د. بهجت سليمان: من "بطولات" السّلاطين.. إلى خرافات السّياسة.. نماذجُ عَقَديّةٌ من الثّقافاتِ القاتلة..!

[الحلقة والسبعون "70" من "سلسلة الفكر الإستراتيجي"]

{من "بطولات" السّلاطين.. إلى خرافات السّياسة}

(نماذجُ عَقَديّةٌ من الثّقافاتِ القاتلة..!؟)

* د. بهجت سليمان

١ - كنّا في مناسبة سابقة قد تطرّقنا، إلى الوجه الخارجيّ الذي يدخل في حيّز الموضوعيّة من الاستباحات التاريخية على مرّ عصور التّدخّل الخارجي، منذ ما قبل الميلاد بمئات السّنين، ثم إلى "مناسك" سعير الصّدامات الثقافيّة متقنة الإعداد في تاريخنا العربيّ - الإسلاميّ الذي قام على الغدر الدّاخليّ للثّقافة المحمّديّة في إطار اللاتكافؤ بين "الآخر" و "الآخر"(!) في ثقافاتٍ "ضيّقة" الأفق و مازالت إلى هذا اليوم، بعدَ أن حذفتِ تلك الثّقافاتُ "الذّاتَ" التّاريخيّة في الاستلاب.

و قد تحدثنا عن الخاصّيّات التي خلّفتها تلك الصّراعات التي كانت فيها مجتمعاتنا مجرّد أصداءٍ في التقوقع أو التّحزّب لمختلف الفاتحين، ما أدّى إلى "تنوع" في البنية التّكوينيّة للاجتماع السّوري التعدّديّ الذي انبنى عليه الكثير من التجاذبات و الاستقطابات، في الانقسامات و الانفصالات الثقافيّة الدّاخليّة للمجموعات المتباينة اللامتكافئة في التّكوين البنيوي للمجتمع.

٢ - و كنّا توصلنا من هذا الجانب إلى الطّبيعة التّقريرية الصّلبة ذات الأثر السّلبيّ في البنية النّفسيّة لاتّجاهات الاستمراريّات التّاريخيّة لأسوأ ما يعزّز القسمة الجافية في السياسة و الأثر السّوسيولوجيّ، و في الممارسات العمليّة التي مزّقت التاريخ إلى أشلائه المعاصرة. و لكنّ ذلك ما كان ليكون على هذه التّوضّعيّة العنيدة لولا التّدشين التّاريخيّ الذي قام على ما يُشبه المقدّسات من عوامل الانقسام و أسباب الاصطراع، في "النّظريّة" و اتّجاهات التّفكير، ممّا يدخلُ في الاختيارات المشوّهة و المشبوهة للشّعوب و المجتمعات و النّاس و الجماعات و الأفراد.

٣ - و واضحة و معروفة، في الثقافة التّاريخيّة العربيّة - الإسلاميّة، تلك الأطوار الثقيلة و المراوحة و التي غدونا اليوم نُضطرّ إلى الوقوف عليها، من جديد، و ذلك كلّما أمعنَ هذا "الحدثُ السّوريّ" في المراوحة و العبث و الدّوران و العناد.
إنّه من المناسب، في العقلانيّة، أن نكتشف ضرورة التثبّت من عدم واقعيّة الثّنائيّات الاعتقاديّة و الأخلاقيّة و السّياسيّة القاصرة و الموغلة في المحدوديّة، كمسألةٍ إشكاليةٍ في ثقافتنا العربية - الإسلامية المحسوبة علينا، كذباً، ككلّ ثقافات و تواريخ الأمم التي تحيى تحت الشّمس.
أعني يهذه الثّنائيّات ما هو من قبيل الحقّ و الباطل، و الخطأ و الصّواب، و الحرام و الحلال، و الإيمانُ و الكفر..، و الأبيض و الأسود...، إلخ؛ ممّا لا يدخل في لغة الممكنات السّياسة الواقعيّة و الاجتماع و العيش متبادل القبول في المكان.

