عطيل الجفال: لصوص لكن.. نبلاء
المشهدُ السّياسيّ العراقيّ مُلتبِسٌ، والتفاصيلُ تُزيده التباساً، وصورته الشّاملة تطمرُ التفاصيلَ التي تبدو بكلِّ أبعاده شكلاً من أشكالِ الجغرافية والتاريخ. انتحارُ دولةٍ تعودُ إلى طفولتِها في كلِّ مرّةٍ دونَ أنْ تصلَ إلى مرحلةِ الفتوّةِ أو الشباب، وهذا هو العراقُ الملكيّ، العراقُ في جمهوريّةِ قاسم، وجمهوريّة الأخوة عارف، وجمهورية البعث، ومن ثمّ الجمهوريّة التي صنعها الأمريكيّون عام 2003 دون ملامح.
لمْ تكتمل صورةُ العراقِ الجمعيّة في ذاكرةِ شعبٍ أعزل من وعيهِ الطبقيّ المختبئ خلفَ مقولاتٍ قوميّةٍ أو دينيّةٍ أو طائفيّة، بل ومقولاتٍ يساريّةٍ تتقاطعُ مع الفعلِ الذي غالباً ما هرولَ نحو الجلّادِ واستمرأ دورَ الضحيّة.
في رحمِ الشّارعِ تمورُ حركاتٌ احتجاجيّةٌ مختلفة، فبعضها يشبهُ المولد المصريّ، إذ يُقامُ كلّ يوم جمعة تحتَ نصبِ "جواد سليم" في ساحة التحرير، وبعضها الآخر استلهمَ طقوس ثورة الجياع، وكانت ذروة تحرّكه اقتحام مبنى البرلمان في واقعةٍ ارعبت السّياسيّينَ الذين فرّ معظمهم خارجَ البلاد. أمّا بعضها الثالث؛ فقد شَرعَ في احتجاجٍ معروفٍ عندَ الشّعوبِ التي تعيشُ حياةً شبه ديمقراطيّةٍ كما هو الحالُ في العراق، ويكمنُ احتجاجُ هذا "البعض" في صرخةٍ مُدوية تدعو لعدمِ المشاركةِ في الانتخاباتِ المُقبِلة، في محاولةٍ لسحبِ الشّرعيّةِ عن النوّابِ المُنتخَبينَ بفعلِ ضعفِ مشاركة الناخبين.
السّياسيّون المُرشَّحون منقسمونَ من حيث آليّاتِ تسويق برامجهم وسبل إقناعِ الناخبين، فبعضهم لمْ يتوّرع عن إعادةِ إنتاجِ وسائل مُستهلَكة تعتمدُ على جهلِ الناخبِ وحاجتهِ إلى المالِ أو الأغراضِ العينيّة، وبدؤوا توزيعَ مبالغ نقديّة تبدأُ بما يعادلُ العشرة دولارات، ولا تنتهي بما يعادلُ المئة دولارٍ لشراءِ صوتِ النّاخب، كما أنّهم أعادوا إنتاج توزيع صكوكِ الأراضي على الناس المحرومين، مع علمِهم أنَّ هذه الصكوك دون رصيد؛ أي إنَّ لا وجودَ لهذه الأراضي في الواقع. أمّا بعض المرشّحينَ الآخر، فقد تجاوزَ هذه الدعاية البائرة نحو المُتاجرةِ بمعاناةِ الشّعبِ المغلوبِ على أمرِهِ، كمعاناةِ النازحينَ وحقوق الشهداء والأسرى والأرامل والمطلّقات والأيتام، وهذه الوعودُ ستكونُ قبضَ ريح؛ لأنَّ الدوراتِ الانتخابيّةَ الماضيةَ لمْ تشهد تحقيقَ أيّ وعدٍ من وعودِ النوّاب، كما أنَّ هذا "البعض" لمْ ينكر مُساهمتهُ في الفساد، بل يطرحُ نفسهُ على أنّهُ اللّصُّ النبيل، على شاكلةِ عروة بن الورد وروبن هود، فهو يوزّعُ المسروقاتِ والمرتّباتِ على الفقراءِ لمرضاةِ الله وبوازعٍ وطنيٍّ بحت.
النخبةُ العراقيّةُ تنظرُ إلى عراقٍ يتهدَّمُ كلّ يومٍ، لكنّها تخترعُ له أسبابَ وجودٍ جديدةٍ، في وقتٍ هي تحتاجُ إلى النّفاذِ إلى أبعدِ ممّا يتيحهُ لها هذا التفكير.
والمحتجّونَ يمارسونَ الرفضَ والمقاومةَ والتوقَ إلى تغييرِ الواقعِ العراقيّ وإعادة خلقهِ انطلاقاً من الشّروعِ في بناءِ الدولةِ الحديثة، لكنَّ بين هؤلاء يبدو الواقعَ السياسيّ العراقيّ عصيّاً على التغيير، باستثناءِ التغيير المحدودِ الذي يعيدُ تدويرَ اللصوصِ، النبلاءَ منهم، وغير النبلاء.
عربي برس