د. بهجت سليمان: عن "النّصّ الثّقافيّ".. و "الخطاب السّياسيّ".. و "تناهي الخطاب فِيهِمَا".. و "محدوديّة المؤسّسة"

{الحلقة الرابعة والأربعون "44" من "سلسلة الفكر الإستراتيجي"}

[عن "النّصّ الثّقافيّ".. و "الخطاب السّياسيّ".. و "تناهي الخطاب فِيهِمَا".. و "محدوديّة المؤسّسة"]

* د. بهجت سليمان

عوّدتنا أغلب البحوث و الدّراسات السّطحيّة الصّادرة عن فلاسفة و مفكّرين و علماء اجتماع و أنثروبولوجيّين..، إلخ؛ على أنّ تبدأ مشاريعها في النّصوص، المشفوهة منها و المكتوبة، و التي تأتي، بخاصّة، على شكل "مناظرات" ثقافيّة أو دوريّات و حوليّات "تخصّصيّة"..، بداياتٍ "إعلانيّة" مثيرة تكون أصداؤها جاهزة في المخيال السّياسيّ "العموميّ" للوعي الجمعيّ، بهيئة "مستندات" ثقافيّة و نفسيّة و اجتماعيّة..
الذي يتألّف من ذاكرة أسوأ الأحداث البشريّة السّياسيّة التّاريخيّة المثيرة للفظاعات الحماسيّة الرّاسبة في الوعي الإنسانيّ، و للآلام البدائيّة التّقليديّة التي تحفّز الشّعور المعاصر على تقبّل "القبح" و ممارسته و إعادة إنتاجه بلا نضوب.

من أهمّ ما تفضّله تلك "المنطلقات" التّحريضيّة المشكوك في إخلاصها للإنسان، من مصطلحات، هي أشياء من قبيل صياغات عبثيّة و جامدة مثل "الهيمنة" و "السّيطرة" و "السّلطة" و "الظّلم".. و "الشّعوب" و "حقوق الإنسان" و "الحرّيّات".. و "الأطفال" و "الطّفولة" و "البراءة"..
و ما إلى ذلك من كلمات تختزن طاقتها الدّائمة على "التّحريض" المجرّد القابل لأن يستحيل في الكثير من مشاريع العنف، بحيث يكون هذا الوضع متوفّراً عند القارئ أو المتقبّل أو القابل، كخلفيّة محوريّة حول ما يُريده هؤلاء من أفكار مركزيّة يعملون على تثبيتها على تلك الدّعامات الأوّليّة من المصطلحات.

تُعدّ هذه "الاستراتيجيّة الخطابيّة" واقعاً مألوفاً، اليومَ، في الخطاب النّقديّ المعاصر الذي تجاوز "خطاب الحداثة" إلى تأويليّة نقديّة (هارمونيطيقيّة)، أصبح وعي الأفراد النّموذجيين؛ ناهيك عن أولاءالمشتغلين، أصلاً، بالنّظريّة النّقديّة، بحكم استراتيجيّاتهم المنظوميّة في التّأمل و التّفكير و إبداع و ابتكار تطوّر اختلافات النّصّ و الخطاب..
و أعني بهؤلاء المفكّرين و الفلاسفة و العلماء؛ أصبح ذلك الوعي يحتاجها كشرطٍ أوّليّ للاندماج في المنظومات الفكريّة النّقديّة التي عليها يتوقّف نقد "الأنساق" الثّقافيّة و "أنماط" المثقّفين من هواةٍ أو سياسيين و حتّى من ساسة في مواقع "السّلطة" و فضاءات التّأثير.

و إذا كان "الاختلاف" المعرفيّ الذي يُعوّل عليه في مجرى العقلانيّة العالميّة، في إنتاج النّصّ و الخطاب، سوف يظهرُ، حتماً، في المستقبل الوضعيّ الجديد الوشيك للأثر موضوع الممارسة النّظريّة النّقديّة في القراءة و التّأويل و التّفسير؛ و التي هي على الحصر ماأسمّيها "القراءة" بأل التّعريف؛ فإنّ "العلامات" الأوّليّة من مُفتَتِحات (أو افتتاحيّات) كلّ نصّ أو خطاب، لا يمكن أن تتجزّأ، كمفرداتٍ، عن جسم "الأثر"؛

و مثال ذلك كأنّنا ننتج الأثر ذاته عندما نقول في صياغة "القانون الوضعيّ" أو "العقد القانونيّ".. "تعتبر مقدّمة هذا العقد (أو هذا القانون)، مع "الأسباب الموجبة"، جزءاً لا يتجزّأ عن موادّ هذا العقد (أو من موادّ هذا القانون)"؛
أو - و هذا متداول، أيضاً، في الاتّفاقات و المعاهدات الدّبلوماسيّة الدّوليّة - عندما نقول في النّصّ على ذلك.. "تعتبر المذّكّرة الإيضاحيّة و وثيقة الأسباب الموجبة، جزءاً جوهريّاً من مواد و بنود هذه الإتّفاقيّة ("أو المعاهدة")"..

فالعلامة المفتاحيّة هي الجزء المعرفيّ المبدئيّ للثّقافة، على اعتبار أنّ "الثّقافة" خطابٌ يتجاوز النّصّ الذي نعتقد أنّه قد أنتج الثّقافة.

و على هذا التّأسيس، فإنّ دور "المؤسّسة"، اجتماعيّة كانت أو سياسيّة، في "إنتاج" الخطاب السّياسيّ، إنّما يبدأ، و قبل أيّ اعتبار، انطلاقاً من المفتاحيّة الخطابيّة في "النّصّ الثّقافيّ".

و على أنّ "الدّولة" هي "مؤسّسة" أو مجموعة من المؤسّسات ، فإنّ الحريّ بنظريّة ثقافيّة نقديّة على "الدّولة" أن تبدأ، أوّلاً، من المنطلق الاعتباريّ و العِباريّ المبدئيّ، و هو الذي يكمن في "المؤسّسة" الواحدة المحدودة، للدّولة، التي ستأسِّس، هي بالضّبط، لمستقبل الخطاب السّياسيّ الكامن، بِتَوارٍ، على الأقلّ، في "النّصّ الثّقافيّ".

إنّ "النّصّ الثّقافيّ" صيغة اصطلاحيّة واسعة في إنتاجها للخطاب السّياسيّ؛ و هي تبدأ من مفردة الفردِ الواحدِ ، في مجال التّأثير، و محيط البنية المؤسّسيّة، و تمرّ بمراحل بسيطة جدّاً كأحاديث المسامرات و "الّلغوِ" و "التّندّر" و "الهَزْل" و "السّخرية" و المجاملات ، إلى أن تنتهي في بنياتها معقدّة التّركيب في مواقع الأمر و النّهي و "السّلطات" المختلفة و أدوات السّيطرة و التّرهيب و التّرغيب، بكلّ مؤيّداتها المؤسّسيّة و مرجعيّاتها القانونيّة و التّربويّة و الإداريّة و الأخلاقيّة التي لا يمكن حصرها في واقع الأمر.

