"الحيّز الموسَّع" للدّولة في "النظام العَوْلَمِيّ".. "الدّولة".. و "الدّولة الوطنيّة".. و "الدّولة العالميّة"

[الحلقة السابعة والسبعون "77" من "سلسلة الفكر الإستراتيجي"] عن:

[الدّولة: "الوظيفة" و " لبنية"]

["الحيّز الموسَّع" للدّولة في "النظام العَوْلَمِيّ"]

["الدّولة".. و "الدّولة الوطنيّة".. و "الدّولة العالميّة"]

● د. بهجت سليمان


كان لنا في السّابق، على هذه الصّفحة (المنبر)، جملة من المباحث على الدّولة و في الدّولة، و ذلك من جوانب بنيتها السّياسيّة و علاقتها بالمجتمع و الأفراد و دورها الاجتماعيّ و السّياسيّ و الثّقافيّ، و ما إلى ذلك من أوضاع للدّولة الوضعيّة أو الدّولة الواقعيّة و الدّولة الوطنيّة على الطريقة السّياسيّة المباشرة؛

و لم نكن قد تطرّقنا إلى "الدّولة"، في "النّظريّة المعاصرة"؛ التي نعمل على تكريسها في شرح متواصل لها من خلال مانتناوله في ضوئها و من خلالها و انطلاقاً من مبادئها التي كنّا قد وصفناها بالعقلانيّة النّقديّة، كأفضل ما يجب أن تنطلق فيه نظريةّ معاصرة تتجنّب المناهج و الأيديولوجيّات المعروفة، و لا تقترح بديلاً منهجيّاً منها، لأنّنا حرصنا على أن تكون حرّية الكلّمة مترامية الآفاق، لا يُقيّدها التّقليد؛

أقول لم نكن قد تطرّقنا إلى البنية النّظريّة السّياسيّة العقلانيّة، للدّولة، في "المعرفة" المتّصلة بالحاجات التي يجب أن تستجيب لها "الدّولة" في البنية المعاصرة المشروطة بالعولمة التي انتظم فيها واقع النّظام العالميّ الأخير.

لا يمكننا، أيضاً، أن نتجاهل واقع "الحرب"، بوصف الحرب حالة عالميّة معاصرة، قبل أن يكون لها هذا الفرض في واقعنا السّوريّ و في سائر طبيعة العلاقات المنهجيّة العالميّة التي تتحرّك في إطار الصّراعات المختلفة الحادّة أو الملطّفة؛

ذلك أن "الحرب" بما هي صراعات و نزاعات و عداوات سياسيّة مخفّفة في الدّبلوماسيّة و الأفكار التي تصاغ في مداورة على الحقائق، إنّما هي واقع عالميّ في العصر الأخير من الزّمن المعاصر، "يبدو"، في تظاهراته، أنّه ينخر أمن العالم و السّلام الدّوليّ، في التهابات عدوانيّة سياسيّة نظرية و تكالبات على الثّروة و تعانفات على السّيطرة و الإخضاع، و يدخل جبراً في صياغة نمط "الدّولة" المعاصر في النّظريّة و الممارسة و التّطوير.

و لن نتناول، هنا، تقاليد البحث في "الظّاهرة" و تعريفاتها المقترحة، إذ أنّنا نرى أن كلّ تعريف يرتبط مباشرة بوقائع تكون فيها الظّاهرة (الدّولة) في اتّقاد و تمايز دون آخر، لتنطبع الرّؤى و لتفرز تعريفاتها الخاصّة المرتبطة بالوضعيّات المختلفة للدّولة في الظّروف غير الثّابته؛

و بدلاً من هذا سنجعل السّياق يفرض تعريفه "الثّابت" الخاصّ للدّولة، مع أنّ هذا سيقودنا في النّهايات إلى وضع "معرفة" محدّدة على الدّولة المعاصرة المعولمة.
و إذا اتّفقنا على "التّاريخ"، فإنّ "الدّولة" عبَرت، حتّى الآن، و في سياق حضاريّ لا يُماري فيه إلّا "الرّومانسيّون"..، سبعة عصور تاريخيّة عالميّة متمايزة، في شتّى أصقاع العالم القديم و الحديث و المعاصر، في سياقات الشّرق و الغرب؛

هذا إذا لم يقتصر حديثنا على تقاليد الفكر السّياسيّ في نزعته المركزيّة الأوروبيّة؛ لننظرَ إلى الأمر في مخطّط جديد لهذه التّرسيمة السّياسيّة لظهور "الدّولة" في التّاريخ المعروف الثّابت و المكتوب.

