتماع" و قوّة قاعدة الدّولة في المجتمع، و مناعتها المنتظرة إزاء الظّرف المشروط بالمشاركة العالميّة عندما ستكون هذه المشروطيّة أكيدة في المستقبل و لو أنّها غير واضحة المعالم في الحاضر.

إنّ أفضل تشخيص مباشر على هذا "المثال" هو عندما يكون الأمر متعلّقاً بالتّداخل السّياسيّ الجراحيّ، لتصويب اتّجاهات منحرفة في الأخلاق المسلكيّة في الوظيفة العامّة، عندما تُسمح الأخلاق السّياسيّة بذلك - و هي يجب أن تسمح! - و عندما، أيضاً، يكون الانحراف المسلكيّ قد تجاوز العتبات الأخلاقيّة العمليّة في "الواقعيّة السّياسيّة"، التي تأخذ درجة تطوّر المجتمع، تطوّر الجماعات و الأفراد و ممثّلي الدّيناميّات الرّئيسيّة في قوّة العمل الاجتماعيّ، بعين الاعتبار، و لكن بشرط أن لا يُشكّل "الاجتماعيّ"، أبداً، أمراً واقعاً يفرض نفسه على "السّياسيّ".

من الطّبيعي، هنا، أنّني لا أعني بِ"السّياسيّ" الشّخصَ السّياسيّ، إذ ربّما يكون هذا الشّخص أوّل من يحقّ عليه "التّصويب"؛ و لكنّني أعني بِ"السّياسيّ"، على طول خطّ الحديث- كما ينبغي للقارئ أن يكون على دراية - "العاملَ السّياسيّ" أو "المكوّن السّياسيّ" المجرّد و الذي يجد "تعيّناته" في "القرار السّياسيّ" السّياديّ الأخير الذي يُشارك، أخيراً، في صناعة و تحويل "الاجتماعيّ" بالمعنى نفسه الذي قلناه على "السّياسيّ".

تبدو العلاقة بين "الاجتماعيّ" و "السّياسيّ" علاقة استراتيجيّة على مستوى أمن الدّولة الحاضر الشّامل و المستقبليّ.

و غنيّ عن البيان في أهمّيّة تلك "العلاقة"، أنّها ترهن لها مفهوم "الأمن" في "النّظام" رهناً شارطاً كلّيّاً، حيث يجري "الأمن" مجرى متنوّعاً و شاملاً من الأمن الوجوديّ إلى الأمن العسكريّ إلى الأمن الدَّوْليّ (أو الدَّوْلتيّ، من دَولَة) إلى الأمن التّربويّ إلى الأمن الإعلاميّ إلى الأمن الثّقافيّ إلى الأمن الدّينيّ و العَقَديّ إلى الأمن الاقتصاديّ إلى الأمن الغذائيّ إلى الأمن الصّحيّ إلى الأمن الفكريّ إلى الأمن العقليّ إلى الأمن الصّناعيّ و التّجاريّ و الخِدميّ، و ذلك ليس نهايةً بالأمن الرّوحيّ و الجماليّ، إذ يشتمل الأمن العامّ للدّول، أكثر من كلّ ذلك في تفاصيل تبدو مفهومة و معلومة للقارئ النّقديّ الحصيف.

من الطّبيعيّ أنّه لا توجد وَصْفَةٌ جاهزة على علاقة "الاجتماعيّ" بِ"السّياسيّ" في منهج واحدٍ أو في مناهج متعدّدة؛ و لكنّ فهم آليّة التّفسير المتبادل، و التّسويغ المتبادل، لهذا بذاك، و العكس؛ هي المسألة التي يجب على "الفكر السّياسيّ" و على "العمل السّياسيّ"، نقدها و متابعتها و العمل عليها، باستمرار.

ربّما يبدو الأمر أنّه ينبغي أن يُناط بمراكز بحثيّة مقارِنة و متخصّصة؛ و هذا، بالفعل، جزءٌ لازم من المهمّة. و إنّما تكمن الكفاية في هذا "العمل" المسؤول، في توفّر الكادر القادر، بحكم علومه و ثقافته و معرفته و اطّلاعه و تجربته و خبرته، على اقتراح الافتراقات التّنظيريّة الفكريّة الأولى و الحاسمة في هذه المهمّة المركّبة.

