د. بهجت سليمان: نظرةٌ سياسيّة في مفهوم "إدارة الأزمة".. اختناق المؤسّسات.. و التّردّد الإداريّ

[الحلقة الستّون "60" من "سلسلة الفكر الإستراتيجي"] عن:

{نظرةٌ سياسيّة في مفهوم "إدارة الأزمة"}

 [اختناق المؤسّسات.. و التّردّد الإداريّ]

 •  د. بهجت سليمان

 أنهت الحرب عصراً طويلاً من الصّيغة الاجتماعيّة و السّياسيّة الخلّبيّة التي كان عنوانها الباطنيّة الشّاملة تقريباً، إزاء قضايا عامّة تتّصلُ بالسّياسة اتّصالاً مباشِراً، و تتعدّاها في البنية التّحتيّة إلى مسائل متّصلة أكثر "بالشّأن العامّ" و "الثّقافة السّياسيّة"، و "المواطنة" و "الهويّة" و "الانتماء".

و كما هو واضح، تغطّي هذه المصطلحات مصالح بشريّة واسعة تتعلّق بالعمل و الأخلاق و النّشاط، و العلاقات النّاجمة عن هذه "المحدّدات" التي تجد لها انعكاساتها العمليّة المباشرة في "المؤسّسة" و "النّظام".

ربّما كان مفهوم "التّنمية المستحيلة"، بعمومه ، يختصر أشياء جوهريّة من التّعبير الاجتماعيّ، بواسطة تلك "البنى" المختلفة التي تجد ترجمتها المباشرة و الحدّيّة في "المؤسّسات" العامّة التي كان يتردّد فيها "النّظام العامّ"، نتيجة لأسباب سوف نتناولها في هذا الحديث، و قد أسفرت في سلوكات و اقتصادات الحرب، العامّة، عن وجه من الصّفات و الآثار التّخريبيّة القصديّة و غير القصديّة..      

و لكنّها التي تختزن، في كلّ الأحوال، موقفاً ثقافيّاً عدائيّاً من "المؤسّسة" و "النّظام"، و قد تحوّل إلى انفجارات تدميريّة في جسد "الدّولة" و في جسد "المجتمع".

ربّما يحتاج الكثيرون، المهتمّون، إلى المزيد من التّأمّل و الدّراسة و الفهم المتحرّر و المنفتح، ليدركوا أن قسطاً جوهريّاً من الأزمة التي لازمت الحرب على وفِي سورية، إنّما كان، وفق مقدّماته المتراكمة الكثيرة، أزمة تردّد تنمويّ عميق، من جانب، فيما كان تخريباً منظّماً، محلّيّاً و إقليميّاً و دوليّاً، من جانب آخر.

و بغضّ النّظر عن الكيفيّات المقصودة في كلا السّلوكين، حيث أصبحت كيفيّات شهيرة و معروفة لدى الفئات الواسعة من المراقبين و المتابعين؛ فإنّ الهيكليّة العامّة للنّتائج النّاجمة عن ذلك، إنّما كانت قد تظاهرت في مقدّمات عضويّة من "اختناق المؤسّسة" العامّة ، اختناقاً إنتاجيّاً و إداريّاً و أدائيّاً، بحيث كان "النّظام العامّ"، الرّسميّ، في وجهه "القياديّ" و "الإداريّ"، نظاماً من أنظمة "الحدّ الأدنى" في الوظيفة العامّة للدّولة؛ فيما كان المستفيدون من هذا الواقع، بما فيهم صانعوه، يتستّرون على هذه "الحقيقة"؛

و هذا على رغم بعض الأصوات الخبيرة و القانونيّة و الجريئة و النّقديّة، و التي كانت تغامر بذاتها، فتحلّل و تنتقد و تشير إلى المشكلة و تحذّر منها، فكان يجري إسكاتها و إخراسها و قمعها بطرائق فظّة وغير لائقة و مباشرة، في احتقار لكلّ قانون و نظام..؛

 و يُشيع المعنيون، من جانب آخر، وجهاً مزيّفاً من الحقائق و النّتائج الكاذبة و المشوّهة في عمقها، بالإضافة إلى سلوكهم سلوك الضرورات التي تكتمل في إطارها "الدّائرة" الكاملة من زُمَرِ "المؤسّسات" الحكوميّة، لحمايات متبادلة، كما يجري، تماماً، اليومَ، و بشكل فاقع و لكنّه معلّل، نظريّاً، بنتائج و آثار هذه الحرب، على مختلف ما ينصرف إليه التّعليل و التّفسير!

 إنّ حالة "اختناق المؤسّسة" أو "المؤسّسة المخنوقة"، تفهم بوجهين على الأقلّ:

• الوجه الأوّل، و هو الحالة التي عجزت فيها "المؤسّسة" عن تحقيق غاياتها وفق "قواعد الأداء" العاديّة و اليوميّة، و التي هي تختلف عن المطروح في الثّرثرات الأكاديميّة التّقليديّة لدراسات "معايير الأداء"، حيث أن هذه الأخيرة تفترض أن "العمل" أو "الإنتاج" أو "الأداء"، يُمارسُ في بيئةِ عمل نموذجيّة أخلاقيّاً و علميّاً، و لا تأخذ بعين الاعتبار "التّسرّب" الكبير لقيم العمل أثناء الممارسة الإداريّة أو العمليّة الاقتصاديّة بدوافعها الاجتماعيّة المؤطِّرة لقواعد السّلوك.

 يمكن القول في "قواعد الأداء"، إنّها تلك "القواعد" المحفّزة للعمل الذّاتيّ، بمعزل عن "الحوافز المادّيّة"، الإداريّة أو الإنتاجيّة؛ و تتمحور القواعد من النّوع الأوّل حول النّسبة التّقريبيّة للإنتاج المادّيّ أو الإداريّ و تناسبه مع عدد العاملين و ساعات العمل و أهداف و غايات العمل؛

و هذا النّوع من الأداء ليس له معايير في المقاييس الرّقابيّة الإنتاجيّة و الأدائيّة في "الهيئة المركزيّة للرّقابة و التّفتيش"، أو "في الجهاز المركزيّ للرّقابة الماليّة"، في (سورية)، الجهتين المخوّلتين وفق أنظمتهما الدّاخليّة و مهامّهما التّأسيسيّة لممارسة الرّقابة على أعمال الحكومة؛

و ينجم عن هذا الوجه من "الاختناق المؤسّسيّ" اضمحلالٌ في كمّ الأداء و نوعيّته و تسرّبٌ زمنيّ في وقت العمل نحو الاهتمامات الخارجة عن العمل المحدّد للمؤسّسة أو المنشأة، و بالتّالي تزعزع لقيم الإدارة و الإنتاج الخاصّة بكلّ حالة من حالات القيم العمليّة المرتبطة بالبنية النّوعيّة للعمل..     