و لا يُطرح السّؤال التّاريخيّ المتعلّق بالعقل الإنسانيّ، على العموم، إلّا في المرحلة التي تكون قد اكتنزت بنضوجها و تفاقمت بكثافتها، و صار لزاماً على العقل الواقعيّ أن يتحرّى له الجواب و الحلول.

و السّؤال، مدار هذا الحديث، هو كيف للدّولة كمؤسّسة أن تتجاوز محدوديّتها في النّصّ الثّقافيّ من أجل انتشار أوسع و أضمن و أقوى و أشمل، اجتماعيّ و سياسيّ في "الخطاب"؟ و هكذا كأنّنا نسأل أو نتساءل كيف للدّولة ، كمؤسّسةٍ تريد أن تكون "دولة"، أن تستطيع ذلك فتكون "الدّولة"؟

لقد تحدّد الحديث، "ميكانيكيّاً" (آليّاً)، إذاً، بتحليلِ "ديناميّات" (فاعليّات و فعّاليّات) "الثّقافة" في استحالاتها السّياسيّة، انطلاقاً من حقول "النّصّ" و إلى فضاءات "الخطاب"، بحيث نكون قادرين على إنتاج الخطاب الاجتماعيّ الذي يقطع الطّريق على "التّحريض" الخطابيّ المبثوث في "النّصوص"، تلك التي تصنع العنف الاجتماعيّ المُبيّت من أجل مشاريع "العنف السّياسيّ".

يُملي علينا ما تقدّم أن نعود إلى أصل أو أصول هذه "الحرب السّوريّة"، باستمرار، و هذا هو أقلّ ما يجب علينا أن نبادلَ فيه، من جدّيّة و إخلاص و تعاطف و عطف آدميّ..، احترامنا، لتلك الآلام و الويلات الاجتماعيّة التي تركت من الآثار ما لا يمكن تصوّره إلّا في نتائجه المتوالية إلى مستقبل بعيد.

إنّ الشّعوب و المجتمعات و الدّول و الأفراد التي لا تتّعظ بالمآثر الكبيرة و الصّغيرة، إنّما هي، جميعها، أَوْلَى بها الاندثار.

و على أساس الكيفيّة التي كيّفنا بها مفهوم "النّصّ" و "الخطاب" و الأشكال المختلفة المؤدّية إليهما، في بداية هذا الحديث، فإنّ علينا أن ننظرّ بجدّيّة إلى "مفتاحيّات" هذه "الحرب"؛

و على الأساس نفسه، نرى ما إذا كانت هنالك حلول أو أجوبة أو إمكانيّات واقعيّة بديلة و "سريعة" أو استراتيجيّة لمعالجة تلك الوقائع و "الأسباب".

تعوّدنا فيما سبق من أحاديث، هنا، أن نستعمل لغة عموميّة و تعبيريّات رمزيّة على العالم و المجتمع و التّاريخ و الدّين و الفئة و الطّبقة و العنصر...، إلخ؛
و لكنّنا علينا أن نتحوّل بالّلغة، الآن، إلى المصطلحات المباشرة و "العبارات" الدّالّة "دلالة قطعيّة" (كما يقول المتفقّهون المزعومون) على ما نراه أصلاً و فرعاً في الأسباب "الدّاخليّة"، أو من الأسباب الدّاخليّة، لحرب هذا القرن..

تعود بنا الذّاكرة، مباشرة، إلى شتاء سنة (2011م) المحفور في التّاريخ، إلى "التّلفزيون" و "المظاهرة" "البضعيّة" و شبه الفرديّة و المفتعلة بقيادة تلك "المحجّىة"..، ثم تعود بنا الذّاكرة، ثانياً، إلى "أطفال درعا"..، ثم إلى ثورات "الجوامع"، و من ثمّ إلى السّلاح و ثورات "العامّة" و "عموميّات" الشّعب...، نهاية بما عشناه و نعيشه من جريمة منظّمة إلى هذه الّلحظة..

و هذا تاريخ محفور في وجدانيّات الأرض و السّماء و لا يمكن لأحد تجاهله.
إذا كان الأمر في "الواقع" اليوميّ على النّحو الذي قلناه، فإنّه في حقيقة الواقع، علينا صياغته صياغة أخرى، عمليّة، ليكون ممكناً أن يخضع للتّحليل "الثّقافيّ" و "السّياسيّ"، و النّظريّ النّقديّ على الأخصّ.

نحن، إذاً، أمام فئة من "العبارات النّصّيّة" الواقعيّة التي يكمن مفعولها في "الخطاب"، بحيث نؤلّفها، من جديد، تأليفاً نقديّاً، فنقول إنّ "البدايات" كانت، و بوجه خاصّ، في "الإعلام" و "الدّين" (أو المعتقد في أثره الاجتماعيّ) و "الجملة الإنسانيّة" التي تتلاعب بالعواطف، ثمّ في "الثّقافة" السّياسيّة الاجتماعيّة (أو الجماعيّة أو الجمعيّة) المكتنزة تاريخيّاً بشحنة الكراهيّة و طاقة العنف، و أخيراً في الممارسات المتطابقة مع جميع ما تقدّم.

هذا، بتكثيف شديد، هو مظهر "الدّلالة" الواقعيّة الذي ينطوي على ما نسمّيه، بالمصطلح العِباريّ النّقديّ، بِـ"الدّال".

في منظومات "الدّلالة" المركّبة، يجب على الفكر أن يستجيب فقط لمتطلّباتها في التّفسير و التّعبير، و دون أن يلتفتَ، أبداً، إلى تلك المحرّمات المانعة من "التّدليل" - و الواقعة في "جمل" جاهزة - بسبب "التّابوات" السّياسيّة أو الأخلاقيّة أو الاجتماعيّة أو الدّينيّة...، إلخ..على اعتبارها، جميعها، محرّمات مزيّفة لم تنزل في كتاب مقدّس!

من الغلط الاستراتيجيّ أن تفكّر بطريقة تفكير خصمك أو عدوّك ؛و الصّحيح هو أن تفكّر، نقديّاً، بطريقة تُبطل فيها، إن أمكن، استراتيجيّات تفكير "الآخر"..، و لو كان "التّاكتيك" (الوسائل و الأدوات العمليّة و الجُمَل المقطعيّة) متشارطاً، غالباً، بالتّماثل أو بما يتفوّق، بالدّرجة، في الطّبيعة نفسها التي تمكّنك من الاستراتيجيّات المضادّة..