٤ - نحن في وضع ثقافيّ عاجز و طُحْلُبيّ و ركيكٍ لا بدّ من تداركه اليومَ و على عَجَلٍ، كضرورةٍ تنقيحيّة و عقلانيّة في سبيل إعداديّة و تأهيليّة من جديد لواقع يعدَمُ الحرّيّة في انفصالات و فُصاماتِ الاجتماع.
و تلك هي - ربّما - الدّيموقراطيّة الحيّة و الوحيدة كحقيقة في الممارسة إذا كنّا جادّين في البحثِ عن حلولٍ مستقبليّة علاجيّة لمظالم و أحقاد و جرائم و خرافات هذا العصر و خرافات جميع العصور الماضية، و الرّاهنةِ على امتداد العصور..!

إنّ أيّة ديموقراطيّة خارج حدود المخيال الفكريّ في المعقوليّة، هي ديموقراطيّة كاذبة كما أثبت تاريخ السّياسة الفعليّ في الشّرق و الغرب، قديماً و حديثاً، و باعتراف نخبةالمفكّرين و الفلاسفة و السّاسة المنهجيين في تاريخ الفكر السياسيّ، و في كلّ مستقبلٍ يتعاملُ مع مفهوم الدّيموقراطيّة كوسيلة سياسيّة بدلاً من أن يفهمها كمنتوج فكريّ أولاً يمهّد للاعتراف بالآخر بدءاً بالأفكار و نهاية بالكينونة، و ما يتخلّل، بينهما، هذه المسافة من عُلاقاتِ وجودٍ و قيمةٍ بنائيّة للمجتمعات و الشّعوب و الدّول و الأفراد.

٥ - نشأ في ماضينا الطّويل جملة من المنظومات الثقافيّة التي عمل عليها مثقّفون مزيّفون و مجرمون أيضاً، انطلقوا من التّكفير الإقصائيّ للآخر بدوافع سياسيّة و أخرى مصالحيّة تخدم القوى السّياسيّة التي عملت على تأسيس العنف في واقعنا "المُمَنهج" الممتدّ، بلا انقطاع، منذ الدّعوة المحمّديّة و حتّى هذا اليوم. و انتهى هؤلاء بحُمُولات فكريّة عدوانية موجّهة أوّلاً إلى "الحقوق" المشتركة في الحياة التي كانت و ما تزال من الاتّساع بحيث أنّها تكفي و تزيد عن حاجات الجميع، لولا دوافع الأنانيّة و الأثَرة السّياسيّة التي تُفضي إلى احتكار الكلام و الاعتقاد و الدّين أوّلاً، ما يؤسّس لاحتكاراتٍ بغيضة كاملة و شاملةللحياة.

٦ - لقد أسّس هذا الأمر لمنظومات أكثر تشدّداً في الإقصاء و المنع و التّكفير و حتّى القتل. يشهد على هذا وقتنا الحاضر الذي تَعدَمُ فيه العقلانيّاتُ و الواقعيّاتُ ممكناتها و ضروراتها، في لوثةٍ من لوثات الجريمة و الوحشيّة التي لم يعرف لها تاريخ الإنسانيّة مثيلاً.
إنّ معركة التّكفير و الإرهاب و العدوان التي تُشنُّ على وطننا سورية و شعبنا العربيّ السّوريّ و مستقبلنا الذي أمسى في عداد الاحتمالات و الظّنّ، هي سابقة تاريخيّة و ربّما ستكون الوحيدة التي اتّخذت لها كلّ هذا التّوحّش في الصّناعة و الإدارة و التّوجيه و التّنفيذ و الانحرافات.
إنّه بسبب فداحة الخسارة الاجتماعيّة و الأخلاقية التي تسببت بها هذه الملحمة السّوريّة، علينا أن نصنع عِلماً خاصّاً و مستقلّاً يبحث في، و يدرس، الجذور البعيدة و القريبة، تلك التي ألهبت و تُلهب كلّ هذه الوحشيّة البدائيّة التي تمثّلُ في جسدالوطن الحيّ الذي برّحتْه الأحداث الدّاميّة و الفاجعات.

