د. أحمد الخميسي: سـيـنـمـــا "زاويـــــة" لــلأفــلام الــصــهــيــونــيــة

عرضت سينما "زاوية" الكائنة في وسط البلد فيلم "القضية 23" بدءا من يناير الحالي رغم الضجة التي رافقته بسبب منع عرضه في لبنان وفلسطين والوقفة الاحتجاجية التي نظمها المثقفون في تونس، ودعوة اللجنة الشعبية لمقاطعة إسرائيل إلي عدم عرضه، رغم ذلك كله تمسكت دار العرض السيئة السمعة بعرض الفيلم.

الغضب الذي أثاره الفيلم لم يظهر من فراغ إنما لأن الفيلم تم تكريمه في مهرجان سينما إسرائيلي، وإسرائيل لا تكرم إلا مايعكس وجهات نظرها، كما تم تصوير أجزاء كثيرة منه في إسرائيل بالتعاون مع إسرائيليين، أيضا فإن المخرج زياد دويري معروف بدعواته للتطبيع مع إسرائيل وزياراته إليها وتعاونه مع مؤسساتها. يتأكد ذلك كله بمضمون الفيلم الذي يقدم لنا صورة "العربي الطيب" الراضي بالاحتلال الإسرائيلي بعقل منفتح!

للمخرج نفسه فيلم سابق عام 2012 باسم "الصدمة" منع عرضه في كل البلدان العربية. خلال النقاش حول منع الفيلم أو السماح بعرضه في القاهرة أشهر الكثيرون سلاح حرية التعبير وأنه لا يجوز منع ولا وقف أي عمل فني تحت أي مسمى. والسؤال هنا هل "حرية التعبير الفني" مطلقة؟ أم أنها محكومة بما حولها؟ ولنبدأ بحقيقة أن "حرية التعبير الفني" هي جزء صغير من مفهوم أوسع هو الحرية عامة. فهل هناك "حرية مطلقة" في علاقة الانسان بالطبيعة والمجتمع والتعبير الفني؟ الحق أن كل المواثيق الدولية الخاصة بحرية التعبير الفني تربط تلك الحرية بعدم التعارض مع القيم الانسانية أولا، وعدم الحض تحديدا على الكراهية أو التمييز بما في ذلك الدستور المصري في المادة 67 منه.

وفي "العهد الدولي" الذي بدأ العمل به عام 1967 تشير المادة التاسعة عشرة حول الحريات إلي أنه يجوز إخضاع حق التعبير إلي بعض القيود لحماية الأمن القومي واحترام حقوق الآخرين.

وحتى الإعلان العالمي لحقوق الانسان يختتم بالنص على أنه: "لا يصح بحال من الأحوال أن تمارس هذه الحقوق ممارسة تتناقض مع أغراض الأمم المتحدة ومبادئها، أي يربط كل حقوق التعبير بمباديء محددة، ولا ينظر إليها بصفتها حرية مطلقة. وعمليا فإننا لن نجد "حرية التعبير الفني" مطلقة من دون قيود في أي بلد في العالم.

وفي فرنسا – منارة الحرية- تعرض روجيه جارودي لاتهامات قضائية عام 1982 حين صرح بأن الاجتياح الاسرائيلي للبنان "جزء من منهج الصهيونية"، ثم حوكم في يناير 1998بسبب كتابه "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية".

وفي أمريكا تم وضع مقياس لما يمكن اعتباره تجاوزا لحرية التعبير، وبدأ العمل به عام 1973، ويعتمد على تقدير إن كان غالبية المواطنين يرون طريقة التعبير مقبولة أم لا، وإن كانت طريقة إبداء الرأى تتعارض مع القوانين الجنائية أم لا، وأيضا إن كان العمل يتسم بمزايا فنية أو أدبية جادة أم لا.

والان: هل تنطبق ضوابط حرية التعبير على عرض الفيلم الصهيوني "القضية 23" في سينما زاوية السيئة السمعة؟ نعم. ففي تقديري أن عرض أي عمل يقوم بالترويج للتطبيع مع عصابة عسكرية شعارها: "حدودك يا إسرائيل من الفرات إلي النيل" عمل يهدد الأمن القومي المصري، وأي عمل يقوم بتجميل الوحش النووي الإسرائيلي وإضفاء الطابع الانساني عليه عمل يتعارض مع اعتقاد غالبية الناس بخطر العصابة الإسرائيلية التي شاركت في الحرب على العراق ولبنان ومصر وسوريا وتساهم في بناء سد النهضة لتعطيش مصر.

وقد حدد بنيامين ناتانياهو بوضوح قاطع في كتابه "مكان تحت الشمس" أن "حق الدولة اليهودية يتجاوز حدود فلسطين إلي أراض كثيرة في الدول العربية"، وأي عمل يدعو للقبول بالاحتلال الاسرائيلي في ظل عصابة ودولة لم تعلن عن حدودها إلي الآن عمل يهدد الأمن القومي المصري.

وللمقارنة علينا أن نتذكر ما جرى حين عرض محمد صبحي مسلسله "فارس بلا جواد" أواخر عام 2002، وتناول فيه حقيقة كتاب "بروتوكولات حكماء صهيون" فهاجت عليه إسرائيل كلها، وأشارت صحيفة "معاريف" في 31 نوفمبر إلي أن المسلسل أشعل ثورة غضب إسرائيلية وصلت إلي حد اتهام مصر بانتهاك معاهدة السلام بين البلدين! ودعا "أفيجدور ليبرمان" اللوبي اليهودي في أمريكا إلي الضغط على الإدارة الأمريكية لمنع المساعدات الأمريكية الاقتصادية لمصر حتى وقف عرض المسلسل. لكن إسرائيل هذه نفسها هي التي قامت بتكريم فيلم "القضية 23" في مهرجانها السينمائي!

ووصلت الوقاحة بإسرائيل حد المطالبة بمنع مسرحية "تاجر البندقية " لشكسبير حين قام مسرح "كوميدي فرانس" بعرضها في باريس وصبت صحفها لعناتها على المخرج "أندريه شيربان" لأنه صور اليهودي في المسرحية في أبشع صور الشر والجشع، وأضافت أنه إذا كان وليم شكسبير هو المبدع الأصلي للجريمة فلا ينبغي تكرار عرضها.

تبقى ملاحظة أخيرة حول علاقة الفن بحرية التعبير، ذلك أن فن وآدب كل شعب قائم على العلاقة الوثيقة بينه وبين تاريخ ونضال وأماني هذا الشعب، ولا توجد استقلالية للفن عن تاريخ الشعب الذي ظهر ممنه، ولا توجد "حرية تعبير" مضادة لتاريخ وأمنيات وحقائق نضال هذا الشعب. إلا أن المخرج زياد دويري وغيره ومعه سينما الزاوية يستخدمون قناع "حرية التعبير الفني" للتغطية على انفصال الفن ذاته عن دوره، وتحول هذا الفن إلي عملية دعائية للنازية والاحتلال.

وقديما قال كافكا: "الأدب هو أن تهجر معسكر القتلة"، لكن البعض يختار معسكر القتلة ويردد أناشيدهم في وجوه الضحايا والشهداء، وهذا اختياره. أما نحن فتبقى لنا حرية صد الرصاص عن صدورنا، وليس لأحد باسم حرية التعبير أن يجبرنا على تجرع السم بدعوى أن ذلك "فن"، لأنه ما من "فن" يدعو للقبول بالجريمة.

الدستور "المصرية"