يحيى زيدو: تَجَمُّعٌ مشبوهٌ..

لا تسأليني.. لستُ واثقاً أنَّ الذي حصل قد وقع بالفعل
كنتُ أجلسُ في غرفتي وحيداً مع أفكاري، و ذكرياتي، و عواطفي، و أحلامي
حين جاء الشرطيُّ و اعتقلني بموجب قانون الطوارئ، لأنه اعتبرني تَجَمُّعَاً مَشْبُوهاً.
كم كنت ساذَجاً، و عديمَ الحيلةِ
كان يمكنُ أنْ أنجوَ لو أنِّي تَنَكَّرْتُ لأفكاري،
أو تركتها هائمةً كطيورٍ بريَّةٍ
غير أنِّي خفتُ عليها من صيادٍ أرعنٍ.. فاحتضنتها، و دافعتُ عنها.
كان يمكن أن أكتمَ عواطفي و مشاعري في صدري..
لكنني خفتُ أن أخسركِ.. فأطلقتُها باتجاهكِ حتى انفطر قلبي، و انشطر
فانكشف.. و كشفني.
كان يمكن أن أُبقيَ أحلامي حبيسة حديقة الخيال مثل غزلانٍ في محميَّةٍ. لكنَّني ثرثرتُ بها أمام شخصٍ عاقلٍ.. فوشى بي. و قتلها.
أعرف أنَّه كان من الأفضل أنْ أُبقيَ أحلامي خبيئةَ المخيلةِ..
أو أبوح بها فقط لمجنون مثلي كي تبقى محتفظةً ببهائها اللائق بالجنون.
أمَّا ذكرياتي فقد كان عليَّ أنْ أرغمَ نفسي على نسيانها كما أرغمتُ على نسيان حقوقي المُدَوَّنَةِ في شرعةِ حقوقِ الإنسان.
كم كنتُ غبياً.. و أحمقاً
كان بإمكاني أنْ أفعلَ أشياءَ كثيرةً لأنجوَ
مثلاً، علاقتي مع الله كان يمكنُ أنْ تصبح أفضل لو أنَّني لم أتبجَّحْ و أحاججه، أو أعاتبه، و أنا أشاهد كلَّ هذا القتلِ و الدمِ المسفوكِ باسمه
حتى ساءت علاقتنا بعد ذلك.. و غضب مني
فهل كان غضبه عليَّ هو سبب تشميلي بقانون الطوارئ..؟!
كان عليَّ ألا أتوهمَ أنَّني من طينِ السماءِ لا يبلِّلُني ماءٌ
غير أنَّ رذاذ الصباح على شعركِ تساقط علي، فأيقظَ الزائلَ الغافي فيَّ
و كشف الوحلَ الذي صرتُ غارقاً فيه.
كان عليَّ أنْ ألملمَ بعضي، و أتجرَّأ لأدعوكِ إلى فنجان حبٍّ على شاطئ البحر في نهارٍ مشمسٍ
لكنَّ الغيومَ كانت تحجبُ السماءَ..
و أنا كنتُ مشغوفاً بانتظار المطر..
كان يمكن ألَّا أموتَ لو أنَّني أحببتُ..
فالحبُّ في الحياة علامةٌ، إنْ اختفى اختفتْ.
الحبُّ ظمأٌ لا ارتواءَ له.. كالبحر لا ارتواءَ منه
و الموت لا يخشى سوى الحبِّ.. لهذا عاجَلَ و أخذني قبل أن أقول لكِ:أحبُّكِ.
كان بوسعي أنْ أفعلَ أشياءً كثيرةً..أنْ أُغَيِّرَ العالم لو قلتُ لكِ:أحبُّكِ
لكنَّني لم أقُلْها،..
و لأنَّني لم أجرؤ على قولِ: أحبُّكِ..
جلستُ وحيداً مع أفكاري، و ذكرياتي، و عواطفي، و أحلامي لمناقشةِ الأمرِ
فجاء الشرطيُّ و اعتقلني وفق منطوق قانون الطوارئ
لأنني بمثابةِ تجمعٍ مشبوهٍ.