كما يرافق ذلك استهلاك مباشر للأجر المدفوع للعامل في غايات منفصلة عن العمل، و ربّما تتعارض معه على نحو من الأنحاء..     

و هذا ما ينعكس على "معدّل النّموّ" الخاصّ المرتبط، في المحصّلة، بعمليّة التّنمية في هذا المفصل الحكوميّ أو ذاك.

و عندما يتمّ احتساب القيمة الكلّيّة، الكمّيّة و النّوعيّة، لهذا "الضّياع" أو "الفقدان"، تنجلي أمامنا صورة مفزعة للتّسيّب الحكوميّ في أداء العمل الاقتصاديّ و الإداريّ، ما ينعكس انكماشاً في البنية الهيكليّة للعمل، و بالتّالي، "اختناقاً" في المراحل المتوالية لخط الغايات المخطّطة ، افتراضيّاً، لإنجازها وفق غايات العمل و التّأسيس.

•  و أمّا الوجه، الثاني، الآخر، لاختناق المؤسّسة، فهو في السّلبيّة الموضوعيّة النّاجمة عن احتلال "العامل" في خط الاقتصاد المختنق ، لفرصة عمل  يحتاجها شخص عاطل عن العمل مقابل ذلك العامل، ما يُفضي إلى احتكاريّة و تهميش متناقضيّ الاتّجاه، و هو ما يؤدّي إلى تهميش احتمالات تطوّر المؤسّسة عبر الزّمن و تلبيتها للحاجات الاجتماعيّة و الاقتصاديّة و الإداريّة، و بالتّالي فقدان المصلحة العامّة و انتقاصها من عمليّة "التّنمية".

يرافق الحالاتِ المرسومة على نحو ما تقدّم تحدّياتٌ أخرى، و يمكن إحصاؤها بناءً على تقدير أو تقنين كيفيّات الزّمن و كمّيّاته، المسروق من القيمة التّبادليّة في "الأجر" المصروف، و معرفة و تحديد على أيّ من الأوجه السّلبيّة تسخّر تلك المدفوعيّة العامّة، الحكوميّة، و أين؛

و تحقيقاً لأيّ نوع من الأهداف و الغايات الخاصّة، هذه التي قد تصل حتّى التّآمر على "الدّولة" التي تدفع أجر هذا "التّآمر"، أيضاً، في الوقت ذاته.      

لا تُنفّذ أو تمارس منظومة للعمل العام، ما لم تكن في جو من الانتماء الوطنيّ الذي يُقاسُ بأخلاقيّات الإدارة و الإنتاج و أخلاقيّات السّياسات العامّة في "النّظام" و "الحكومة"، بما هي تتعرّض في هذه الحالات لما نسمّيه في التّحليل الاقتصاديّ- الماليّ القوميّ بِ"ضعف كفاءة الإنفاق"، أو "تقلّص المردوديّة" و "انكماش قيمة العائدات"..، و كلّها مصطلحات اقتصاديّة و ماليّة تعبّر عن تدنّي شروط بيئة العمل بشكلٍ حادّ؛

 و نحن، هنا، بالضّبط، علينا أن نفتّش على الإخلاص في الانتماء و الولاء للقيم السّياسيّة الوطنيّة، بوجه عامّ.

 يعمل الفكر الاقتصاديّ الّليبيراليّ التّقليديّ، الخاصّ، في مثل هذه الحالات، على "سياسات تحريريّة" للاقتصاد و الأسواق، ظنّاً منه أنّ ذلك يُعالج الحالة هذه تبعاً لما يُسمّى "التّرميم الذّاتيّ" للنّظام أو للسّوق؛

 و لكنّ ما يفوت "سياسات التّحرير"، هذه، هو أنّ المنافسة التي هي مسؤولة عن تسوية الأوضاع الاقتصاديّة و الماليّة المتناقضة أو البطيئة أو المنكمشة، إنّما هي محدودة في "المؤسّسة" الحكوميّة و طبيعتها في توزيع الفرص على الجميع..

 فبينما يتّجه "السّوق" إلى "التّحرّر"، يرتفع منسوب "الاختناق" المؤسّسيّ، لأنّ ما ينعكس من "السّوق" المتحرّر، في المنافسة، يُنتج إجحافات متزايدة بحقّ ذوي الدّخل الحكوميّ غير المحرّر، في ظلّ دخولٍ عامّة و مرتّبات ماليّة و أجور عامّة محدودة بسقوف نهائيّة، تبعاً لطبيعة "النّظام التّشغيليّ" العام المرتبط بالمؤسّسة الحكوميّة.

و هذا أحد أسرار فشل "السّياسات التّحريريّة" في بنية عامّة إداريّة و اقتصاديّة، هي من "مخلّفات" مؤسّسات التّحوّل الاشتراكيّ، التّقليديّ، في هيئة "القطاع العام"..     

إنّ الذي يُطرح في هذه الحالة، إنّما هو "المساءلة السّياسيّة" للحكومة حول فعّاليّاتها التّشريعيّة و التّنفيذيّة و الإداريّة..     

و هذا، عادة، ما ينبغي أن يتمّ قبل التّوجّه إلى الاهتمام بسياسات محاربات الفساد، بشكل سطحيّ أو أفقيّ، و بالنّتيجة في المحاولات الفاشلة و النّاقصة و العاجزة و المحدودة.

لا يمكن للدّولة التّفكير بسياسات عادلة اجتماعيّاً، ما لم تكن قادرة على ممارسة المساءلة الحازمة و الشّفافة للحكومة، على أعمال الحكومة..

و في هذا الإطار أثبتت الأجهزة الرّقابيّة و التّفتيشيّة التّقليديّة، عجزها عن أداء دورها المرسوم في غايات تأسيسها، نظراً لاندماجها في أمراض الإدارة المسلكيّة، بدلاً من أن تكون سدّاً في وجه هذه الأمراض.

إنّ ما يدعو إلى توجّس الخوف و القلق، بعد ذلك، هو الواقع الذي نجم عن الحرب، اقتصاديّاً و إداريّاً.