و هذا يعني ليس أن تتجاهل ما توحي به الاستراتيجيّات المواجهة، بل أن تعمل على تمثّلها تمثّلاً نقديّاً، عقلانيّاً، بأخذها بالاعتبار و تفنيدها في مشاريع استراتيجيّة بديلة، و لكن أيضاً في "الفضاء" ذاته لمشروع الخصم (أو العدو) و في "الحقول" ذاتها و بأهداف نقديّة و نقضيّة، و ليس بتجاهلها بذريعة عدم الّلجوء إلى "طريقة الخصم"..
و هذا ما تقع فيه، عادة، السّياسات "الوطنيّة" السّاذجة أو غير السّاذجة و أعني تلك التي تعي أنّ في هذا "السّلوك" التّرفعيّ و "النّزيه"(!) إنّما يكمن فرصٌ أخرى مُزيّدة للعدو لممارسة حرّيّاته المدمّرة للمجتمع، من دون أن يكون ثمّة ما يُواجِهُ في هذا "التّدمير"، من "تصرّف" ضروريّ من أجل مواجهة فعليّة و عمليّة و واقعيّة و قادرة على تفريغ الّلغة التّخريبيّة تفريغاً بالنّوع و الجنس و المكان و الزّمان، كبدائلَ عينيّةٍ من وقائع جدّيّة.

على هذا الأساس، فعلى حديثنا أن يتّبع الخطة التّبسيطيّة التي تساهم في التّعريف المقارب، فنواصل الرّبط لمكوّنات "العبارة" و تجسّدها في الواقع ، متقيّدين بحقيقةٍ واحدة و هي كيف انتقلت "الحرب"، بواسطة "الجُمل" المترابطة في ما بينها، و ذلك اعتباراً من "الثّقافة" المكرّسة في "النّصّ" و جُمله و مقطوعاته، إلى "المؤسّسة"، ثمّ إلى "الخطاب الثّقافيّ" الذي قام بثني "المؤسّسة"، نفسها، في تضاعيفه، و إلى "الخطاب السّياسيّ" الذي أفضى إلى "الحرب"..
ثمّ، و أخيراً، إلى التّعبيريّة الأخيرة التي سيتبيّن لنا فيها كيف تكون "المؤسّسة"، نفسها، محدودة أمام "الخطاب" ما لم تكن "المؤسّسة"..، أو ما لم تتمكّن من اختراع "عبارتها" الواقعيّة لمواجهة "عبارات الواقع".

دعونا، إذاً، نَعُدْ إلى "مفتاحيّات" الحرب التي دشّنت هذه "الكارثة"، كما صنّفناها، على التّوالي، أعلاه، و لو بترتيبٍ عمليّ جديد، و ذلك بدءاً من "الجُملة الإنسانيّة"، العاطفيّة، إلى "الجملة الدّينيّة"، إلى شحن "الجملة الإعلاميّة" بتلك المضامين، فإلى "الجملة الثّقافيّة"، ثمّ إلى "المؤسّسة" الاجتماعيّة التي أنتجت العبارة" الجديدة..
مختتمين هذا التّسلسل بِ"الخطاب السّياسيّ" الذي تمكّن من منافسة الدّولة في "المؤسّسة"، مثبّتين، أخيراً، بعض "الملاحظات" و "المقترحات".

نحن، في الحقيقة، في سورية، أمام واقع فريد، تاريخيّاً، "يقول" هذا "الفرادة" بِـ"جُمَلٍ" راسخة متراصّة و متراصفة بكثافة التّأييد الاجتماعيّ، الجمعيّ، القائم على جذور و دعامات تتراوح بين "البدائيّة" و "الحجريّة" و "الكهفيّة" و "الاستبداد" الرّمزيّ و المباشر، و "التّحنّط" الدّينيّ و "التّكلّس" التّقديسيّ، و محاكاة بعض مظاهر "الحداثة"، إضافة إلى بعض مظاهر "المعاصرة"..؛

و كلّ هذا في "نصوص" و "جُمَل" مباشرة ، و "نمطيّة" (قوالبيّة) و نصوص بالّلغة العربيّة الكتيمة و المختنقة و المخنوقة بالتّقديس الكاذب و التّبجيل الانتهازيّ و التّحريم الّلاهوتيّ و الإقصاء و التّكفير و "القتل" الرّمزيّ و المادّيّ العينيّ ..لِـ"المخالفين" انطلاقاً من "نسقٍ" من "المعتقدات" الأخلاقيّة المنحرفة في سلوكٍ تعبّديٍّ للمرجعيّات الّلئيمة الموجِّهة للفعل الجماهيريّ بسايكولوجيّة مبتورة و مقصورة على مجمل فُصامات دينيّة و عُصابات قهريّة موجّهة بدوافع غاية في العدائيّة البشريّة للآخر، وصولاً إلى أدوات متوفّرة في العُدّة الوراثيّة الحيّة الكاملة و الجاهزة للتّمتّع بحرّيّات التّوحّش و الافتراس.

إذا صدّقنا أنّ مجتمعات العشيرة الأولى، ما قبل القبيلة، لم تكن لتعرف "الدّولة" بما هي جهاز لإدارة "الحرّيّات" و النّوازع خالصة العاطفيّة المؤسّسة على البيولوجيا و الفيزيولوجيا، و هذا منطقيّ تاريخيّا، فإنّنا ربّما نستطيع أن نعاشر أمثلة له في حياة المجاميع الاجتماعيّة المختلفة في حياتنا اليوميّة، في واقعنا الذي شكّل البيئة الأولى لِ"النّصوص" ذات الجملة الإنسانيّة العاطفيّة الأولى المستخدمة للكلمات السّرّيّة المتعلّقة بِ"الطّفولة" المهدورة..، و "الشّرف الدّينيّ" المستباحالذي "أُهينَ" على الملأ.

إنّ أوّل ردود الأفعال على "الجملة" الآمرة أمراً غرائزيّاً، هو الاستجابة عن طريق الامتثال و التّمثّل و التّمثيل. و هذا ما هو يتناقض، كما يتضّح، مع "العبارة"، إذْ مع أنّ "العبارة" لا يُشترط فيها الصّدق الكامل، إلّا أنّها تتوجّه في الأصل إلى هذا "الصّدق".. بوصفها تعبيراً أو محاولة للتّعبير عن "واقع" بالأصالة أو بالنّيابة، فيما كانت تلك "الجملة" النّصّيّة الغرائزيّة تتطلّب ردّ الفعل "الانتمائيّ" إلى "المصدر" الذي أنتج تلك الصّياغة لهذه "الجملة" المحقّقة للامتثال؛

و من الطّبيعيّ أن يتحقّق "الامتثال" بتلقائيّة جمعيّة تتناسب مع الشّحنة العاطفيّة التي ملأت "النّصّ" المتراكم في "الجملة" أو في مجموعة "الجمل" التي لم تُقلْ على عَجل.

