قصة رباب هلال "تلك المرأة.. تلك النار" المترجمة الى الفارسية

نُشرت هذه القصة "تلك المرأة.. تلك النار" للأديبة والقاصة السورية رباب هلال, مترجمة إلى اللغة الفارسية، في مجلة "سينما وأدبيات" في إيران، بتاريخ 12 فبراير/شباط 2018.

تلك المرأة… تلك النار

بعينيّ هاتين رأيت النار ليلتها. لم تكن قريبة. كانت على هضبة تحيط بها أشجار يابسة وواقفة بثبات. تأججت النار.كانت قامات سوداء رفيعة وطويلة تدنو منها، تلقي بشيء ما، تبتعد قليلا، ثم تعود.
كنت أحدق على اتساع عيني، مأخوذة بتلك البقعة المتأججة، وتلك الكائنات السوداء حولها.
أجفل إذ أسمع صوتك:
- بم تحدقين؟
قلتُ:- النار!
قلتَ:- أيّ نار؟
ودون أن أنظر في وجهك، أشرت بيدي.
- أين؟سألتني.
بحثت عن صوتي. لم أنبس بكلمة. عدت أشير بأصبعي إلى النار التي تأججت ثم خبت، ثم تأججت. نظرت إليك ببعض الدهشة. نظرت إليّ. ثم إلى النار. هززت رأسك، عدت تهمهم بما لم أسمعه. ثم تغوص في الكتاب من جديد.
مرَّ وقتٌ ما. كنت لا أزال أحدِّق صوب النار والأشباح السوداء. الناس نيام. شرفتي وحدها مضاءة. كنت تقرأ. أما أنا، فقد تركت صفحات الكتاب لأدراج الليل والسكون وعتمة المدى المثقوبة بنار متأججة وأشباح سوداء.
تثاءبت وأنت تقول:
- ألن تنامي؟ النعاس سيقتلني.
اندهشتُ وبحنق همستُ:
- ولكن… النار…
نظرت إلي محدقاً، وهمستَ ببرود قاتل:
ـ أيّ نار؟! قومي لننام.
لا مبالاتك تفترسني. لاشيء يهمك. استسلمت. وكنت لا أزال أحدق بالنار التي تأججت من جديد.
ولكن.. أين الأشباح؟ القامات الطويلة الرفيعة السوداء كانت قد اختفت! أمسكتُ ذراعَك. بقسوة شدَدْت عليها، قلتُ بارتعاش:
- لقد اختفت الأشبـ..الرجال!
قلتَ:- وهناك رجال؟!
سخريتك تنهشني. لففتَ كتفي بذراعكّ. ودون أن تنظرَ جهةَ النار، قلتَ:
- لا بد أن يذهبوا.. لقد أنهوا حرق القمامة.
جمدتُ في مكاني وبغضب قلتُ:
- قمامة؟ أيّ قمامة؟! الأرض بستان!
أمرتني:
ـ هيا..تعالي للنوم. أطفئي النور.
خطر لي أن أتأكد من أن جميع الأبواب موصدة، رغم الحرّ.
ـ لن أطفئ النور.قلتُ.
تأففتَ:
ـ حسنٌ..افعلي ما شئتِ…ولكن تعالي ونامي.
تكورتُ في حضنكَ. كادت أظافري تنغرز في جلدك. ورحت أرتعد…
رفعتَ شعري عن وجهي الطافح بالدموع. ابتسمتَ، وقلتَ:
- مجنونة!
قلتُ:- أنت تعرف أن لا قمامة هناك.
أجبتَ: -حسنٌ..لا قمامة. وكانت النار تشتعل، أشعلها رجال ثم ذهبوا..نامي!
همستُ:- أتسخر؟!
لم تجبني. واكتفيتَ بأن تغطيني بكل جسدك.
كان الوقت متأخراً. لم أنظر إلى الساعة. كنت أرهف سمعي لأيّ نأمة، حركة، أو صوت. النارُ والأشباحُ ثقبوا دماغي.
فجأة، انتفضتُ، الصوت في الشارع. صوت صرير، أو جرّ شيء ما قاس أو ثقيل. ثم صوت همهمة..أو..هرعت إلى النافذة، لم أجرؤ على سحب الستارة. سأطفئ النور أولاً. وبهدوء شديد الرعب, فتحت درفة النافذة، بالقدر الذي يمكّنني من رؤية الشارع. رأيت قامات طويلة تجر شيئاً ما. سمعت صوت صرير..لا…أنين..صرير.. أنين أنفاس. سأوقظك لترى وتصدقني.. الأشبـ… الرجال عادوا.. يمرون من هنا.
