د. حبيب ابراهيم: الغار ليس مجرد شجر

كانت السيارة التي تقلنا إلى القرية تمشي كأنها غيمة مثقلة بالمطر فما أن ابتعدنا قليلا عن أطراف المدينة الصغيرة حتى بدأت تمطرنا على مفارق القرى حبة حبة أو زخات زخات.
نزلت وصديقي بعد أن سألنا أحد الركاب عن القرية وعن مفرق (عين الغار) وأعطانا ملخصا عن الطريق الذي سنسلكه إلى بيت العم أبو سليمان وبعد أن طلب بصوته الصادح من السائق أن يتوقف لإنزال الضيوف...
كان الدرب ضيقا وبعض الدجاجات الشابات يتراكضن أمامنا وكأنهن وصيفات يعملن في الاستقبال أما العم أبو سليمان فكان أكثر الظاهرين في المشهد يقف على حافة البرندا المكشوفة يترقب أحدا ما قادما من حيث أتينا...
هو صهيل سيارة "قاسم" تلك التي كانت تعج بصوتها العالي في طريق الصعود وهذا يعني أنها تحمل عددا كبيرا من الركاب صمتت قليلا ثم مضت بصوت أخفض.. و هذا يعني أنها أمطرت عددا من الضيوف عند المفرق.
في ماضي الأيام كانت غابة من الشبان تظهر بعد عدة دقائق من توقف السيارة تسبقهم اصواتهم يضحكون يتصايحون ويقسمون بأيمان جميلة أكرم وسليمان وأحمد و عبدالله وعادل وياسر وآخرون يصلون إلى طرف الساقية يشربون من عين الغار ثم يتواعدون على اللقاء مساء ويتفرقون على البيوت القليلة التي يتشكل منها هذا الحي الصغير من القرية فهم وبقية الشبان و الصبايا أرواح هذه البيوت البسيطة الجميلة .
هذه الأهزوجة شبه اليومية التي تشعر الجميع بنبض الحياة و بالأمان تكررت على مدى خمسة عشر عاما كبر فيها الشبان و بعثرتهم الأيام حيث توزعوا على جامعات و كليات متنوعة وصاروا يتفقون على مواعيد معينة ليجتمع أكبر عدد منهم فيها... وكان يغيب عادل أو أكرم او أحمد بحسب الالتزامات والمناوبات إلا سليمان فهو الحاضر الأول مهما كانت الظروف...
في ظل هذه الحرب على البلاد تحول الجميع إلى عسكر بعد أن تطوع البعض في الجيش والتحق البعض الآخر بخدمة العلم وانضم الباقي إلى الخدمة الاحتياطية... وعادوا ليلتقوا مرة أو مرتين في المواسم والمناسبات على ذات المفرق وفي مواعيد متشابهة
ثم رويدا رويدا بدأ الغياب يلف واحدهم تلو الآخر حتى صاروا هم الحضور كله في الطرف الآخر...
اليوم وقف العم أبو سليمان كأنه أحس برائحة إبنه الغائب التفت بإتجاه أصوات أقدامنا حاول أن يرانا فما أسعفته عينياه الغائرتان... نادى بأعلى صوته.. سلمى.. عليا... لم يجبه أحد أصر على استخدام اسماء جميع أولاده.. وفاء.. سامر.. إياد, كلهم خارج المنزل.. في العمل أو في الجامعات أو في قطعاتهم العسكرية... أما ام سليمان فهي في الطرف الآخر عند ابنها...

باللا شعور أو بالشعور الإلهي صار ينادي سليمان... يا سليمان...
عندها أدركنا أنه عرف أننا صديقي الشهيد سليمان فبدأ ينهب المسافة المتبقية ما بيننا حتى التقانا قرب عين الغار.. احتضننا بشدة وأشار إلى النبع
وقال: من هنا شرب البطل وكلما تدفق هذا الماء أشعر أن سليمان ارتوى ولن يعطش أبدا
....

زيارة لأحد الأصدقاء إلى بيت صديق غاب