ارتبطت ، إذاً ، هذه "الجملة" بجمل أخرى قيلت بِ"جاهزيّة" رهيبة و علنيّة و عمليّة كاملة، و بتوافقات ضمنيّة "متينة" متجذرة تجذّراً "مقدّساً".. في البعد "العاطفيّ الإنسانيّ" المشوّه و "المزيّف" الذي يحكم فيه "الدّين" جميع مقاطعه التّاريخيّة و الجغرافيّة المكوّنة للنّسيج الاجتماعيّ ، و هذا ما جعل "الصّياغات" المختلفة للنّصوص المقولة و الاستنتاجيّة محكومة بالتّوتّر الدّينيّ القادر على التّحريض "العنصريّ" في مختلف مظاهره و أنواعه و أسبابه، و لكنْ أيضاً بخاصّة منها السّبب "السّياسيّ" و "الاجتماعيّ" القادر على أن يُشكّل دافعاً مباشراً ضدّ "مؤسّسة" الدّولة التي تم إسقاط اعتبارات "الشّرعيّة" عنها بواسطة "المشروعيّات" المقولة بصراحة و وضوح استثنائيّين و بجمل جاهزة و مباشرة.

يحكم هذا "النّظام النّصّيّ" جميع علاقات "ما قبل الدّولة"، و قد تأكّد هذا "النّسق" البدائيّ في تطوّرات مختلفة للحدث منذ اندلاع "الحرب" و حتّى هذه المرحلة في تناهي "مضامين" الحرب في النّصوص الجاهزة التي تندرج في "الإعلان" السّياسيّ الذي يُرافق "المحادثات" و "المفاوضات" العصيانيّة التي تسلكها أدوات الحرب.

قلنا إنّ المعطف الدّينيّ الذي خُلع على هيكل الوحش الاجتماعيّ المسعور، كان جزءاً أساسيّاً من بنية "النّصّ" الجاهز، و لنا، الآن، أن نضيف إنّ هذا الثّوب الدّينيّ من الوحشيّة كان المحرّك الأساسيّ للتّلاعب بعواطف المجاميع الاجتماعيّة و توجيهها نحو القتل و التّخريب و الجريمة و التّدمير المنظّم.
و يعرف و يذكر "الجميع" كيف تمّ الّلجوء إلى التّحريض الدّينيّ سواء منه المباشر أو الإعلاميّ فائق التّنظيم و المَنهَجة..

و لقد ترافق، بطبيعة الحال، هذا "النّصّ" الدينيّ المحنّط مختلف الحقن الموميائيّ للثّقافة في "نصوص" مأثورة من القول و الفعل و السّلوك و الأخلاق، بحيث أنّ كلّ ذلك كان كافيّاً لإشعال و إضرام و تغذية وحش الحرب الذي لا يُريد، حتّى اليوم، أن يموت.

من المفيد أن ينشأ لدينا علمٌ إنسانيّ جديد يتخصّص، حصراً ،بِ"سوسيولوجيا" الحرب في المجتمعات البدائيّة الرّاكدة و الغرائزيّة، لتكون الإحاطةُ مُمْكِنَةً بأغلب الدّوافع و الحوافز التي منحت ذلك السّلوك البدائيّ الذي سلكه المجرمون، و القدرة على التّواتر الدّمويّ و الجشع الحيوانيّ و التّفسّخ و الانفساخ الاجتماعيّ و التمزّق الأخلاقيّ..، في مختلف مظاهر و أدوات و "مؤسّسات" الحرب.

شكّلت، على ما تقدّم، تلك "النّصوص" الرتيبة و المرتّبة و المحفوظة و الحيّة في الثّقافة الاجتماعيّة، الهيكل و البنية الجديدة لثقافة الحرب، بحيثُ أنّ الممارسات التي فُجع بها "الوطن"، و بمختلف مضامينها و مفاعيلها، أظهرت مؤسّسات "متينة" تاريخيّاً و منظّمة و حيويّة و معاصرة بمضمونٍ بدائيّ متوحّش و مسعور لسيكولوجيا الجريمة المباشرة و الجريمة الاجتماعيّة و الجريمة الاقتصاديّة و الجرائم الأخلاقيّة التي ليس لها حصر..، في عصر القرن الواحد و العشرين الذي اكتشفت فيه "كواركات" جزيئات الذّرّة!

لا يبدو أنّ هذه "المفارقة" الضّوئيّة قد استوقفت الكثيرين، و بالفعل لم يجرِ، أبداً، أن كان ذلك معتبراً في "التّحليل السّياسيّ" الذي تحوّل في ظروف الحرب إلى مهنةٍ للنّصّ الفارغ و الخطاب التّافه و الانتهازيّة و التّآمر لقصد و من غير قصد، و التي لا تنفصل عن أخلاقيات الحرب نفسها في هذا السّعار.

شكّلت مجموعة "العناصر" و الأدوات و الجمل و الكلمات في نصوصها المادّيّة منها و الرّمزيّة، شكّلت "مؤسّسة" موازية لمؤسّسة "الدّولة" في التّنظيم، و أعني بها "مؤسّسة" الحرب في الفوضى..!

و إذ أنّه من غير "الواقعيّ" تاريخيّاً أن ننظر إلى الأشياء على أنّها تطرأ على نحو غير متوقّع في السّياسة، فإنّ الذي يُمارَسُ هو من قبيل الكامن في أصوله و ممكناته و احتمالاته، التي على الفكر أن يستطيع توقّعها ثمّ تعليلها من دون ارتباك. و يلزم لهذا الأمر الكثيرُ من الواقعيّات و الاعتراف بالمعطيات التي لا تستقلّ عن دور الذّات فيها و لا يقلّ فيها دور الذّات عن دور "الآخر".

ينفتح "النّصّ" المحصّن بالتّأييد على "الماضي"؛ و هذه خاصّيّته الأولى؛ كما يتزمّن في "الحاضر"؛ و هذه هي خاصّيّته الثّانية؛ و هو لهذا و ذاك يمتلك جميع قدرات التّأسيس و المأسسة و هو الأمر الذي يجعل منه "خطاباً" عابراً للأنساق و التّشكيلات و البنى و الأفراد و الجماعات.

نحن عندما نقول "خطاباً" فإنّ المقصود بالدّلالة هو ذلك الشّيء الذي يقول و يفعل من دون الكلمات. و عندما نقول "خطاباً" فإنّ ذهننا ينصرف مباشرة إلى قدرة "النّصّ" على ممارسة ذاته ممارسة ديناميّة، تتقدّمها فاعليّاتها في حقول و فضاءات مستقبليّة، أيضاً، و هذا هو سرّ الممارسات الدّيناميّة أو "البراكسيس" (Praxis)..
و عندما نقول "خطاباً" فإنّما، كذلك، نقول "مؤسّسة" أو "مؤسّسات" حاملة للخطاب..
و هاهنا نحن ندخل في سرّ من أسرار استدامة "السّياسيّ" في "الواقعيّ"، أو "الاجتماعيّ"، انطلاقاً من "التّاريخيّ".