يتعاظم الهمّ السّياسيّ أمام هذه الصّورة المترديّة من الكفاءات الكلّيّة و القيم الهابطة المكوّنة لها، مع الحاجة الأسطوريّة إلى الأخلاق المسلكيّة العبقريّة في أعمال الحكومة و الاقتصاد و الإدارة و الإنتاج؛

و هو ما يدفع إلى السّؤال الدّائريّ: "كيف"؟

كنّا في سياقات مشابهة، قد تحدّثنا، سابقاً على شيءٍ من هذا و شيء من ذاك. و ليس ثمّة إضافة نوعيّة شافية في هذه المناسبة، سوى أن ندوّر الفكرة، من جديد، على ضرورة النّظريّة النّقديّة في مختلف "القيم"، و ما يمكن أن تقدّمه من حلول كنّا قد قلناها أو قلنا شيئاً عليها، و لن نكرّرها، هنا، و يكفينا أن نشير إليها إشارات عابرة.      

من المهم، هذه المرّة، أن نركّز على كيفيّات قراءة واقع "التّنمية البشريّة"، كجزء من "التّنمية"، بعد أن أصابها ما أصابها من تراجع و تردٍّ في التّعصّب و التّطرّف الاجتماعيّ، نتيجة تنامي شعور الانفصال و الانقسام، و ربّما، عند البعض، واقع شعور الانتقام و الثّأر، و دخول الاقتصاد القوميّ الكلّيّ في اقتصادات الحرب..     

و هو ما ينعكس خسارة مباشرة في "رأس المال" الرّمزيّ، أو رأس المال الفعليّ و لكنْ غير المقوّم نقديّاً، متمثّلاً برأس المال البشريّ، الاجتماعيّ، الذي يُعدّ في عداد عوامل التّنمية، و بخاصّة في "الاتّصال" القسريّ في مجالات "التّربية" و "التّعليم" و "الصّحة"، و مؤشّرات تردّي الدّخل نتيجة لاهتزاز قيم التّشغيل و العمالة..     

و بخاصّة في القطاع الخاصّ.. مع العلم أنّ "الوظيفة العامّة"، هي، أيضاً، لن تنجو من منعكسات هذا التّردّي الموضوعيّ في أخلاق العمالة و التّشغيل..     

و هذا فيما إذا استثنينا واقع الهجرة الخارجيّة و الدّاخليّة و التّشرّد المرافق، و أثر ذلك على إطار الموارد البشريّة و التّنمية البشريّة.

في الواقع، يشهد المجتمع ارتفاعات غير منضبطة لمعدّلات الفقر و اتّساع الشّريحة الاجتماعيّ العامّة التي دخلت في اقتصاد الكفاف، كما يعلم الجميع؛      

و لقد سرّع هذا و فاقمه واقع افتقار الدّولة – الحكومة إلى استراتيجيّة وطنيّة شاملة و فعّالة لهذه الأزمة العميقة في الحرب، و دخول السّلوك الحكوميّ في الارتجال و ردّ الفعل الخائر أمام وقائع مستحدثة عميقة و تحتاج إلى "نظام" حازم من المواجهة و المعالجة، يكون في الأصل، له تقاليد في مقدمات تقليديّة يبنى عليها..      

و هو الأمر الذي أثبتت الحرب أنّه مفقود، عمليّاً، في نظام الإدارة و في تنظيم الحقول الحكوميّة و الاجتماعيّة المرتبطة بالاقتصاد في الإدارة و الإنتاج و التّوزيع و الاستهلاك، و ضبط ممارساتها، هذه، في ظلّ تداعيات الحرب المتوالية.

لقد واجهت الحكومة، و لأسباب منها ما هو حقيقيّ و منها ما هو زائف، مسألتي الإنفاق "الاستثماريّ" و "الجاري"، بتقليص كبير أدّى إلى إعادة توزيع الدّخل، موضوعيّاً، توزيعاً مشوّهاً خلق معه "طبقات" و فئات اجتماعيّة و اقتصاديّة، جديدة، أثرَتْ نتيجة زيادة معدّل الفساد الحكوميّ و الاجتماعيّ، فشكّلت خرقاً اجتماعيّاً عموديّاً في بنية و تراتبيّة المجتمع التّقليديّة و الطّبيعيّة، و أصبحت عبئاً قاد إلى تشوية البنية الاجتماعيّ و الثّقافيّة، إلى درجة خلق مجتمع غريب عن ذاته..     

و ذلك بدلاً من أن يكون المجتمع قد استطاع، بثقافة الحرب و ضروراتها، أن يواجه الأزمة العميقة للعلاقات الكلّيّة بثبات و إبداع.

لم تحْظَ مسألةُ "الإنفاق" الاجتماعيّ، الحربيّ، بأيّ اهتمام حقيقيّ، و لم تأخذ أيّة حصّة من حقّها في الدّراسة المتأنّية و الخلّاقة، و من واجبات الحكومة نحو ذلك..    

و لقد أدّى هذ الواقع إلى انضمام "الحكومة"، نفسها، إلى واقع البنية الاجتماعيّة المشوّهة، ذاتها، التي خلقتها الحرب، فكانت الحرب "فرصة" تاريخيّة، إضافيّة، للفساد الحكوميّ، بدلاً من أن يكون الأمر على العكس تماماً.

ليس من الصّعب إثبات هذه الحقيقة، و ذلك بنظرة سريعة إلى واقع العلاقات في التّسيّب الإداريّ و الإنتاجيّ الزّراعيّ و الصّناعيّ و الخِدْمَاتيّ و التّربويّ و التّعليميّ و الإعلاميّ و الصّحيّ، و تضخّم الإهمال الإداريّ، و من ثمّ إعادة تنظيمه تنظيماً فاسداً استفاد من واقع التّأزّم العميق للحاجة الاجتماعيّة و معطيات "الحرّيّة" السّائبة و المستهترة بكل ضابط، في الظّروف الجديدة.

ما تواصلَ من مقدّمات هذه الأزمة التي خلقتها الحرب، مع مظاهر و وقائع الأزمة المباشرة، هو ما يمكن أن يرتبط، أصلاً، بالتوجّهات الاجتماعيّة قبل الحرب..      

ففي الوقت الذي تقوله الوقائع و الاحصائيّات الأوّليّة و البسيطة عن ارتفاع "معدّل النّمو" العام في (سورية)، بين (2001 – 2010م)، إلى ما نسبته تقارب (5%)، لم يتجاوز معدّل حصّة الفرد الاجتماعيّ من عائد النّمو الإجماليّ، ما نسبته (2%)، في مجتمعكان قد ارتفع فيه معدّل الفقر و الكفاف قياساً بالدّول النّامية الأخرى..      