٧ - تمتلئ الذّاكرة الشّعبيّة بأصناف البؤر القتاليّة و الحدود الملغّمة بأيديولوجيا دينيّة احترابيّة مدعّمة بما لا يُحصى من السّرديّات التي أذكت سعار هذه الحرب، في "حكاياتٌ" صُلبةٍ..، ألّفها كتبةٌ مأجورون في أروقة سلاطين دول الخلافات العربيّة - الإسلاميّة، تحلّقت حولهم، فيما بعد، "شعوبٌ" و "مجتمعاتٌ" بالجملة كانت مهيّأة بحكم العُنفيّة الرّعاعيّة لتقبل هذه الخرافات السّياسيّة.
لهذا نحن نستطيع أن نفهمَ كيف أنّ من شأن الحقد التاريخيّ الكبير أن يكونَ سبباً مباشراً للصّراع متجدّداً في البنية الاجتماعية الهشّةِ و كافياً لإحداث كلّ هذا العنف.

٨ - يبدو للتّأمّل أحياناً أن ثمّة أسباباً مجهولة و ميتافيزيقيّة و غيبيّة اجتمعت في لحظة من لحظات سوء الطّالع الكونيّ، فجعلت الزّمان في سورية، هو الآخر، عدوّاً بغيضاً لطراوة الأرواح التي زُهقت و تُزهق في فجوات هذا الفراغ الكونيّ من الخراب و الجحود، في لحظة من لحظات تخلّي العنايات المتعالية عن شؤوننا البسيطة التي كانت تضمن لنا و لو أقلّ أسباب الاستمرار.
غير أنّ البشرَ، حقيقةً، يساهمون أيضاً بصناعة أقدارهم سابقة التّقرير و النّجوز.

٩ - تغرغرَ و بعبعَ الكثيرُون من "البحّاثة" التّاريخيين و السّاسة المنافقين بضرورة إعادة كتابة التّاريخ العربيّ- الإسلاميّ؛ إذ لطالما كان تاريخاً مشوّها يعاني الانتقاء و الاجتزاء و التّزوير و الاحتكار.
و لم يعمل هؤلاء بأيّة جِدّيّة نظرية أو عملية في سبيل ذلك؛ و شأنهم أنّهم أضافوا إلى رصيدهم المكتنز من "الشّرعيّة" الأكاديميّة الفارغة كميّات أخرى من احتلال المطارح السّياسيّة، فيما عمّق هذا الأمر الاغترابَ الثقافيّ الذي تعيشه الأفراد و الشّعوب في إطارات اجتماعيّة متوتّرة في استقطابات يوميّة مهدَّدة أكثر فأكثر بالانفجار.

١٠ - لم يكن مجتمعنا السّوري كبيئة عربيّة - إسلاميّة خارج هذا التّكوين المنشقّ في القابليّات الموتورة على إيقاعات الاحتراب المؤهّل للاشتعال.
لقد خرج الأمر عن كونه مسالة خلافٍ تاريخيّ ما بين ثقافات متباينة و مواقف تاريخيّة انعزاليّة تقوم على تناقضات في المفاهيم و السّياسات و الأفكار و المعتقدات، و استحال إلى قواعد تأسيسيّة لجريمة "مشروعة" بالعنف و السّلاح لم يَعُدْ يُمكن لأحد أن يتنبّأ بتصاريفها و آجالها و حجمها الذي خرجَ على مقاييس و معايير جميع أدوات و مناهج و آليّات النّقد أو التّجنّب أو الاستدراك.

١١- و لأنّ الماضي لا ينفكّ يعيش في الحاضر بأسوأ آثاره و مفرزاته التّاريخية النفسية و الاجتماعية و الثقافيّة و السياسيّة، فإنّ العودة إليه يجب ألّا تُعتبر َجلداً للذّات التّاريخيّة بقدر ما هي ضرورة من ضرورات تحوير آثاره المعاصرة؛ و إن أمكن تجاوزها تجاوزاً ثقافيّاً حصراً ما يجعل الحاضر أوضح من أجل معاصرتنا ذواتنا المضارِعة في معمل الحضارة العالميّ.