أدرت وجهي نحوك. وقبل أن تلقى الأرضُ ركبتي الخائرتين، رحت أنشج وأنا أرمق السرير الخاوي. جررت خطوي إليه. تكورت تحت الغطاء. أخفيت عن ناظري كل شيء.
البرد معول يدق عظامي وروحي، يحفر أنفاسي. أنشج برداً، رعباً ناراً قاماتٍ وأشباحاً سوداء، صريراً. تصطك أسناني أسمع صريرها.
حاولت تهدئة روحي، باستعادة ذكريات جميلة، سعيدة، عادية، تافهة، طفولية، أي ذكريات…عبثاً! كان سمعي يلهث معربشاً على النافذة والباب، الجدران وعلى الليل.
الوقت متاخر. أجل، يجب أن يكون متأخراً جداً. أؤمّل نفسي. أجل، وستنفلش السماء من الشرق صارخة بوجه العتمة والليل والسكون. وعمّا قليل، سيضجّ الشارع بالمستيقظين.
أحاول أن أهدهد الروح المترقبة. أمددها على الأمداء الشرقية، أفرشها على رؤوس الأشجار البعيدة لتطل على ضوء الشمس القادمة. نعم هكذا، أهزّها مثل طفل في سرير. ستنام. أروح بالسرير يميناً ثم شمالاً، شمالاً ثم يميناً، يميناً ثم شما..شمـ..أتعب. تمدُّ يدَك، تهدهدُني، تغنّي لي، ثم تقرأ بعض مقاطع من الكتاب.
تنظر جهة النار المتأججة، تمد يدك، تحمل قبساً منها، تطوفه حولي. جحافلُ البرد تفرّ من عظامي وروحي، تعبث أصابعك بشعري، تهمس:
ـ نامي..نامي.. نامي..
ولم أكد أغفو، حتى فجّر نومي صوت صاعق دوى على بلاط الغرفة الأخرى.
وكأنما بت بلا ساقين، أسناني، دموعي، نبضي، أصطك.. أهبط.. أهبط.. كأنما أُفتَرَسُ. كأنما تبتلعني بئرٌ. لو أصرخ.. أكاد أتقيأ. لا أجرؤ على الحركة. أرتعد، أتثلج، أتفسخ، في البئر الصماء البكماء العمياء. أستجدي ثقباً ما…ضوءاً…نوراً.. ناراً.. أريد ناراً! والنار؟ ألا تزال متأججة؟ هل عادت الأشباح؟يا إلهي.. يا رعب العالم.. يا فجر.. ياصبح…
دوار، أغوار سوداء، فضاء أسود، أأهبط؟ أم أدور؟ أم أصعد؟ يا ربي! أصلي للنوم.. أستحضرك بكل حنانك الذي رسمت. أنغمر في حضنك، في همسك:
- أنا معكِِِِِِِِِ.
أغوص في صدرك. أنبش نوماً، أطراف نوم، أطراف..بغتة، يتفجر النعاس، يتمزق سمعي، صوت أمرأة ينبشني، يقتلعني، أدسّ رأسي تحت إبطك، ومثل النعامة أفعل ومثل الأحمق تفعل! أهرع إلى النافذة. أرى فجراً. وفي الشارع أرى المرأة الصارخة كانت تبكي وتشتم، تحاول أن تردَّ عنها ضربات هراوة سوداء، وقد أحاطتها قامات رجال بلباس الشرطة. صراخ، ضرب، شتائم. ثم كومت الأيدي جسد المرأة وحشرته في سيارة جيب من الخلف. والمرأة لا تزال تصرخ، تبكي:
ـ لا تشتم أبي يا ابن الكلب..
توارت السيارة. صوت الفتاة يحفر أذني: لاتشتم أبي يا..
أفزعني صوتك:
ـ عودي للنوم. ما الذي تنظرين؟ تعالي ..نامي..كفى!
أصرخ بك:
ـ أخذوا البنت…
تأففتَ:
ـ إلى الجحيم.. أريد أن أنام.. تعالي انقبري.
ـ لكنهم أخذوا البنت…الشرطة..
قلتَ ببرود ومثل رصاصة صائبة:
-إنهن بنات الليل..إلى الجحيم!
أصرخ:
- بلا إحساس.. سأنقبر.. راحت البنت…أخذوها..
ويتصادى صوتها في أذنيّ.
مسمّرة كنت لا أزال قرب النافذة. جامدة. باردة. كان الصباح قد حضر. يدب بين الأبنية والأشجار وفي الشارع الخالي.