مع العلم أنّه يُحتسب، تقليديّاً، في الاقتصاد، إجمالي "الإنفاق الاستثماريّ" (بمعزل عن "الجاري")، في عداد معدّل نموّ عائد الفرد القوميّ، في نسبة توزّع و تضاف إلى مستويات الدّخل الفرديّ القوميّ، "الجاري"، أيضاً!؟

لن ندخل في تفاصيل اقتصاديّة كثيرة و لكنّنا سنشير إلى مسألتين اقتصاديتين رئيسيتين، أسهمتا، مباشرة، بهذا التّناقض الغريب و المدهش، و أعني ما أورده " تقرير تحدّيات التّنمية في المنطقة العربيّة، لعام (2011م)"، و الصّادر عن "برنامج الأمم المتّحدة الإنمائيّ"؛

المسألة الأولى، هي أنّ "إسهام قطاع الصّناعات الاستخراجيّة في النّموّ كان سلبيّاً"، أي متراجعاً؛

و المسألة الثّانية، هي أنّ "إسهام القطاع الزّراعيّ في النّموّ قد اقترب من نسبة الصّفر"..!

هذا مع العلم أنّنا لا نستطيع أن نعكس أزمة آثار الحرب، هنا، بشكل مباشر، لأنّ هذه "المقاييس" تعكس فترة زمنيّة "سابقة" من "التّراكم" الاقتصاديّ؛ لا سيّما أنّ "التّقرير" يعكس نتائج الفترة ما بين (2001- 2010م).

إنّ واقع "الإدارة" و "الإنتاج"، في منظور اقتصاديّ، في (سورية)، إنّما يعكس بشفافيّة و وضوح هذا "الاختناق المؤسّسيّ" الذي نتناوله، في هذا الحديث، في إطار ما أسميناه "التّنمية االمستحيلة".

ما ينضافُ إلى هذه الصّورة (الأزمة) من أطر أخرى، تساهم في تعميقها، و تجعل منها "ظاهرة" عامّة وطنيّة، هو مجموعة من العوامل التي لا تنفصل بطبيعتها عن "اختناق المؤسّسة"، و هي عومل مرتبطة بأساسيّات "تنظيميّة" مثل التّنفيذ الهزيل للإصلاحات المؤسّسيّة، عن طريق قوانين لا يجري تنفيذها أو أنّها تضيع في إطار "التّعليمات التّنفيذيّة" و القرارات و الّلوائح التّظيميّة الحكوميّة، ما يشكل اعتداءً من قبل الحكومة على "القانون"؛

و غياب الإصلاحات المتعلّقة بمكافحة الفساد الحكوميّ؛     

و هدر المال العامّ..؛     

و الإجراءات القضائيّة الفاسدة و الرّكيكة و المعقّدة؛     

و ضعف مساءلة الحكومة عن تنفيذها للخطط و عن إدارة الموارد العامّة، بما في ذلك غياب المعايير الحكوميّة الحقيقيّة للتنصيب و التّوزير و صناعة المفاصل الإداريّة المتينة، و فوضى المحسوبيّات.

يمكن أن نضيف هذه الحالة، أو الحالات المفصّلة، الأخيرة، إلى أسباب و عوامل "الاختناق المؤسّسيّ"؛ لتظهر أمامنا الصّورة الكاملة لوضع "الدّولة" في حقول العمل و الإدارة و الإنتاج و التّوزيع.

و هكذا لا يقف الوضع على "الجانب"، المؤسّسيّ "الاقتصاديّ"، و ذلك ليدخل في الباب "السّياسيّ"، إذا كنّا نعتقد.. بعلاقة الاقتصاد بالسّياسة اعتقاداً حقيقيّاً كما هو عليه الأمر في الواقع المباشر.

إنّ التّحدّيات السّياسيّة المباشرة منها، بخاصّة، و القريبة و اليوميّة، تتعزّز بواقع الاختناق الاقتصاديّ و الاجتماعيّ، بحيث أنّه مع أنّ "السّياسة تكثيف للاقتصاد" (لينين)، إلّا أنّها أيضاً تتحوّل إلى محضِ إدارةٍ للأزمة الاقتصاديّة الاجتماعيّة عندما يكون أو يشكّل واقع تردّي "المؤسّسة" العامّة، ظاهرة فاعلة و مستدامة و مستمرّة و "مستقرّة"..؛ و هو ما يطرح، بجدّيّة، أثر عوائق "التّنمية"، المشروحة، أعلاه، على القرار السّياسيّ للدّولة.

إنّ مفهوم "إدارة الأزمة" ، يصبح مفهوماً مستحيلاً مع واقع الحرب ، إذا كان قد أعطى نتائج "اصطلاحيّة"(!) في ما قبل الحرب.

يُتيح، في الأصل، واقع "الاختناق المؤسّسيّ"، "إدارة متردّدة" و عاجزة عن ابتكار الحلول القياديّة الرّائدة، بحيث تعمل، هي نفسها، على استمراريّة "الأزمة" و  المحافظة عليها، من أجل استثمارها استثمارات خاصّة و شخصيّة مجرَّبة و مثمرة؛ إلى أن ينضاف عجزها إلى رغبتها في هذا "الواقع"، و إلى عدم انصراف "إرادتها" إلى إيجاد البدائل الممكنة، أو طرح معضلات "التّطوير" للنّقاش أو للبحث و الاجتهاد.

و إذا كانت "الإدارة"، في رأينا، هي سياسة تنفيذيّة، أو تنفيذ للسّياسة، فإنّ مشكلة "الاختناق المؤسّسيّ" تتحوّل، تلقائيّاً، إلى "اختناق سياسيّ".

 عندما تتحوّل "الدّولة" السّياسيّة إلى  "هيكليّة إداريّة" موسّعة، و ظيفتها "إدارة الأزمة"، فإنّنا نكون أمام حالة من حالات "غياب الدّولة"، في الدّولة.

 و عندما يُصبح "القرار السّياسيّ" ملحقاً بإدارة الأزمة، بدلاً من العكس تماماً، أي بدلاً من أن يكون "القرار السّياسيّ" في مواجهة "الأزمة" و مظاهرها و أسبابها و نتائجها..      

فإنّ هذا "الواقع" يعني، ببساطة، فقدان "الدولة" لكادرها السّياسيّ – الحكوميّ القادر على معالجة "الأزمة" و التّصدّي لها، و الرّاغب، أصلاً، في ذلك؛

و تُفضي بنا هذه الحالة إلى ما اسميناه "غياب الدّولة" بوصفها ظاهرة سياسيّة، و ليس بوصفها ظاهرة حكوميّة، و حسب.