يستطيع هذا "السّياسيّ"، كشيءٍ مستمرٍّ و مستدام و عابر للتّشكيلات البنيويّة، يستطيع فرض ذاته بواسطة اعتماده السّهل و البسيط على "المؤسّسة" الأهليّة المنتشرة في مفردات لا تُحصى بين المجاميع الاجتماعيّة الجامدة؛
و يكون بعض هذه "المؤسّسة" (المؤسّسات) مادّيّاً و مشخّصاً و مُهيكلاً..، كما يستطيع أن يكون رمزيّاً و دلاليّاً (معنويّاً) في الدّافع و الغايات المعتمدة كأهداف ضمنيّة مُتوافَق و مُتواطَؤٌ عليها في وضعيّات و أوضاع مختلفة تحمل طابع الإغراء.. و ذلك كأن تكون، مثلاً، وعوداً بالجنّة و بنسائها، أيضاً..!؟

هكذا يتداخل "الخطاب" مع "المؤسّسة" بما يتجاوز "النّصّ" الثّقافيّ؛ غير أنّنا في التّدليل لا يمكننا أن نتجاوز مفهوميّة النّصّ الثقّافيّ، "المضمونيّة"، في إنتاج "السّياسة". و لأنّنا لا نجزم بالتّفصيل، و لا يمكن لأحد ذلك، أثر "النّصّ الثّقافيّ" في استحالاتهالسّياسيّة الواسعة، فضّلنا أن نقول باستحالات "الثّقافيّ" (النّصّ الثّقافيّ) في "الخطاب السّياسيّ"..
و بذلك نستطيع أن نضمن، في "القراءة"، تلك الشّموليّة التي تنتظرنا في المواجهات التّاريخيّة النّابعة من أثر "النّصّ" و استحالاته"الخطابيّة" في "السّياسيّ".

و على عكس القائلين بآثار "الخطاب" المستقلّة عن الحاملين و الفاعلين، فنحن نرى أنّه ما من قيمة "خطابيّة" لمؤسّسة في "البنى" بمعزل عن "الحاملين".

صحيحٌ أنّ للبنية المؤسّسيّة استقلالاً عن "الإنسان"، إلّا أنّه ليس، في رأينا، ذلك "الاستقلال" الّلاغي للأفراد، و ذلك باعتبارنا أهمّيّة "الفرد" المستقلّة في المجتمعات المنغلقة، من حيث هو رمزيّة في التّقديس، و بخاصّة عندما يؤدّي دوراً "مقدّساً" تنفيذاً لِ"المقدّسات".

إنّ المسألة المركزيّة، تقريباً، التي نواجهها في تحليل "البنية" و "النّسق" و "التّشكيلة"، إنّما هي استمراريّة المقدّسات الخرافيّة في النّصوص و الخطابات و المؤسّسات الأهليّة, أيضاً..
و هذا أمرٌ يستدعي أن نفهم ذلك الدّور المتداخل للأثر تعاضداً مع الأفراد القادرين على استدامة الخرافة في الخطاب.

لا يمكننا أن نستورد تحليلاً "أوربّياً" لنقوم بإسقاطه، جامداً، على واقعنا الخاصّ.

يمكن لمفكّر أوروبّيّ أو غربيّ، بالعموم، أن يقول بالاستقلاليّة الخطابيّة للبنى و المؤسّسات و الأفكار الفاعلة في "السّياسيّ"، ذلك لأنّ الفرد "الغربيّ" قد تجاوز، حقّاً، ثقافيّة "التّزمن" في الممارسات الرّاهنة أو المعاصرة، بحيث صار يكفي "الخطاب" أن يكون له حاملٌ بسيطٌ أو واضحٌ و مفهومٌ كالبنية و المؤسّسة المادّيّتين أو الرمزيّتين بمعزل عن الأفراد (وهذا ما كان أن قاله فوكو في "موت الإنسان"..) الذين حذفتهم "البنية" لصالح "الخطاب"؛ و هذا على عكس ما هو قائمٌ، إلى اليوم، و ربّما إلى الغد..، في مجتمعاتنا الخرافيّة.

ربّما يرجع "موت الإنسان"، في "الغرب" (كما قاله فوكو)، لأمرِ أنّ "البنية" الرأسماليّة الغربيّة (الصّناعيّة) قد استطاعت أن تقوم، أخيراً، على أنقاض العلاقات الإنسانيّة في التّشكيلات النّسقيّة للوجدان الغربيّ..
و هذا ما هو لم نصله، نحن، بعدُ، اجتماعيّاً و ثقافيّاً، بحيث أنّنا لا نزال، مثلاً، حتّى اليوم - و بخاصّة في البيئات الأوسع و الأكثر انغلاقاً.. - في وارد أن يقوم "الفرد" الاجتماعيّ بتطليق "زوجته" لمجرّد أنّ "الآخر" قد طلّق "زوجته"، عندما يكون زواجهما "زواج الشّغار" (الزّواج بالمصاهرة المتبادلة الشّرطيّة)..!

إنّني أذهب إلى شيءٍ ينبغي أن يكون واضحاً عند الجميع، و هو ما أعنيه بأن نظام "الاتّصال" الثّقافيّ في التّشكيلات الاجتماعيّة النّسقيّة، لا يزال "نظام اتّصالٍ" متين في قدرته على الأداء المتبادل في التّأثير الاجتماعيّ الذي أعتبره شرطاً أساسيّا لاستحالات "النّصّ" في "الخطاب".

لقد وصلنا، الآن، في حديثنا إلى اكتشاف "الرّابطة" الملموسة بين "النّصّ الثّقافيّ"، بما هو حاملٌ للزمنيّة في التّزمّن، و بين "الخطاب السّياسيّ" الذي يعتمده، إلى اليوم، الفرد الاجتماعيّ، في سورية، و بمعزل عن التّأثّر بجميع مظاهر و مؤثّرات الحضارة العالمية.

نحن، إذاً، أمام ظاهرة يمكن لنا أن ننظر إليها بوصفها تجسّداً لِ"الخرافيّ" (الثّقافيّ..) في "السّياسيّ"، بطريقة الولادة المتجدّدة للخطاب السّياسيّ العنيف من رحم "النّصّ" المحصّن بأبديّة التّخلّف، و أعني بركاكتها و جمودها خارج المعقوليّة و الزّمان و المكان؛

و نحن في الوقت نفسه لا بدّ لنا من أن نُدرك هذا البعد الأسطوريّ من خرافة "المعقوليّة" الصّانعة للأدوات المفهوميّة التي بفضلها يستحيل "النّصّ" إلى "خطاب".

إذاً، نحن أمام "مفارقة".. إنّ علينا أن نُدرك "المعقوليّة" في حضن "الّلامعقوليّة" التي نعيش!

