عبد الكريم الناعم: ليستْ هلْوسة

بين كتاب وآخر، أعود إلى ماقرأتُ من بعض كُتب التراث، فأسافر من جديد في الكتاب برؤية متّفقة مع ماوصلتُ إليه من قناعات وامتلاءات، ولستُ من المفتونين بتراثنا، إذ فيه، كما هو موجود في تراثات الأمم ذات الحضارات العميقة،.. فيه مايُعتَزّ به، وفيه، - كما لدى غيرنا- احتشادات مخجلة، ومتى لم يكن الظّلم مُخجِلاً إلّا لدى الظَّلَمة؟! بيد أنّني أستطيع القول أنّ الوضيء، والإنسانيّ في هذه الكتب يشكّل آفاقا تحتاج لأكثر من عمر، ويخطر ببالي، قياسا إلى ماأقرأه من نصوص (مُعاصِرة)، وفي بعضها من (المُعاصَرة) – ¬أي من الشدّ والعصر- مايجعل الحجر الصّلد يصرخ من شدّة ( العَصْر)!!
أتساءل كم عدد الذين يُبحرون في زرقة بحار ذلك التراث للوقوع على النّبيل، الإنسانيّ، العميق، فاُصاب بشيء من الإحباط،
ذكرتُ في زاوية صحفيّة قبل أكثر من عشرين سنة، أنّ ثمّة مَن رجاني أن أستقبل شاباً أصابتْه (نتْعة) من نتعات الشعر، وأنا لاأضنّ على قاصد، وحين وجدتُ الورق الذي يكتب عليه وقد اتّخذ شكل الصّدر والعجز، ذهب بي الظنّ إلى أنّه من كتّاب الشعر العمودي، ولكنّه حين بدأ القراءة، بناء على رغبته، وجدت كلاماً لاوزن له، ولا قافية، ولا حتى رائحة شعر، وبكثير من اللّطف شرحتُ له بعض مايلزم لكتابة الشعر، وأنّه أوزان، وصور، ورؤى.. و.. و
نظر إليّ بثقة يبدو أنّها خُدشتْ وقال لي: "ولكنّ أكثر من واحدة من زميلاتي في الجامعة أُعجبتْ بهذا، حتى أنّ واحدة منهنّ بكتْ.."
أدركتُ مع أيّة عقليّة أتعامل، ومع أيّ سويّة أجلس، وبظنّي أنّ الكثير ممّا يُلقى على بعض المنابر الثقافيّة لم يُغادر تلك الأرض البور،
مَن لديه الآن الجَلَد، والوقت، والرّغبة لقراءة "الإمتاع والمؤانسة" لأبي حيّان التوحيديّ مثلا، ؟
مَنْ سيقرا رسالة الغفران لأبي العلاء المعرّيّ، أو مقدّمة ابن خلدون؟!
ماالذي تعرفه هذه الأجيال من تراثها في زحمة الأنترنت والهواتف الذكيّة، أو من تراث الإنسانيّة؟!
ماأظنّ نفسي مبالِغا إذا تصوّرت أنّ وراء ذلك عقلا جبّارا خبيثا، يعتمد على أرقى ماوصلت إليه علوم عصرنا في التأثير، وفي القيادة والتّوجيه عن بُعد، بذكاء مفزِع في خبثه، بهدف تدمير روح ثقافات العالم، لتبقى أمريكا ودول الغرب المتصهينة، في حال رداءاتها، وجشعها، مسيطرة على العالم، ولتحويل سكان هذا الكوكب إلى أعداد هائلة من المستهلكين، واللاّهثين وراء صرعات الغرب، وأنا واثق أنّ هذا هو أخطر تدمير على الثقافات البشريّة، وعلى روح الإنسان التّائقة للتفتّح والانعتاق من القيود المكبِّلة، والفخاخ المنصوبة، فهل تُرافق صحوة الشرق المواجِه للمشروع المتصهين صحوة تكون بعمق ضرورة التأسيس لروح حضاريّة، إنسانيّة، عادلة، تُنقذ سكّان هذا الكوكب ممّا يُحاك له؟!.....

نشر في صحيفة البعث، زاوية "حديث الصباح" في 29/5/2018