لا تكون، في تاريخ "الدّولة"، لا تكون "الحكومة" عبئاً على "السّياسة"؛ بل، بالعكس؛ هي تكون، و ينبغي أن تكون "الحكومة"، قاعدة للدّولة السّياسيّة، لا تكتفي بتنفيذ "السّياسة" العامّة المتضمّنة في "القرار السّياسيّ"، الصّائب، فقط، و إنّما يمتدّ أثرها، في وظيفتها الجوهريّة، إلى إنتاج "السّياسات" التّنفيذيّة الدّاعمة للدّولة السّياسيّة؛

و إنّه في أيّ تناقض أو شرخ في هذه المعادلة، فإنّ الحكومة تصبح عبئاً مباشراً على "القرار السّياسيّ"، إن لم تكن قد أصبحت "عبئاً" حقيقيّاً على الدولة بوصفها السّياسيّ السّياديّ.

لا قيمة للخطاب الفكريّ إن لم يكن محرّضاً على أسباب العجز الاقتصاديّ و الاجتماعيّ و السّياسيّ؛ و بخاصّة عندما يصبح الأمر يتعلّق، كما قلنا في بداية هذا الحديث، بالثّقافة السّياسيّة العامّة التي تنتج "المؤسّسة" المناسبة لها..     

و عندما  تثير "مشكلات التّنمية" أيضاً، مسائل التّحدّيات المرتبطة بالهويّة و المواطنة، تماماً كما هو الأمر عليه، عندنا، في (سورية)، اليوم!

 ما أنجز هذا الواقع التّاريخيّ من "الاختناقات" المتعدّدة، إذاً، إنّما هو ذلك الواقع المرتبط به، من "النّفاق" السّياسيّ الذي أصبح ظاهرة إداريّة و حكوميّة ، الذي كان يشتغل، في (سورية)، كأجير عند "المؤامرة" التّاريخيّة التي استبدّت بالبلد.

 أمامنا، و بين أيدينا، "أرقامٌ" و "حقائق" حول هذا الحديث، لا تقال، هنا، و لكنّهاموجوزة وواضحة ومؤكّدة!

من الطّبيعيّ أن ننظر إلى الأزمات بتفاوت تبعاً لاختلافها و تنوّعها و أسبابها و درجة شموليّتها مع خلفيّاتها التّحليليّة منها و التّركيبيّة؛ و في هذا الإطار ثمّة مقترحات من علماء التّنمية و الإدارة تنصح بأن يكون علاج "الأزمة" سابقاً على نضوجها المُعَنِّد، و ذلك عن طريق توفّر الكادر الإداريّ و السّياسيّ و التّنظيميّ المختص، أو الّلجوء إليه و الدّفاع عنه وفق منحه الصّلاحيّات الواسعة التي تمكّنه من "المواجهة".

الأهمّ في هذا الاتّجاه هو العمل وفق "نظريّة إجهاض الأزمة"..

و تقضي هذه "النّظريّة" بالقضاء المخطّط على مقدّمات الأزمة و الذي يشترط تحليليّة شاملة و عميقة للموارد و الأهداف و الكوادر المتاحة، أو تلك التي لا تكون متاحة و لكن من الممكن توفيرها عبر آليّات و أدوات انتقائيّة، تتجاوز مفهوم كفاية التّخصّص و الخبرة إلى واقع الصّفات الشّخصيّة للعاملين، و التي تنضاف إلى المعطيات و العوامل الذاتيّة في الاختيار.

إنّ القضاء على مقدّمات الأزمة قبل أن تولد، مرتبط بالقضاء على أسبابها المحتملة و هو ما يُسمّى في علم الإدارة "الوقاية" النّوعيّة من اتّجاهات سير العمل في النّتائج الهزيلة أو غير المرغوبة أو التي يتّضح أنّها تشكّل خطراً في نتائجها الممكنة.

تتّبع هذه "النّظريّة" حكمة هنديّة تقول: "إذا رأيتَ حجراً في دربك، فأزله و لا تنتظر حتّى تتعثّر به"؛ و نضيف، نحن، إلى هذه الحكمة: "حتّى لا يتعثّر به غيرك، أيضاً".

من الواضح أنّ تطبيق هذه النّظريّة، إنّما يبدأ بالنّقد و بالاستماع إلى النّقد و بتقبّل النّقد من قبل المرجعيّات الهرميّة الأعلى، عندما يكون النّقد يُشير، بخاصّة، إلى مشكلة وشيكة الحلول أو مشكلات متعدّدة؛

و ترتبط هذه الاستراتيجيّة الوقائيّة بما يعرف في التّقنيّات الإداريّة بالتّحليل الوقائيّ للأزمات، و توفير قاعدة بيانات خاصّة بالتّحليل المعاصر للأزمات، تشكّل مرجعيّة علميّة و واقعيّة متراكمة تجعل منها علماً عمليّاً في إدارة الأزمات التي قضت الظّروف المختلفة التّعرّض لها؛      

حيث لا يكفي، في مثل هذه الحالات، النّقد السّلبيّ، بل تتعدّاه الحاجة إلى المعالجة و وضع الحلول و اقتراح الاستراتيجيّات.

يظهر في هذا المستوى من الحديث ذلك الدّور الذي يؤدّيه القادة الإداريّون و السّياسيّون في مواجهة الحالات الاستثنائيّة من الحياة العامّة، و بخاصّة في الظّروف الاستثنائيّة المعروفة، بالقرارت الاستثنائيّة، أيضاً، و التي ترتفع إلى مستوى التّجرّد الشّخصيّ أو الخاصّ و العاطفيّ، بتجاوز لتلك العلاقات "المنطقيّة" التي غالباً ما كانت تخفي وراءها ضعفها الخاصّ المرتبط باختلاط النّزعة الشّخصيّة، و أيّاً كان مضمونها..، بظروف القرار القياديّ.

يتطلّب القرار القياديّ، أوّلاً، وضع الاستراتيجيّات البديلة، عندما تثبت الظّاهرة أو مجمل الظّواهر، فشل إمكانيّة معالجتها وفق استراتيجيّات معمول بها أو مجرّبة ؛ ليتحوّل الاهتمام، في ما بعد، إلى توفير جملة "العوامل" و "الموارد"، ما أمكن، لتنفيذ تلك الاستراتيجيّات البديلة.

يظهر في هذا السّياق، أيضاً، أمْرٌ على قدر كبير من الأهمّيّة، و هو أنّنا ليس علينا أن ننتظر نتائج مختلفة لتنفيذ استراتيجيّات بديلة بواسطة الكادر الذي كان يعمل وفق الاستراتيجيّات السّابقة و الفاشلة..     