و لهذا فإنّ علينا أن نقرّر أنّ العقلانيّة التّحليليّة النّقديّة، هي الوحيدة القادرة على قراءة تلك "الّلامعقوليّة" على أنّها لا يمكن أن تكون إلّا ضرباً من "المعقوليّة" الخاصّة التي تطرح نفسها علينا في مختلف المناسبات.

وصل العالم، اليومَ، إلى اهتماماتٍ نظريّة تتعلّق بأسئلة إنسانيّة حول أفضل السّبل للحفاظ على القيم النّاشئة في معرض "العلاقات الاجتماعيّة"؛ و لنا أن نتأمّل هذا البون الذي يفصلنا، إذاً، عن الآخرين..؛ ذلك أنّنا ما نزال نعمل على اختراع أفضل النّظريّات للنّقد الثّقافيّ للمجتمع في وضعيّاته المختلفة السّياسيّة و الأخلاقيّة و الانفعاليّة الأكثر عمقاً ممّا يبدو أنّه في المتناول بهذه البساطة و السّهولة.

طرحت علينا "الحرب" اختبارات يُشكّ بأنّها كانت مفهومة كما كان لها بنبغي أن تكون. و يتعلّق الكثير منها بمسألة المستقبل انطلاقاً من الحاضر. و إذا طبّقنا هذه الاستراتيجيّة على ما تقدّم أعلاه، نجد أنّ الإشكاليّة تطرح مسؤوليّة نظريّة و عمليّة في وقت واحد.

فإذا كان "الخطابُ" المؤسّس للنّصّ، هو شيءٌ أكثر من "ملموس" و غير محدّد أو محدود، و في الوقت نفسه يستطيع هذا "الشّيء" أن يتناهى في "المؤسّسات" بوصفها هيكليّات محدّدة و محدودة، فمن أين لنا أن نتمكّن من إدراك "التّناهي" البعيد (أحياناً يُقال على "التّناهي" بِـ"الّلاتناهي" عمليّاً..) في "المؤسّسة" لخطاب هو في طبيعته ،بالتّلقائيّة و بالطّبيعة، شيءٌ عائمٌ فوق الكلمات و المُحدِّدات العمليّة المباشرة، و بخاصّة في تعمّلاته غير المعطاة في "المقدّمات"..؟

إنّ الجواب على هذا السّؤال المترامي العناصر، هو ببساطة، أن نستطيع إنتاج "خطاب" آخر، بديل، في مواجهة غير مباشرة للخطاب التّقليديّ المستقرّ، في الواقع و في الآفاق؛ ذلك لأنّ أيّ مواجهة خطابيّة، و أعني تلك المواجهة المتأسّسة على "الاحتمال"، إنّما هي مواجهة خاسرة و ذلك لسبب بسيط و هو أنّ آفاق "الخطاب"، نفسها، هي آفاق أكثر مرونة ممّا كانت عليها كأساس و أصول في النّصوص، و هو ما يجعل من المتعذّر إحصاؤها إحصاءً كافياً بالدّال و الدّليل.

إنّ خطورة "المؤسّسة" تكمن، ليس في وصفها كذلك، كما يُهيّأ للبعض، و إنّما، على العكس، تماماً، و أعني في ملامحها غير المحدّدة و غير المحدودة.

تكمن أهميّة التّعويل على حساسيّة "الوظيفة" البنيويّة للمؤسّسة الاجتماعيّة الدّافعيّة و العمليّة، في كونها قادرة، في كلّ لحظة، على أن تقول العكس..
إنّها تستخدم و تستهلك "الجملة" التي تناسبها من "الثقافة" المبثوثة في النّصّ و الممارسة و العادة و السّلوك، و تهضمها، و تمحي كل أثرٍ لها، و كلّ بقيّة ممكنة؛ و هي، في الوقت نفسه، تنتج "الخطاب" المكافئ للجملة في مناخ من "البراءة" التي تستبعد فيه، في ظاهرها، الجملة الجاهزة، فيما تكون قد استبدلت بها مشروع "الخطاب".

فالمؤسّسة تصرّ على "محدوديّتها" الكاذبة و المنافقة في "المقول"، إلّا أنّها لا تستطيع ذلك في "الممارسة" الخطابيّة، في الوقت، و في أثناء إنتاجها للخطاب، إنّما تعمل على تأليف الأبجديّات الواسعة من أجل "النّصوص" المقبلة و "الجمل" الجاهزة التي غالباً ما تعتمدها كأساس واضح و سهل و مُجيّشٍ و ديناميّ.

و فيما تدّعي "المؤسّسة" نَدرةَ "المقول"..، فإنّها، على العكس، هي أقدر مَن يستطيع أن يقوم بمهمّة إنتاج "الخطاب" في تناهٍ و اشتقاق دائمين هما من قبيل الدّيمومة و البحث على "الخلود"، يشفع لهما ذلك أنّهما يستمرّان في البنية الثّقافيّة المغلقة القابلة للممارسة و التّنظير.

و لأنّ "الخطاب" السّياسيّ الذي على "الدّولة" مواجهته بوصفه خطاباً ممّا قبل الدّولة، يعتمد، عدا عن "النّصّ"، "المؤسّسة" المادّيّة و الرّمزيّة، كما لاحظنا، أعلاه؛ فإنّ "الخطاب" البديل الذي نقول به و نقول عليه، لا يمكن أن يتماسك في الجذور الحقليّة للثّقافة البديلة، من دون أن يتأسّس، أيضاً, على "مؤسّسة" أو على "مؤسّسات"؛

ذلك أنّ "المواجهة" بين الخطابين، هي مواجهة ربّما تتجاوز الحرب بالصّعوبة و التّأثير على مدى الزّمان، و هي، بالتّالي، حربٌ مديدة و مستمرّة، كما قد قيّضتِ الأقدار لمجتمعاتنا المتخلّفة؛ و من الطّبيعيّ أن تكون هذه "الحرب" مُحالةً في "الفضاءات الخطابيّة"، ما لم تساندها مواجهة أخرى في ملموسيّات "النّصّ" في حقول "الاجتماع".

من الطّبيعيّ أن يتجاوز بنا الفهم، هنا، إلى ما هو أوسع من تقاليد الفهم التي علّمتنا أنّ "المؤسّسة"، أو "المؤسّسات"، هي فقط تلك البنى الهيكليّة المادّيّة الواضحة و الموصوفة في "الثّقافة"؛ إذْ نحن في "هذا" لا نقوم بأكثر من تكرارنا للثقّافات..؛ و إنّما يجب أن ندركَ، أيضاً، البعد الخطابيّ لمفهوم "المؤّسّسة" على أنّها تلك "الآلة" أو "الأداة" أو "الوسيلة" القادرة، في كلّ الظّروف، على "إنتاج" الخطاب "المؤسّسيّ"، و في مختلف المناسبات؛

و من الطّبيعيّ أنّ هذا أمرٌ لا يخفى على "العقلانيّة"، بعد أن تجاوزته، في الواقع، "معقوليّات الخرافة"، و بعد أن تجاوزته "الحياة".