١٢ - لا يمكن أن تنسى الذّاكرة الاجتماعيّة و السيكولوجيّة الكيديّة و المنتفخة و السّاديّة ما كان في الأمسِ القريبِ من التّاريخ الحيّ من التّواطؤ العثمانيّ أمام "الوهّابيّة" بحيث كان تمهيداً تاريخيّاً حقيقيّاً لتوجيه الثّقل الاجتماعيّ باتّجاه سياسة رجعيّة قبَليّة افتتحت لها عصراً طويلاً منذ بداية القرن التاسع عشر في سورية..
عندما "اعتمد" (يوسف باشا) [و هو من سُمّي باشا دمشق!] حاكم دمشق (و بأمر من الباب العالي)، جميع تعاليم الوهابيّة التي أنفذها في سورية قبيل خروج قافلة الحجّاج إلى مكّة في الجزيرة عام 1808م. "و أعلن يوسف باشا في الوقت نفسه قواعد لإجراء الطّقوس الدّينيّة، فأقفلت الأسواق و البازارات في أوقات الصّلاة، و منع شرب النّبيذ و غيره (...) و فرضت على اليهود و المسيحيين علامات فارقة مهينة (...) و حُرموا من تعليم أولادهم أصول الدّين، و أجبروا كما أجبر المسلمون على ترك لحاهم" [ لويس دوكورانسي- الوهّابيّون، تاريخ ما أهمله التّاريخ- رياض الرّيّس للكتب و النّشر- الطبعة الأولى- 2003م- ص.ص (176- 179)].
و "يُقالُ إنّ (يوسف باشا) كان في وقت من الأوقات على اتّفاق مع (سعود) و إنّه أراد أن يصبح وهّابيّاً و يُسلّم دمشق آملاً أن يحتفظ بحاكميّتها تحت إمرة (سعود)". [المصدر نفسه- ص (180)].

١٣ - هذا مثال تاريخيّ على اتّهام الانتماء ، سوفَ "يتطوّرُ" و "يزدهر" أيديولوجيّاً و ثقافيّاً في اتّهاميّة متوحّشةٍ لمجرّد الانتماء الاجتماعيّ ، الذي هو بحكم الانتماء الطبيعيّ، من حيث هو ليس موضع خيارٍ أو تبديل. إنّه بالأحرى- إذاً- اتّهامٌ للطّبيعة و خلق الله!

١٤ - كان هذا في العصور المتأخّرة تكريساً لثقافة سياسيّة و إمعاناً في عُتهٍ اجتماعيّ تاريخيّ شاملٍ ، حاقَ بقادة المجتمع و "الأمّة" و شَرِبَهُ، مُترعاً، مجتمعٌ مبتورٌ بِنَهَمٍ دمويّ، و جسّدته الثقافة المنافقة التي كانت و مازالت تدّعي الحقّ و تحتكر الصّواب، في مقابل "أقوامٍ" هم "ليسوا" مواطنين حتّى، و إن كانوا كذلك.. فهم مواطنون من الدّرجة التّاسعة على أفضل تقدير. فهذا هو "فقيه" من فقهاء عصره، و كلّ العصور، يقول:

" إنّ الدّارسَ لحركة التاريخ الإسلاميّ؛ كمرحلةِ الحروب الصّليبيّة في عهد نور الدّين محمود [المعروف بالزّنكي و الملقّب بالمجاهد!] و صلاح الدين [الأيّوبيّ]، و زمن العثمانيين في عهد السلطان محمد الفاتح و غيره، و المرابطين في عصر يوسف بن تاشفين [المعروف بناصر الدّين،الصّنهاجيّ]؛ يلاحظ أنّ عوامل النّهوض، و أسباب النّصر كثيرة منها: صفاء العقيدة، و وضوح المنهج، و تحكيم شرع الله في الدّولة، و وجود القيادة الرّبّانيّة التي تنظر بنور الله، و قدرتها في التّعامل مع سنن الله في تربية الأمم، و بناء الدولة و سقوطها، و معرفة علل المجتمعات، و أطوار الأمم، و أسرار التّاريخ، و مخطّطات الأعداء من الصّليبيين و اليهود و الملاحدة، و الفرق الباطنيّة، و المبتدعة، و إعطاء كلّ عامل حقّه الطّبيعيّ في التّعامل معه". [كتاب: فكر الخوارج و الشّيعة في ميزان أهل السّنّة و الجماعة - للدكتور علي محمد الصلابي - دار إبن حزم - القاهرة - الطبعة الأولى- 2008م- ص. ص ( 8 – 9 )].
و واضح أنّ هذا "الإمام" و "العالم" و "المفكّر" لعصره و عصور من يليه، يأتمّ بإمامه (إبن تيميّة - شيخ الإسلام!) الذي كانَ "شيطاناً" سياسيّاً لعصره (1263- 1328م)، كرّرَ جميع "مآثر" و "إنجازات" و أحقادِ و ممارساتِ طواغيت (قريش) بالتّحديد..!؟