إذ أنّ كثيراً من مشكلات و سياسات العمل التّنفيذيّ تتعلّق بآليّات التّنفيذ و وجهة النّظر المتراكمة في عادات التّنفيذ، و التي لا يمكن التّخلّص منها بالسّهولة التي يتصوّرها البعض.

إنّ تحقيق الأهداف البديلة لا يمكن أن يكون ممكناً من دون أدوات و قوى و وسائل و طاقات بديلة في المراكز و المفاصل الأساسيّة في اتّخاذ "القرار"، بما هو هذا "القرار" نتيجة علميّة يعرفها أولئك الذين خضعوا لعلوم "اتّخاذ القرار" التي تدرّس ، باستقلاليّة، و مناهج نوعيّة، و عندنا في (سورية)، أيضاً!

إنّ "الدّولة"، أو "النّظام"، هي ظاهرة بلا ضفاف، لأنّها لم تبدأ بقانون و لكنّها، و للضّرورة، هي من اخترع القانون؛

و النّتيجة المباشرة لكون الدّولة واقعة أو ظاهرة بلا ضفاف، هي أن تبقى تعمل وفق هذه الحدّيّة المنفتحة، و أعني عدم التّحديد؛ و هذا لا يعني بالتّأكيد عدم "المحدوديّة"، و إنّما أريد منه أن أبين خطر "التّحديد" في التّقليد السّياسيّ لممارسات الدّولة في النّظام.

إنّ ثبات تقاليد الدّولة "العميقة" لا يعني، أبداً، محدوديّة هذه التّقاليد و جمودها، بقدر ما يعني استعداد الدّولة، سياسيّاً و تنظيميّاً، للتّضحية بالكثير و بالكثيرين، للدّفاع عن فكرتها بوصفها "الدّولة" و "النّظام" و "الدّيمومة" و "العدالة"، من أجل تلك "التّقاليد"، و التي لا تعني هنا "التّكرار" بقدر ما تعني "الشّخصيّة" الثّابتة للدّولة في الاعتبارات المتقلّبة في مختلف الظّروف.

إنّ هذه المسألة الحسّاسة لا تخضع إلّا للفهوم الدّقيقة، تلك التي تدرك أنّ ثمّة شيئاً مستداماً يجري في "عروق الدّولة"، و هو شيءٌ خفيّ على الأغلب، و لكنّه فاعلٌ بدأب و انتظام؛     

و هو "فكرة الدّولة" على نفسها كدولة، و عدم ترحيل أو تأجيل المسؤوليّات الجسام التي تتطلّبها ديمومة الدّولة في "الفكرة".

هذا أمرٌ أشدّ أهمّيّة ممّا يبدو عليه، في النّظرة الأولى أو السّريعة؛ فهو يرتبط مباشرة، و أوّلاً، بموقف الأفراد و الجماعات و االقوى و المؤسّسات بالذّات، نحو الدّولة كفكرة و شخصيّة قائمة بذاتها، لا يمكن لأحد تجاوزها بهذه البساطة التي نستعرضها، أمامنا، في الظّروف التي يجري فيها الاستهتار المتعمّد و المقصود و المخطّط و المنظّم، بالدّولة و النّظام .

يكاد أن يورد المرء أمثلة كثيرة و بليغة على هذا "الاستهتار" المبرمج الذي تمارسه قوى و أفراد في الدّولة و النّظام و المؤسّسات العامّة في (سورية)، و لكنّ مجرى الحديث لا يتّسق، بعمقِهِ، و بمسؤوليّته السّياسيّة التّاريخيّة، مع التّشخيص و التّمثيل الذي يؤدّي كلّ منهما، هنا، إلى الاستخفاف بالاستراتيجيّات.

 من المقصود أن نتوجّه، هنا، إلى ربط نتائج هذا الحديث، بمسألة اعتباريّة قصوى، و هي "هيبة" الدّولة و "مَضَاءُ" النّظام؛ و هذا هو الجزء الجوهريّ في "فكرة" الدّولة، بالذّات.

يتيح لنا هذا الشّرح أن نقول إنّ صورة الدّولة المعاصرة، بما هي ظاهرة تاريخيّة اجتماعيّة و سياسيّة و اقتصاديّة، لا يمكن استيضاحها المعاصر من دون أن يعمل و يفكّر القادة والساسة وأصحاب القرار، في ضوء أنّ الصّراع التّاريخيّ قد تعقّد، اليوم، كثيراً، من حيث أنّه كصراع "طبقيّ" أو "فئويّ" أو "فكريّ" ، إلخ ؛ لا يمكن أن يُحدّد إلّا في "المشاريع التّنظيميّة" المتصارعة على "السّلطة" و "الشّرعيّة" و "السّيادة",

 و بهذا علينا أن نتفهّم، عمليّاً، كيف أنّ للصراع "التّنظيميّ" -و أعني حتّى الصّراع في "الدّولة" الواحدة و "النّظام" الواحد، و لكنْ في أهداف متغايرة و متناقضة - إنّما هو مرتبط مباشرة بِ"المادّة التّاريخيّة" بوصفها منهلاً للثقافات و القناعات و العنف، و "المادّة الاجتماعيّة" بوصفها مجموعة جُمَلٍ و علاقات منقسمة عموديّاً، و "المادّة العلميّة" المعاصرة بوصفها أدوات و خبرات يجري استخدامها في الخطابات المتناقضة و التي "توحي" (و توحي، فقط) جميعها بأهداف عمليّة و تنظيميّة واحدة؛      

إذ أنّه حتّى الاقتصاد، ناهيك عن السّياسة و الاجتماع، إنّما هو "مادّة أيديولوجيّة", أيضاً.

إنّ "النّظرة السّياسيّة" إلى "الأزمة"، و بخاصّة عندما تتّخذ هيئة "المبيان السّياسيّ"، لا يمكن لها أن تكون على الحياد، بإثبات أنّ "الأزمة"، نفسها، ليست مكوَّناً حياديّاً، بقدر ما هي فعل مقصود.

إنّ كلّ حيادٍ هو نفاق تاريخيّ، في السّلم و الحرب؛ ذلك لأنّ "الحياة" بطبعها منقسمة في المكان و الزّمان في الأرض، و بخاصّة عندما تدخل هذه "الحياة" الوضع العمليّ المرتبط بأهدافه المختلفة و المنقسمة و المتباينة بقدر ما هي "الحياة"، نفسها، تسمح بهذا "التّنوّع" في الوجود و الصّراع.