و من الطّبيعيّ أن نقول إنّنا نفتقد، في (سورية)، حتّى اليوم، هذه المكوّنات البشريّة في الأنماط الدّعيّة من البحّاثة و "المختصّين"(!)؛ بينما ينتظر "الواقع العمليّ" النّماذج الحيّة القادرة على هذه "المهّمة" و التي هي نماذج متوفّرة، بالتّاكيد، و لو في الزّوايا و الأركان المهمّشة خارج العمليّة المعرفيّة الّلازمة، هذه العمليّة التي ما تزال، هي، نفسها، فكرة مجرّدة في أذهان البعض المغمورين بسبب ذلك الخلل الجوهريّ، الذي قلناه، ضمناً، في العلاقة الشّرطيّة بين "السّياسيّ" و "الاجتماعيّ".

في بداية هذا الحديث و في تفاصيله، تطرّقنا إلى الحِذر من تقليد التّقاليد المجرّبة هنا و هناك، في العالم الحديث و المعاصر، في نظريّاته الشّهيرة أو الأكثر شهرة على مستوى الأنظمة العالميّة المختلفة، في فهم و تحديد الرّابط "الإداريّ" و "التّنمويّ" بين الاجتماعيّ" و "السّياسيّ"، أو العكس.
و كنّا، بالتّالي، قد حذّرنا من مغبّة اتّباع الخطط و الوصفات الجاهزة التي قد تغري بعض "الأكاديميين" المحدودين، و "المسؤولين" في مزايداتهم السّياسيّة و التي قد توحي بسعة الاطّلاع و التّجربة و الخبرة.

و ليس هناك، بالمرّة، تكمن الطّرق المعرفيّة الكفيلة بتجاوز الاستعصاءات الحداثيّة و الحضاريّة، في بنية "النّظام العامّ"، التي أثبتت واقعنا، في (سورية)، أنّها أحالت و تُحيلُ كلّ محاولات التّنظيم و التّحديث و التّطوير إلى هشيمٍ محترق؛ حيث ألهبتْها "الحرب"، قياسيّاً، بسهولة و سرعة لم تكن متوقّعة - ربّما- مع أنّها كانت متوقّعة وَإِنْ لم يكن بهذا الحجم..!
و جميعنا قد شهد، في هذه الحرب، ضعف "الرّابطة" الوطنيّة بين "رأس المال" و "الخبرات" و "قوى العمل" و "قوى الإنتاج"و "درجة الثّقافة" السّياسيّة، و "المثقّفين"، بخاصّة، من جهة؛ و بينالواجبات "التّاريخيّة" و "الوطنيّة" التي كانت في أمسّ الحاجة إلى صيغة مختلفة من هذه العلاقة، من جهة أخرى.

إنّني، إذاً، أتحدّث، هنا، على "الرّابطة الوطنيّة" التي تميّز "الهويّة" الاجتماعيّة و السّياسيّة المعاصرة، في العالم، و التي هي نتاج مفاعيل واقعيّة، ملموسة و أوّليّة من "الثّقة" المتبادلة بين "الاجتماعيّ" و السّياسيّ"..، و بين "السّياسيّ" و "الاجتماعيّ"، أوّلاً و قبل كلّ الأشياء الأخرى التي تأتي ثانياً في التّرتيب..!؟

عندما تمرّ الأوطان في فاقات "سياسيّة" و "اجتماعيّة" و "اقتصاديّة" و "أخلاقيّة"..، إلخ؛ كما هو الأمر عليه عندنا، في ظروف الحرب على (سورية)؛ يكون من الواجب البحث على تفعيل "رأس المال" الرّمزيّ، هذا الذي لا يتأثّر، بالسّوقِ..، بالدّرجة التي يطبع تأثيرها (الحرب و ظروف الحرب) مختلف أصناف رؤوس الأموال الأخرى، الماليّة و الاقتصاديّة و البشريّة و العلميّة و التّكنولوجيّة..، و ما إليها؛

على أنّ "رأس المال الرّمزيّ" يرتبط ارتباطاً نسبيّاً بتلك الأشكال الأخرى من "رأس المال"، و يبقى على الرّغم من ذلك، مستقلّاً و مقتَصَداً و جامداً، ما لم ينصبّ العمل على تثميره و استثماره.

إنّ من أهمّ صنوف "رأس المال الرّمزيّ" تلك القوى التي تتململُ و تنتظر الإطلاق لاستعادة دورها الحضاريّ الوطنيّ، و التي استكانت، اليومَ، أمام كلّ هذا المدّ الأخلاقيّ العنيف و "المستحدَث" للقيمة و الشّرف و القدرة و الطّاقة و الحضور.