١٥ - إنّ مجتمعاتٍ تتثقّفُ على أمثال هؤلاء، يكون من المستحيل أن تدخلَ طورَ العصر و حضارته الشّاسعة.
على أنّ الكثيرَ من أولئك الذين يُكفّرهم هذا "المبشّر"، الدّاعية الإسلاميّ "النّقيّ"، بحقاراته و تفاهاته الفكريّة، هم ما يزالون إلى اليومِ يعيشونَ اضطهاد "فتاواه" و "فتاوى" أمثاله و مريديه، كأقوامٍ و جماعاتٍ و أفرادٍ، دون خطّ الحياةِ، ناهيكَ عن خطّ الفقر المميت، فيما بعضهم يسطّرُ بطولاتٍ فريدةً و مقدّسةٍ في هذا العصر الجبان.. !"نحن"- العربَ المسلمين- لسنا في شيءٍ يُشبه "المجتمع".

١٦ - تكادُ الثّقافة "الإسلاميّة" أن تكون اليومَ كأيّة "حكايةٍ" تجري على لسان العجائز على مسامع الأطفال عند السّهاد.
و يقوم "مثقّفون" معتبرون- على هذا التّقليد- بخرافاتٍ لها من يروّجها على عموم "الشّعب"، فإذا بالمجتمعات الهزيلة - و منها مجتمعنا طبعاً - تصنعُ من هذه التّرّهات مقدّساتٍ و مناسكَ (عبادات) و شعائر و فروض.
و لا يرى هؤلاء أيّ حرجٍ في الكذبِ و تزوير الحقائق التّاريخيّة، و جعل ثقافة "العامّة" تُمتهنُ كَحِرَفٍ عائليّة يجري تطويرها في سرّيّة و تبجيل.

١٧ - هاهو (الدّاعية) يقدّم طعاماً لكلاب الثّقافة المنتشرين كالهُوام و الحشرات في الأبقاع و الأصقاع، فيؤلّف نفاقاً جديداً جِدّة "إبداعيّة" خالصة ، لم يقلْ بها من قبله شخصٌ غيره.
يقول في نشأة "الشّيعة" [و الشّيعة وصفٌ صار شاملاً لجميع من هم من غير "أهل الجماعة و النّقل"، كما صار هذا دارجاً على كلّ سطحٍ من أسطح أدمغة الشّعوب العربيّة- الإسلاميّة!]..
يقول - مثلاً - في "نشأة الشّيعة الرّافضة و دور اليهود في نشأتهم": " أوّل من دعا إلى أصول عقائد الشّيعة الرّافضة التي انبنت عليها عقائدهم الأخرى، رجلٌ يهوديّ إسمه عبد الله بن سبأ من يهود اليمن، أسلم في عهد الخليفة الرّاشد عثمان بن عفّان، و أخذ يتنقّل بين أمصار المسلمين للدّعوة لهذا المعتقد الفاسد.. ". [المصدر السّابق- ص (100)].

١٨ - و من الواضح كيف يُزَوَّرُ التّاريخ في رابعة النّهار، إذ أن شخصيّة ( عبد الله بن سبأ ) هي شخصيّة تاريخيّة أكثر من إشكاليّةٍ.
و لقد ذهب جميع "الجمهور" من "أهل النّقل" و "أهل العقل"، و كذلك حذا حذوهم المؤرّخون من كلّ "المِلل" و الطّوائف الإسلاميّة على مختلفها و انقساماتها العقَديّة، فقالوا جميعاً بأنّها شخصيّة "خياليّة" لم يأتِ على إثباتها إلّا أضعف المؤرِّخين إسناداً و تحقيقاً.
و نذكّرُ هنا بأنّ أكثرَ من أنكرَ حقيقة هذه الشّخصيّة التّاريخيّة هم "الشّيعة" على وجه التّحديد، فكيف لهم أن يكونوا من "أتباعه" وَفقَ ما ذكره هذا "المنجّم"؟
و لنا أن نتبيّن قدْرَ استهتار هذا "الدّاعية" و أمثاله بعقول الجميعِ، و الأنكى أنّ له من الأتباع "الثّقافيين" من هم يكادون يشكّلون العامّة من أهل "الإسلام".