يبقى أن نخفّف عن أولئك المتشائمين التّاريخيين، من حيث نظرتهم إلى "الواقع" الذي لا يمكن تغييره، و لو كانت الانطلاقة، طبعاً على أن تكون.. من واقع تجربة "التّنمية المستحيلة" و التي أخذت في التّعبير طابع "المجاز"..

و في الوقت نفسه أن نشير إلى تفاؤل عمليّ في إمكانيّة أن يكون "الخطاب" السّياسيّ – الفلسفيّ (لكي لا نقول فلسفيّاً- سياسيّاً، فهذا أصعب بالوقع على الأدمغة!) هو مقدّمة للحلول التّاريخيّة المسؤولة؛ و ذلك بواسطة "قانون التّراكم"، نفسه، الذي يُريح المروءة من تجشّم عناء وَهْمِ الاستحالة و التّعذّر، من جهة أنّه قانونٌ فاعل من وجه أنّ أكبر الحلول الاجتماعيّة و الاقتصاديّة و السّياسيّة، إنّما تبدأ كما الغيث الذي تفتتحه القطرة الواحدة الأولى، التي تُسارع بالتّكاثر و الاتّساع و العموم..

***

فعقّب الشاعر ياسين الرزوق زيوس بالتالي:أ ياسين الرزوق1

مع سلاسلك نخرج من اختناق يغزونا باختناق إلى انفراج و لو على صعيد الفكر يخرجنا من تردي المؤسسات و تردد الإداريين في هذه المؤسسات الذين يفتقدون قرار رفعها و هم ينزلونها من هاوية إلى هاوية دون أن يجدوا لها و لو غرفة إنعاش ضيقة!

نعم هناك رؤية شيقة لزعيم التطوير المؤسساتي في العالم "فريدريك تايلور" تقضي بضرورة فصل الإدارة عن السياسة مما يجعل المهارة و الكفاءة في واجهة اختيار  قادة المؤسسات لا زعماء الطغمة الفاسدة المنحلة و الزعامة بمفهومها التسيدي لا تصنع قائدا إداريا ناجحاً في تدوير رحى المؤسسات كي تطحن كل مؤشرات التراجع و التخلف و كل بوادر الاختناق ليستنشق العمال رائحة القوانين المؤسساتية الحقة لا رائحة الانزياح عن هذه القوانين و الخانقة بكل معنى الكلمة!

و هناك أيضاً الفرنسي "هنري فايول" الذي شجع على المركزية و التقسيم الإداري بما يضمن عمالة تلعب في جو من التسلسل المنطقي رافضاً فكرة القفزات و مشجعاً في نفس الوقت فكرة الانصياع بالفكرة لصالح مركزية المؤسسة التي يكافئ قادتها هذا العامل من منظور لا يخترق مركزية المؤسسة و بنيتها و من منطلق أن  الإنجاز الإبداعي لا يكسب قيمته الحصرية دون أن تكون المؤسسة مرجعية مركزية في ذلك!

و هاهو "جورج إلتون مايو" و تجارب "هاوثورن" في الالتفات إلى العامل كإنسان و إلى أهمية تفاعله مع المحيط الاجتماعي الإنساني كي لا يختنق في نظريات بقدر حداثتها تطبق عليه بكلاسيكية مفرطة و دور هذا التفاعل الإنساني في خلق الراحة الروحية و النفسية مما يقتضي إسقاطات ترفع الإنتاجية داخل المؤسسات و تجعل بناها متعالية..

و هذا ما يجب التركيز عليه لدى حكومات سورية المتعاقبة التي يستمر في رقصاتها البعيدة عن منطق الدولة الرفيق "عماد خميس"  الذي لا ندري هل أدرك أغنية "هلا بالخميس" أم أنه ألف أغنية شعب الخميس المختار!

الدولة التي تتخبط في مدارات الإدارة بما فيها إدارة الأزمة لتجعلها بؤر اختناق مدمر و قاتل و هذا ما يجعل الرئة الاقتصادية للدولة التي تنفق أغلب ميزانيتها على الحرب متعبة..      

و مع ذلك هذه الدولة نفسها لا تقدر على تمييز الإدارة المتغاضية بانغماس عن الإدارة المنغمسة بتغاضٍ مقصود..
فالإدارة المتغاضية بانغماس هي شريك في رفع ضرائب الفساد على المواطن و بشكل و قيمة أكثر بكثير من ميزانية الدولة نفسها التي للأسف من المفروض أن المواطن أحد مقوماتها و ركائزها مما أجبرها على غض البصر عن كل ارتكابات الفساد خاصة هناك في هرم حيتان الأسواق و تماسيح المؤسسات.

 بينما الإدارة المنغمسة بتغاضٍ هي إدارة فاشلة حيدت نفسها و وصمت جبينها بالفساد رغم أنها ليس من الضروري أن تكون فاسدة بل ضعيفة واهنة تغاضت عن كل أمر لم تتجرأ على أخذ دورها فيه مما أفقدها هيبتها و فقدت بالتالي ثقة المواطن الثمينة!

 إن الجهاز المركزي للرقابة و التفتيش بات هزيلاً لا يسمن و لا يغني من جوع المواطنين إلى محاسبة الفاسدين لأنه دخل في مركزية الفساد و سلم قراره في مفاصل تعيين كثيرة له و هذا ما جعله مؤسسة مفككة غير مترابطة على مكافحة الفساد و تقويم المؤسسات بقدر ترابطها على إنعاش الفساد و تهديم المؤسسات..     

و هذا ما يفقد جوهر القرار السياسي في إقامة دولة المؤسسات لا مزارع الفاسدين داخل الوطن و خارجه ...
و ما الجهاز المركزي للرقابة المالية من منظور ما يخترق المؤسسات ، وفي كثير من الأحيان، إلا فجوة تبييض  لوجوه الفساد و أمواله التي تصيب القطاع العام بأمراض الهدر المزمن و بتفشي الانهيارات الإدارية لكل معنى إداري صحيح قائم على إبداع الفعل العفوي قبل ابتداع النظرية المرجوة ..
في زمن باتت فيه  الأزمة تدار بجنرالات الفساد في ظل تفرغ القرار السياسي الأكبر لرتب الحرب التي بقدر ما ترفع شهداءها تكاد تدفن مصابيها و عائلاتهم.

 و الوطن و أبناؤه يرزحون تحت اختناقات لا حصر لها في زوايا المؤسسات الضيقة  و تحت قرارات لا طائل منها بما تبقى من تردد في أدنى مفاصل القرار حيث لا قرار!