و من بين سائر صنوف "رأس المال الرّمزيّ"، تحتلّ "المعرفة" (لا الثّقافة) رأس القائمة الوفيرة من تلك الصّنوف، و لكنْ بشرط الانتباه إلى هذه "القائمة" التي تقاوم الهجرة و التّهجير.

و "المعرفة"، بما هي موطّنةٌ و متوطّنة في العقول و الخبرات الفلسفيّة و الفكريّة و العلميّة، هي تلك القدرة "العقليّة" التي تتجاوز المحفوظات المجرّبة في فشلها و عدم قابليّاتها للحياة و الممارسة و التّطبيق.

إنّ أوّل ما تُدركه "المعرفة"، هو أمر نسبويّة الظّروف الاجتماعيّة و السّياسيّة التي تهدّدها ثقافات الشّعارات و الخُطبِ الرّسميّة.

و ثاني ما تُدركه "المعرفة"، هو قدرتها على اكتشاف "العمليّ" في "المتشابهات" الثّقافيّة التي تعتمد على التّلقين و تلقّي التّلقين.

و ثالث هذه الإدراكات، العديدة و غير المحصورة، في الحقيقة، هو قدرتها على التّمييز بين "المعياريّ" و "الوجوديّ"، من دون أن تنزلق في وصفات الأخلاق الثّقافيّة المُمِضَّة و المقيتة و الفارغة و الكاذبة.

و إنّ "المعرفة"، هي، وحدها، الكفيلة بفهم مبدأ "الكفاية" في "الفضيلة"، من دون الوقوع في أوهام "المثاليّات" الكاذبة و الفارغة واقعيّاً، و ذلك من حيث أنّها (المعرفة) هي السّبيل العقليّ لتقطير "النّزاهة" في "العدالة" من دون الوقوع في مشتبهات العكس.

و "المعرفة"، هي، بحدّ ذاتها، أقصى "الخير الفلسفيّ" الذي تحتاجه "السّياسة" لضمان العدالات الاجتماعيّة، و التي ثبُتَ، حتّى الآن، أنّ "الثّقافة" تستثمرها في المشاريع الاستثماريّة الشّخصيّة و الخاصّة، و ربّما المرتبطة بالأجنبيّ و العدوّ، و تجاهل المواطن و الصّديق و الشّريك.

المعرفة بهذا المعنى هي سبيل و طريقة و عمل و سياسة و أخلاق!

بالعودة إلى منطلق هذا الحديث، يجب أن نكون على وضوح أكبر، الآن.

إنّ الظّرفيّة السّوريّة المعاصرة، نفرت و تنفر من كلّ نداء أخلاقيّ أو إرغاميّ أو ترهيبيّ أو ترغيبيّ، وحثّ على الامتثال.
هذه الفكرة لا تعني "الاجتماعيّ" بقدر ما تُصيب بواقعيّتها "السّياسيّ"، و ذلك على رغم أنّ "الاجتماعيّ" هو مسرحها و المطبِّق لها في احتفاليّات طقسيّة بدائيّة، في الحقيقة، فاجأت جميع أطر "الأخلاق" المتناضدة في تحديدات التّاريخ..
و لكنّها لا يمكن لها أن تفاجأ "المعرفة" لسبب بسيط جدّاً، و هو أنّ "المعرفة" لا تتعامل ظرفيّاً مع الوقائع و الظّواهر التّاريخيّة و الاجتماعيّة و السّياسيّة، كما "الثّقافة" تتعامل بهذه "المرضيّة" و "الانفعاليّة" و "الانحرافيّة" و "العاطفيّة" مع العالم.

و عندما نريد أن نبدأ بداية جديدة، و لو في طريقة التّفكير، فعلينا، أوّلاً، أن نهجر الوسائل التي جرّبناها و فشلنا بتحقيق أهدافنا عبرها أو بواسطتها..
و صار من الّلازم، إذاً، العودة إلى المبادئ الأساسيّة في "فلسفة السّياسة" - هذا الفضاء المهجور! - و التي تمدّنا بأسرار العلاقة ما بين "السّياسيّ" و "الاجتماعيّ"، كطريقة وحيدة للعلاقة ما بين "الاجتماعيّ" و "السّياسيّ"، هذه، الأخيرة، التي عانينا منها في فترة الحرب، كما في فترة ما قبل الحرب، سواءً بسواء.