١٩ - و إذا كانت العصبيّات العربيّة و المصالح الدّنيويّة و اتّباع "المتشابه" من النّصّ القرآنيّ، أصلاً، وراء الكثير من الخلافات و الاختلافات الفقهيّة و التّاريخيّة بين المسلمين و فرق المسلمين، فكيف للمعاصرين أن يجروا على ما جرى عليه "السّلف"، لولا أنّ ثقافة "السّلطات" الإسلاميّة و رغبات "السّلاطين" كانت هي الدّافعةُ إلى مثل هذه "الثّقافات" المتناحرة في تقاليدها، و هي ما تزالُ تُعيدُ إنتاج الماضي الاحترابيّ العنيف، في حاضرٍ تحكمه الأمواتُ أو بالأحرى كما يُقالُ " في حاضرٍ أبناؤه من الأموات"..؟!

٢٠ - في الحالات التي نتعرّضُ إليها في هذه المتواليات من القراءات النّقديّة في نماذج "ثقافيّةٍ" غشّاشةٍ، بين حين و آخر، يتطرّق إلينا الكثير من العجب الذي مؤدّاه هذه الكيفيّات التي قامت عليها ثقافاتنا في مجتمعاتنا المجرّدة من التّفكير النّقديّ ، الذي عليه أن يُخضعَ تاريخ الأفكار و الكلام و الأقوال و الاجتهادات إلى المزيد من التّدقيق و النّقض، قبل أن يُصبح ما نقرأه و ما نعتقده نقلاً، من ممتلكاتنا الثّقافيّة التي نقاتل بها و نرتكب الجريمة.

٢١ - لسنا هنا أمام آراءٍ عابرة من الاختلاف التّنظيريّ المفهوم و المسوّغ بحسب طبيعة المنهج و أدوات التّفكير نحو غاية واحدة. بل نحن أمام العكس تماماً، حيث تُنتج الثقافات أو تخدم غاياتٍ متباينةً و متقابلة، في مواقفَ عنجهيّة و "قادةً" و زعماءَ و طوائفَ و عصاباتٍ و جماعاتٍ متناحرة و متحاربة ، لا ترى في الجريمة الجنائيّة أكثرَ من كونها إقامة لحدود الله المزعومة.
نحن في رحاب الأيديولوجيا التي تحارب المعرفة ، كلّما اقتربت نتائج المعرفة و وسائلها العقلانيّة من تهديد ما استقرّت عليه العامّة من جهل.
هكذا تبدأ الشّعوبُ في الانقراض ، في كلّ مرّة تفضّلُ فيها "ترّهات" الأسلاف على معطيات العقل.

٢٢ - و إذا كانت مناسبةُ هذا الحديث نابعةً من نقدٍ سياسيٍّ للثّقافة، فلقد شكّلت الدّولة الوطنيّة السّوريّة المعاصرة - على كلّ ما يقالُ عن علّاتها..! - شكّلت مناسبة سياسيّة تاريخيّة حضاريّة تتيح لمجتمعنا جميع أدوات التّقدّم و التّحضّر.
و لكنّ الموروثات من إرثِ "دول الخلافة" و سلاطينها و مصالحها و جيوشها من المثقّفين و من الجَهَلة المستلبين في "الاعتقاد" الجامد، تمكّنوا من إعادة إنتاج النّموذج الأيديولوجيّ - و مازالوا يفعلون! - الذي تكفّل بتعقيم الحاضر من أسئلةٍ و تحدّياتٍ اجتماعيّة و علميّة و حضاريّة و إنسانيّة و أخلاقيّة، و استبدلَ بها نفيراً أفقيّاً واسعاً و شاسعاً بالدّعوة المنظّمة إلى الانتحار الجماعيّ الذي يُمارسُ بإخلاصٍ وحشيّ و بربريّ كما نشهده في سورية اليوم.