 لنا بسلاسلك فسحة المؤسسات و جوهر القرار بلا تردد و لا خوف من أرباب الفساد... دكتورنا الغالي بهجت سليمان.

***

فيما عقبت الدكتورة رشا شعبان بمايلي:أ رشا شعبان

دائماََ تضعنا أيها الحكيم، الدكتور بهجت سليمان أمام مسؤولياتنا و جملة الأسئلة الواجبة في مرحلة حرجة تمتلك كل التحديات الوجودية.

و لعلّ السؤال في مفهوم" إدارة الأزمة"، يحيلنا إلى واقع إشكالي في "أزمة إدارة"، إنها الأزمة في إعادة إنتاج الأزمة عبر عقول إدارية إما محنّطة، و إما لها كلّ المصلحة في الإبقاء على الواقع السيء و الفاقد لكل المعايير الأخلاقية و الإنسانية و الوطنية، و الأنكى بأنها اختزلت دورها في إعادة إنتاج ذلك الواقع و اجتراره و النمو الشخصي و النفعي الذاتي على حسابه .

إن الفكرة الخلاقة ليست تلك التي تصحّ بذاتها فحسب، بل بسياستها و طريقة إدارتها و مؤسسات تداولها أو أدوات تأثيرها، و نحن عندما نفكّر بصورة خصبة، ليس لكي نتماهى مع ذواتنا أو نتطابق مع الواقع، بل كي ننتج واقعاََ نتحول فيه عما نحن عليه ، واقعاََ جديداََ يتفوّق عما سبق، عبر خلق الوقائع و إنتاج الحقائق بصورة غير متوقعة ولا مسبوقة.

هذا هو العقل الذي يمتلك القدرة على "إدارة الأزمة"، لا ذلك العقل العقيم الذي ينتج الأزمة و يضاعف منها، و يصبح من أدواتها و في جوهرها، و يتصدّر الموقف الخطابي في إمتلاك مفاهيم إغترابية عن فعله و فكره و قيَمه، و ينظّر على الآخرين في أهمية "إدارة الأزمة" و تجاوزها، و يتعامى قصدياََ عن كونه هو الأزمة بحدّ ذاته.

و مما لا شك فيه أننا مدعوون في ضوء الأزمات، للعمل على تفكيك العدّة الفكرية القديمة و المستهلكة لتجديد أشكال المصداقية و المشروعية المعرفية و الخُلُقية و السياسية.

نعم لقد ابتلينا بأجهزة إدارية كانت نتيجتها اختناق المؤسسات.

و بالتأكيد لم تعد التنمية مجرد عمل على الطبيعة و الموارد، بقدر ما أصبحت تتوقف، بالدرجة الأولى على التحولات التي يمكن للفاعل البشري أن يجربها على نفسه، على رغباته و سلطاته و مؤسساته، و خاصة على أفكاره، كما تتجسّد في أنظمة قناعاته و طريقة تفكيره.

إنه الفكر الذي هو رصيد الإنسان و مورده الأول، عند من يُحسن استثمار طاقاته الفكريةوعلى الخلق و الإبتكار أو على الصرف و التحويل أو على التخطي و التركيب، و كل من ينخرط في أعمال التغيير و التطوير و التحديث و تجاوز الأزمة و إدارتها، عليه أن يمتلك هكذا عقل.

لقد أضاف العقل الإداري في الأزمة، أزمات إلى الأزمة، وكان خطابه الفكري و الأخلاقي منفصلاََ عن ممارساته و عن الواقع بآنِِ معاََ.

لقد ابتلينا بعقول استعادة مقدمات الأزمة، بدلاََ من استئصال أسبابها و عللها.

إنها العقول ذات التفكير المقلوب، التي جعلت من الأسباب نتائج، ومن النتائج أسبابا.. تلك العقول التي استعادت الأفكار التي طالما انتقدتها و أعادت إنتاجها في مؤسسات الدولة بأدوات و طرائق جديدة ، تتماهى مع الأزمة بدلاََ من إيجاد الحلول الخلاقة و الإبداعيه في تجاوزها و القضاء عليها و استئصالها.

إنها العقول الإنتهازية التي ساومت الدولة المنشغلة في القضاء على الإرهاب، و راهنت على غياب المساءلة و المحاسبة، لتضاعف من فسادها و تعيد إنتاج إرهاب جديد على المستوى الإقتصادي و السياسي و الإجتماعي.

نحن أمام أزمة أخلاقية في إدارة الأزمة، و أزمة نفسية مركبة داخل من ادعى إدارة الأزمة.

لقد كان هؤلاء سبباََ مضافاََ لتهجير العقول و تطفيش الكفاءات و انتشار البطالة المقنعة بكميات مضاعفة ، عما كانت قبل الأزمة و الحرب..
و أصبحت عبئاََ مضافاََ على الدولة و مهمات البناء.

ولا نجانب الصواب، إذا ما أكدنا أن الحروب و الأزمات هي محكّات إنتاج العقول الإبداعية الإبتكارية، لكن واقعنا أثبت أنها محكّات إنتاج فساد جديد، ف كان إبداعها منصرفاََ إلى إنتاج كوابح و معيقات للتنمية البشرية و المادية.

نعم دكتورنا الغالي، لقد ابتلينا بعقل النفاق السياسي، الذي استغل و استعمل السياسي زوراََ و بهتاناََ في عرقلة الإدارة و الحكومة.

اليوم نحن مدعوون للعمل على تلك العقول التي تمّ غسل أدمغتها، و كما كنت قد أسلفت سابقاََ في منشور لك، الدولة الحكيمة العقلانية لا تبتر العضو المصاب، بل تقوم على علاجه و شفائه.

علينا إعادة إنتاج الخطاب الديني التنويري المنشود.

علينا تجذير الخطاب العلمي و العلماني و بناء مفهوم المواطنة الحقيقي و قيم الإنتماء و الولاء العقلاني.

هل بالعقول العقيمة الإنتهازية و الوصولية من الممكن ذلك؟

بالطبع لا ، فالقرار القيادي عليه أن يعيد النظر في أدواته بعيداََ عن الشخصنة و المحسوبيات و الألوان الرمادية صاحبة العقل الكاذب و القناعات المزيٌفة.

كل الإحترام و الإجلال لفكرك الراقي و الخصب دكتورنا الغالي و حكيمنا الرائع بهجت سليمان.

أتمنى أني حاورت بعضاََ من أفكارك الغنيّة في مقالتك الثرية و الهامة الضرورية بامتياز.