ننظرُ إلى "العقلانيّة"، بهذا المعنى، على أنّها اكتشاف و إدارة و اختراع "المعقوليّات.

إنّ "المؤسّسة" و "البنية" و "النّصّ"، في ما نقترح، و الذييتجاهل كلّ منهم كيفيّات احتمالات التّطوّرات "الخطابيّة" في التّفاعل "الثّقافيّ" الاجتماعيّ و احتقان "المجاميع" الاجتماعيّة المؤدّي للتّصلّب و انفتاح الجبهات الخطابيّة في مواجهات سرّيّة و مخاتلة أو صريحة و مادّيّة، و ربّما دمويّة، أيضاً؛ إنّما هي مفردات "عاجزة" عن أن تشكّل منظومات الدّلالة السّياسيّة التي تؤلّف المجتمعات المعاصرة.

من السّهل اكتشاف المضمون الأبعد لحديثنا هذا.. و من الأفضل، بالتّالي، صياغته، الآن، على أن نفرد له حديثاً آخرَ في المستقبل.

ففي مواجهة "المؤسّسة" التّربويّة المنحرفة إلى تكوين الوعي المتعصّب و المحدود و الثّأريّ و التّكفيريّ..؛
و هذا كلّه، لمن لا يعرف..، موجود في الثّقافة التّربويّة المبكّرة في المدارس السّوريّة العامّة و الخاصّة، و التي يمارسها الكثير من "المُربّين" و "المُربّيات"..، بشكل علنيّ و مستهتر و صريح، و في ممارسات مادّيّة و واقعيّة و إيحاءات صريحة و وقحة، تؤدّي إلى صناعة و رسم المجالات الكهرطيسيّة الاجتماعيّة و التديّنيّة و السّياسيّة الجذريّة، و الانتقاميّة المؤسّسة على الحقد ما بين الأفراد و الثّقافات و الجماعات..
و ينبغي، إزاءه، مأسسة الملاحظة و تفتّح الإمكانيّات و تعلّم طرائق المحاكمة، و ليس العكس، لنستطيع أن نقول إنّنا نواجه المؤسّسة بالمؤسّسة، من أجل إنتاج الخطاب الموازي المواجِه عن طريق "النّصّ" البديل (و الممارسة بوصفها نصّاً، أيضاً). و هذا مثال.

يمكننا، و ينبغي لنا، و علينا، أن نتوسّع، أكثرَ، في "اقتراح" التّصوّرات، و لو اضطررنا إلى أن نقول الأشياء بأسمائها و التي صارت معروفة، على كلّ حال، للجميع، حيث أسقطت "الحرب" جميع المداورات و المخاتلات و التّشابيه و الاستعارات و الكنايات.

و كنّا قد ألمحنا و صرّحنا، في البداية، في أنّ هذه المهمّة هي مهمّة "الدّولة" في واجباتها في السّيادة و التّاريخ؛ و سوف نبحث، إذاً، لاحقاً، في مسؤوليّة "الدّولة" في إنهاء عصر الخرافات..

 

***

 

أدناه تعقيب الدكتورة رشا شعبان على البحث أعلاه:أ رشا شعبان

كل الاحترام و الإجلال لفكركم الإبداعي دكتورنا الغالي، الذي يضعنا دائماََ أمام محكّات التجديد و التغيير و إعادة إنتاج خطابنا الثقافي و الفكري و الاجتماعي و السياسي، وفق آلية إبداعية تلتزم الواقعية و الموضوعية في صيرورتها نحو ما ينبغي أن يكون.

و لا شك أن المجتمع يعي ذاته في صورته و خطابه الثقافي، عبر أدوات و آليات الثقافة المتعيّنة واقعياََ و فكرياََ.

و لا نجانب الصواب إذا ما أكدنا أن الخطاب الثقافي عبر تاريخه الطويل، انبرى جاهداََ في البحث عن سلطة سياسية يتحصّن بها و من خلالها ضامناََ ديمومته و قوة تأثيره في المجتمع و الدولة.

و لا نشك في أن الحرب وضعتنا أمام إشكاليات مفهومية تفرعت في الأسئلة عن العلاقة بين الأخلاقي و السياسي، و الديني و الإجتماعي، و الثقافي و السياسي.

و هذا ما يدعونا للبحث في كثير من القضايا التي سلّمنا وهماََ، بمعقوليتها، في حين أنها استحالت بوصفها كابحاََ معرقلاََ و مضاداََ لصيرورة تقدمنا و نهضتنا، لتثبت و بجدارة اللامعقولية الكامنة في جوهرها، عبر مجموعة الممارسات و السلوكيات الاجتماعية و الفكرية، التي كانت حاملاََ داخلياََ لإمكانات الحرب و الفوضى القيمية و الأخلاقية و الغرائزية و الهمجية في مجتمعنا.

و انطلاقاََ من أن النظرة العقلانية الحقة، هي الكشف عن منطق الأمور و ترابطها الداخلي، أي عقلها الذاتي..
لا بدّ لنا من إعادة صياغة خطابنا الثقافي و السياسي وفق رؤية موضوعية نقدية، تؤسس لما ينبغي أن يكون و لا تكتفي بالمنهج الوصفي، بل بما يصاحبه من منهج معياري، تتعيّن من خلاله مجموعة القيم و المعايير و المبادئ التي تنتقل بنا إلى حيث ينبغي أن يكون..
و التي تبدأ بمعاينة الواقع الثقافي و تحدّد علاقته مع ماضيه و جذوره، و ترصد مكامن الخلل فيه، ثم تؤسس لخطابنا الجديد المتجدد على المستوى الثقافي و الاجتماعي و السياسي.

إن تعميق وعينا بقوانين فكرنا، و ضبطنا للمفاهيم و طرق البحث و الاستدلال التي نستخدمها، و مراجعتنا الدائمة لمعارفنا و مسلماتنا..
كل ذلك كفيل بأن يطور مصداقية وعينا، و يدعم قدرتنا على الإلمام بواقعنا.

نعم نجتاج إلى إعادة النظر في تفكيرنا، إنه التفكير في الفكر ذاته، و علاقته بواقعه، و إعمال العقل في اللامعقول، الذي تجذّر في اللاوعي الجمعي و أوهمنا الصوابية و المعقولية، عندما استحال بديهيات لا تقبل النظر ولا النقد أو التفكير.

و بالتأكيد لا يشعر المجتمع بأهمية ما هو قانوني وضعي في الثقافة، إلا عندما يتهدد المجتمعي أخطار الانمحاء و الإلغاء التام لوجوده و كينونته..
و الحروب هي المحك لذلك، لأنها الكاشفة عن الجوهر الأخلاقي و القيمي و الثقافي للمجتمع، الذي يضمن البقاء في صراع الخير و الشر في الأزمات و الوارث.