٢٣ - و في جماع الموضوعيّة و الذّاتيّة من تفاصيل و مفردات تاريخنا الأبتر، يكادُ الدّمار المؤسّس على ثقافاتٍ مُميتةٍ يُنهي عصراً تاريخيّاً سوريّاً في الانقراض الشّامل لجميع مقوّمات الحياة البدائيّة منها و الحديثة و المعاصرة.
و عندها ربّما يسألُ القدرُ سؤالاً يطرحه على صمتِ "الفراغ" و الخَواءِ في أطلالنا العابرة: و ما ذا أيضاً..، و إلى أين؟

و هذا سؤالٌ سيتكفّلُ عندها نجومُنا الثّقافيون و الأكاديميون، بالإجابة عليه..!؟

٢٤ - و ليسَ سرّاً، أخيراً، أن نقولَ إنّ "المشكلة" هي ليستْ في "إعادة كتابة التّاريخ" العربيّ الإسلاميّ".. أو في عدمها، و إنّما ربّما تكون "المشكلة" كامنةً في "ذوباننا" الثّقافيّ في "عذوبةِ" تاريخٍ ماضٍ و مدمّرٍ لكلّ أدواتنا المعرفيّة التي أتاحها لنا عالمنا، هذا، المعاصر.

***

فعقبت الدكتورة رشا شعبان:

       تحيتي و احترامي لك حكيمنا الرائع الدكتور بهجت سليمان، لك ما تمنحه إيانا من فكر و معرفة و ثقافة، و توجّه الأسئلة لتحفيز الفكر، في البحث عن الممكنات المعقولة و الضرورية في راهننا.أ رشا شعبان

     و لا شكّ أن سؤالك، إلى أين؟ هو السؤال في صيرورتنا و كينونتنا التي وجب العمل و البدء للانخراط في الاشتغال عليها.

      نعم، إن السؤال، إلى أين؟ هو السؤال عن هويتنا في ما يجب أن نكون عليها.

      و عند الاشتغال على صيرورتنا، و من نكون؟ لا بدّ من تحديد، المنهج و الأدوات و الرؤية الواضحة، في كيف لنا أن نتغيّر على ما نحن عليه، بتوسيع مساحة الإمكانات و قلب الأولويات.

      نعم إنه السؤال المنتج، مادام الأمر المنتج هو صيرورة المرء على غير ما هو عليه.

       و يعني ذلك عدم تكرار وفق نموذج تطابقي، ما كُنّا عليه، و خلق و إبداع نموذجنا الديناميكي للمستقبل الذي نرنو إليه.

     و هي معادلة صعبة في علاقتنا مع الراهن، الذي ما كُنّا و ما ينبغي مغادرته و فراقه، وبين ما نستقبله و المعايير المؤسسة له.

      إذ ذاك نحن أمام منطق تحويلي في علاقتنا مع الأزمنة، و ليس منطقاً نسخياً تطابقياً، إنه منطق وجب أن يتحرر من عقلية النموذج المنجز الجاهز، من الماضي أو الآخر في الحاضر.

      علينا التحرّر من عقلية التأصيل المرضية ، التي تمنع العقل من التفكير النقدي في ماضيه و تاريخه.

      منطق التحرّر من أوهام التاريخ العربي الإسلامي، بوصفه الضامن لإيجاد الحلول، لمشكلاتنا جميعها، و علينا التطابق معه ، وهو الخالي تماماَ من المنغصات و السلبيات.

      مشكلتنا مع تاريخنا، عندما حولناه إلى خير مطلق، و حق مطلق، و حقيقة مطلقة، فكان و مازال سجناَ لعقولنا، و أداةً نجيبة لاغتيال مستقبلنا.

      نعم لقد اغتالت عُقَدُ الماضي مستقبلَنا، حين جعَلْنا من حاضرنا و مستقبلنا، إعادة إنتاج رديئة لماضينا، و استخلصنا كل سلبي و عممناه حاضراَ و مستقبلاَ.