مكتوفة الذراعين والروح والأنفاس كنت. أترقب أي بصيص لرجل، لامرأة، لولد. لا أحد. وكنت لا أزال أدير ظهري لك. أفكر بغضب كيف تتمدد في نومك وفي برودة دمك. سأدير وجهي صوبك. فيغتال نظراتي خواء السرير. نزفت عيناي، وأنا أتكور ثانية تحت الغطاء، تحت البرد والخوف والخواء، تحت التعب الذي لاك أعصابي طوال الليل، طوال النار والقامات السوداء وهي تؤجج النار، وهي تجر شيئاً ما ثقيلاً. يا ربي! وماذا كان الارتطام الذي دوّى مثل صاعقة أو قنبلة في الغرفة الآخرى؟
استجمعت قواي. وما كدت أنهض حتى شدّ أذني صوت ضربات. بحذر أرنو عبر النافذة. في البستان المقابل رأيت امرأة تحفر الأرض حول شجرة. كانت تنحني وقد شمّرت طرف فستانها، فبانت إحدى ساقيها وقد بدت شديدة البياض على تربة سوداء مقلوبة.
كانت المرأة تدير ظهرها للأبنية والشارع، منهمكة في الحفر الرتيب والسريع. كانت الشجرة شديدة الخضرة ووارفة رغم صغر حجمها. أمعنتُ في اللّوحة، أبيض، أسود، أخضر ثم خرطوم مياه أحمر اللّون.
بغتة، انبثق في الشارع رجلٌ. بدا عليه كأنه ..لست أدري بالضبط. كان الرجل يمرّ ببطء، يجيل النظر حوله مثل لص يتأكّد من أمان المكان. ثم يسدّد نظراته ويركّزها على الساق الناصعة.
راح الرجل يعبر الشارع الطويل على تلك الحال. وكان كلّما أوْغل في الشارع بدا أطول، وعيناه تفترسان عريَ السّاق الأبيض. ولايزال يمرّ، يطول، ويصير أرفع، أطول، أرفع هاهو يدنو من نافذتي، أكاد أصرخ، يكاد يراني، أختبئ أترقب أن يمرّ، يروح، يختفي أو يتبخر. يا ربي! ماذا لو نظر من نافذتي المفتوحة؟ ساكنةٌ كالأموات أنفاسي. ظلّت النافذة ساكنة. لابد أن يكون قد عبر. لم أجرؤ على النظر منها. جررت خطوي الخائر إلى نافذة المطبخ. كان الرجل قد عبر. طويلاً جداً ورفيعاً. فجأة، توقف تماماً مكان النار التي رأيتها بالأمس. تجحظ عيناي، يجحظ لهاثي. أين بقايا النار؟ الرماد؟ الهضبة؟ الأشجار العارية؟ لا أثر لأي شيء! شوك تفرّع في حلقي. أحملق في الرجل الذي لبث واقفاً مشرئب الطول، وقد أسود لونه، عيناه مصوبتان نحو المرأة. أرنو إليها. أشهق هولاً. الساق البيضاء تنغرز في الترية. تطول نصاعة البياض. المرأة تصير شجرة، تتدلى منها ثمارٌ حمراء. أنظر صوب الرجل. مدّ ذراعيه نحوها وسريعاً راح يلتهم الثمار!
المرأة/ الشجرة، لم تصرخ أو تحتج. بل ما برحت واقفة وارفة الثمار والاخضرار!
اشتد خطو الصباح، يجتاح الأمكنة. تلبثت متسمرة إلى النافذة. عيناي مسمرتان على الرجل والمرأة/ الشجرة، صوت سيارة أجفلني، نبهني، انبثق الناس. هرعت نظراتي إلى الرجل والمرأة. ولكن… يا ربي! لقد اختفيا…!
أنفاسي المتقطعة لا تلتئم. كان دبيب رعب لا يزال يحتلّني. حاولت أن أتماسك وأنا أتابع حركة الشارع..عمال، موظفون، طلاّب. اصطفاق أبواب، ضجيج الدرج. استيقظ العالم.
وكأنما تخشبت، أريد هواءً. فتحت باب المطبخ المؤدي إلى الشرفة، الشرفة المطلة على صباح ضاج وشمس ساطعة. وعلى الباب تجمّدت، وأنا أرى في الزاوية، زاوية شرفتي، كومة رمادٍ، سوادٍ، احتراقٍ.. دنوت أتفحص الأطراف المتبقية. كانت أطراف كتب، دفاتر، وأوراق كثيرة، كانت أطراف رسائلي التي أرسلتها في سني عمري إلى رجل مجهول، لا أعرفه، رجلٍ ما حنون وأحمق لا يراني.

ترجمها الى الفارسية: رحيم فروغي