نعم أصبحنا في لزام البحث عن الحلول، وذلك ليس خياراََ بل ضرورة وجودية، و على العقل الواعي أن ينهض و يتحفز لإيجادها.

و ذلك يستلزم إعمال العقل الإبداعي التجديدي في البحث عن ديناميات الثقافة، التي تنطلق من العلاقة النقدية مع النص الذي استحال سياسياََ في خطابه، و الذي بدا متذبذباََ بين ما هو عاطفي و بين ما هو تسلطي عنفي، ليستقر في أعماق الوعي و يفرض ذاته بوصفه المآل الذي لا مفرّ منه.

إن اعتراف الخطاب السياسي بثقافة التابويات المانعة و الكابحة للعقل النقدي، أسست لسلوكيات فصامية و ازدواجية في عمق المجتمع و القيم، و التي تصدّرت المشهد الاجتماعي و السياسي في الحرب، لتطفو على السطح و تشتغل بكل وقاحة و بشاعة بدعوى الحريات المكبوتة، و التي برهنت على الغرائزية القطيعية البهائمية المستقرة في قاع المجتمع.

نعم نحن الآن أمام تحديات صيرورة الدولة بوصفها دولة، الدولة القابضة على مؤسساتها فعلياََ، و القادرة على توجيهها لصناعة الحامل الاجتماعي القادر على صياغة الخطاب التنويري العقلاني العلماني الجديد، الذي سوف يكون في مواجهة الخطاب الخرافي في الدين و الثقافة و السياسة.

إنه الخطاب المنتج من داخل المجتمع ذاته، وفق معايير الواقع و الاحتياجات و الضرورات الذاتية.

نعم إنه الخطاب الإبداعي الوطني، البعيد عن النماذج المستوردة من الخارج و التي أثبتت فشلها، و كذلك عن النماذج المقولبة المستحضرة من الماضي و التي أثبتت عطالتها.

كل المحبة و التقدير لك حكيمنا الغالي الدكتور بهجت سليمان، و أنت الذي يجهد دائماََ في بحثه عن النور و المعرفة و العقل و التجديد في المجتمع.

 

***

 

كما عقب الشاعر والمهندس ياسين الرزوق زيوس:أ ياسين الزروق

       في بحر سلاسلك أبحر لا لأتجاوز العواصف بالسكون بل لأستلهم عواصف التغيير في مجتمع ما زال ساكناً في كل انحطاط و في حكومات ما زالت تتاجر بالانحطاط الداخلي و العربي و المشرقي بحجة أن المقاومة تسلب قرار الكثيرين ممن يهوون اللحاق بركب العولمة و الحداثة و العصرنة و ما بعدهما في كل بعد يبحث عن ما بعده..

نعم إن النص الثقافي ما زال متقولباً بالمجهول و متأطراً بالخوف من الولوج فيه و لا أقصد ذاك النص الإدراكي المعرفي بل النص الذي وُئد مذ صارت العروبة هاجساً لا فعلاً حضارياً و تجارة لا قيمة و طبخة لا نهجاً..

و هنا لن أتحامل على العروبة كما تحامل علي قياديو حزب البعث العربي الاشتراكي في سورية و فصلوني دون أدنى منطق و بمنطق اللا منطق و بمنطق النص العاجز عن تعريف الثقافة و التجديد بل و العاجز عن أخذ الخطاب السياسي إلى أدنى معرفة للتمييز ما بين الحوار و الخوار في نظرية الجدلية التي لن تحسمها سفسطائية مفرطة.

تغرق سياساتنا بأشخاص يقلبون الحق باطلاً و الباطل حقا تحت راية الإيديوجيا و العقائد التي أخذها من ادعوا يوماً أنهم رعاة ثورة التغيير و تنادوا بمقولة"يا جيش الأحرار تقدم " بدلاً من أن يسفهوا قزامتهم و تبعيتهم و انحطاطهم في لغة غوغاء لم تقدر كل خطابات الدولة بمعنى الدولة أن تجعلهم يترفعون عنها..

و ذلك لأننا نعرف جميعاً أن نص الثقافة في حجر الدولة ينام على ازدواجية الخطابات السياسية التي لن نجري وراء هوكو لنقول أن رأسماليتها الدردرية قامت على أنقاض العلاقات الإنسانية..
بل لنقول ان رأسماليتها قامت على تجييش الغباء و الحالات الغريزية المراقة في كل جامع و في كل كلية شريعة في المنطقة العربية..
كي تجعل المواطنة تحت صفرية أي سالبة التأثير بمفاعيل عكسية لا تعكس من إيجابية الدولة في خطها السياسي العام على محور المقاومين إلا تبعية مفرطة في إغراق الوطن بأشخاص سلبيين يتاجرون بهموم الوطن و بالمواطنة..
التي تفسح لهم أن يصبحوا تجّاراً من ذاك الطراز الرفيع في رشق الناس بما يمنع عليهم أن يتراشقوا به!...

نعم موضوعك في تناهي الخطاب السياسي و في النص الثقافي اللا متناهي في جدلية القائمين عليه يحيلنا إلى أن نكون مدركين في لجة الخطابات التحريضية و بعنوان الإنسانية الفضفاض أن ما يراد لمنطقتنا لا شعبوياً بل شعوبياً تقسيمياً تفريقياً بامتياز..

و لعلّ ما ظهر في مفاعيل الربيع العربي الأسود الذي قتل و أعلن من جديد مقتل كل خصب فكري كنا نباهي به يؤكد أن ما كان ظنون الدولة في رفع سوية الحريات الشخصية إلى حد ترك الشعائر الدينية على هوى طالبيها و بحجة العرف المجتمعي بات هباء منثورا..

و على الدولة تدارك صنّاع النصوص الثقافية القادرين على حمل الهوية الوطنية بكل ما تفيض به من وجدان شعبي حقيقي عارم بوعي ينطلق من التحليل لا من الغرائز و من البناء لا من التقويض و من التجميع لا من التفريق.

و إلى حد الآن لم يظهر أحد من حاملي وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الأولى الممتازة إلا في اصطفاف غرائزي يلهث وراء سلطة المال أو وراء مفاهيم القطيع الذي آثر الارتداد إليه عند أدنى هزة تريد من الوطن أن يسلّم وجوده إلى المجهول كي تبتلعه الوحوش العالمية التي ما زالت تبحث عن تدجين الشعوب بكل خطابات الغرائز..

فهل من وعي في وجدان الساسة كي ندري أين خطابنا السياسي بكل نص مدرك لم تتداركه الحكمة التي بحث عنها جلجامش يوماً في نبتة الخلود؟!

لنا بحكمتك أن نستلهم الأوطان الخالدة دكتورنا العزيز بهجت سليمان.