      الرهان، ليس أن نقبض على الواقع باسم الماضي، و لا أن نكون أنفسنا، بل أن نصير مختلفين عما نحن عليه، و إلّا لما كانت صيرورتنا.

    إن السؤال في: إلى أين؟ هو السؤال في الإمكان الوجودي، و مفارقة مبدأ التماهي مع التاريخ، و التعامل مع الممكن، و إزاحة عقدة النسخ و التطابق.

     و لا إمكان وجودي أمام عقد الآخر، و منع الاختلاف و تجريمه و تحريمه، و استئصال ممكناته، و حقه في مشاركتنا مشروعنا الحضاري.

***

كما عقب الشاعر ياسين الرزوق زيوس:أ ياسين الرزوق1

في سلاسلك نحاول أن نمحو أرتال الخرافات التي تزحف من حاضرٍ إلى حاضر حاملةً من خرافات الماضي ما يطعن المستقبل بسمومٍ لا حصر لها و بتشوهاتٍ لا علاج لها بل و بعطبٍ دائمٍ يقصيه حتّى عن شفاء نفسه حين ولد مشوهاً حتى قبل أن يولد!

السلطة الزمنية للخلافة لم يسقطها مصطفى كمال أتاتورك عندما وضع سلاطين عثمانيته في جيب تركيا الحداثة بل خبّأها لتكون نقطة تدمير ممنهجة في تاريخ الأمتين العربية و الإسلامية و نقطة ارتكازٍ مهمة في تشويههما و طمسهما كي لا تقوم لهما قيامة إلا بمفاهيم العنف و الإرهاب و التدمير.
و هذا ما يساهم في تلاشيهما و سلخ كيانيهما هذا إذا ما افترضنا أنه حقيقي و ليس هلامياً متغيراً على هوى و مصالح السلاطين بما تقتضيه ركائز استمرارهم!

لن نقول أو لعلنا نقول دون تردد أن السلطنات و السلاطين هي لعبة القط و الفأر في تجسيد أبشع صور الاعتناق الذي يطيح بكل انتماء و يدوسه تحت ذريعة الدين الحنيف و كأن الدين الحنيف قد خلق ليعصف بالمواطنة انطلاقاً من مقولة لم يستوعبوها من الإمام علي كرّم الله وجهه كما يقال:
"الناس صنفان إمّا أخٌ لك في الدين أو نظير لك في الخلق!"

و لا ندري هنا هل الأخوة في الدين تسحق المناظرة في الخلق أم أنّ المناظرة في الخلق ترتقي بالإنسان من اعتناقه المغلق إلى فضاء روحه الإنساني الذي لا حدود له.

في الحرب السورية نرى على الأرض كل سلطنات الصراع في وجه الدولة و في وجه دستوريتها و في سبيل طمس كيانها لتغدو أمة من الهلاميين و ليعود كيانها جغرافية تطمس الانتماء قبل أن يولد و تمارس وأد التحرر من انحسار الدين و المذهب بخرافة ذات بعد سياسي و بسياسة تجعل الخرافة المقدمة و الخاتمة في بلدان تصارع و للأسف لتموت و لتندثر لا لتعيش و يريدون خصّيصاً في سبيل ذلك اجتثاث سورية لأنها تحمل كلّ مورثات الحياة!

بدأت لعبة السلاطين بخلافة قالوا أنها استخلاف ينزل من سقيفة بني ساعدة ليخلف الله على الأرض أبناء الجاه و المال الذين رسخوا بأكذوبة الدين أعتى ديمقراطيات الديكتاتوريين العادلة على ذمة أبي هريرة!

و بقوا ينتقلون من مذهب تتقاتل عشائره إلى مذهب تتناحر بواطنه و ظواهره ما بين الدواخل و الخوارج حتى لم نكد نميز بين المواطنة و بين المحاصصة.
فمن يستوطن و يتوطن عليه أن يحاصص ليدرك بخرافات و ملحقات السياسة كل سلطنات المصالح الضالة حيث لا جمهورية و لا دستورية و لا إنسان ينتصر لهما و لنفسه!

لنا بسلاسلك أن نعيد دفاتر النور إلى سيرتها الأولى خالية من التشوهات دكتورنا الغالي بهجت سليمان.