تتيح لنا الذّاكرة السّياسيّة التّاريخيّة أن نبدأ بما سنسمّيه "الدّولة القديمة" التي نعني بها دولة "الحضارات" (الثّقافات) الأولى في هذا الدّور التّاريخيّ الحضاريّ المؤسّس لعالمنا الحضاريّ اليوم.

كانت هنالك "الدّولة اليونانيّة" (الهيلينيّة) و "الدّولة الفينيقيّة" (الكنعانيّة) و "الدّولة البابليّة" و "الدّولة الآشوريّة" و "الدّولة الفارسيّة" و "الدّولة الرّومانيّة"، ثمّ كانت "الدّولة العربيّة الإسلاميّة" و "الدّولة البيزنطيّة" و "الدّولة العثمانيّة"؛
• و هذا ما سنعتبره بأنّه "العصر الأوّل" و التّأسيسيّ للدّولة التّاريخيّة.

ثمّ ظهرت "دولة الإقطاعات الصّغيرة"، دولة الأمراء و النّبلاء، بالتّوازي مع "الدّولة البيزنطيّة" (الهلنستيّة) و تلاشي "الإمبراطوريّة الرّومانيّة"، و الدّخول في "العصور الوسطى" الأوروبيّة التي توازى فيها ظهور الدّول الإقطاعيّة الدّينيّة الأوروبيّة، ثمّ في تلاشي "الإمبراطوريّة العربيّة الإسلاميّة" و "الخلافات الإسلاميّة" التي تبدّدتْمخلّفة وراءها دولاً صغيرة عربيّة إسلاميّة، و إسلاميّة غير عربيّة، و هو ما مهّد للإمبراطوريّة العثمانيّة التي سبق ذكرها أعلاه؛
• و سنسمّي هذا العصر بِ"العصر الثّاني" للدّولة فيما بعد.

• حيث كان "العصر الثّالث" هو عصر "الدّولة الوضعيّة الاتّفاقيّة" التي ظهرت في (أورُبّا) إثر حروب الدّين التي تُوّجت بحرب الثّلاثين عاماً في ألمانيا و سائر أوروبّا القديمة، و التي وُضع لها حدّ تأسيسيّ جديد في معاهدة "وستفاليا" عام (1648م).

• كان "العصر الرّابع" عصرأ أوربّياً – عثمانيّاً خالصاً، بعد أن غاب "الدّور العربيّ الإسلاميّ" مع تمطّي "العثمانيين" في إمبراطوريّة التهمت الوجود السّياسيّ العربيّ في شكل لم تستطعه في استعمارها لجزء من ( أوروبا ) الشّرقيّة وصولاً إلى (اليونان)، و العصر التي عرفت به ( أوربا ) "الأحلاف المقدّسة" منها و "غير المقدّسة" ، بحيث لم يتميّز هذا العصر بغرض سياسيّ دوليّ متمايز أو محدّد الغايات، بقدر ما كان عصر المواجهات و سياسات الرّدع الخائفة و السّلوك المصلحيّ المتبدّل في (أوروبا)، و المؤامرات النّشطة و التّحالفات المتبدّلة.

فيما بعد، جاء عصر "النّهضة" في أوربّا مع سقوط (بيزنطة) تحت جحافل البربريّة العثمانيّة عام (1453م)، و ظهور دول الإمارات الأوربية التي قامت، أصلاً، على يد الأمراء و الملوك و بقايا النّبلاء و الفرسان، و هو ما أسّس للظّهور الأوّل لما سمّي، في مخاضات "الحداثة" الطّويلة و العسيرة، في (أوربا )، بعصر "القوميّات" و"الدّولة القوميّة"، الذي تناهى بالحداثة الفكريّة السّياسيّة التي تكلّلت بالثّورة البورجوازيّة الفرنسيّة في عام (1789م)؛

• و سنسمّي هذا العصر التّاريخيّ "العصر الخامس" أو بتسمية أخرى بِ"عصر القوميّات الحديث" (القرن الثّامن عشر، و القرن التّاسع عشر).

•. أما "العصر السّادس" فهو العصر الممتدّ ما بين "الحرب العالميّة الأولى" (1914- 1918م)، و "الحرب العالميّة الثّانية" (1939- 1945م)، و ذلك حتّى سقوط "الاتّحاد السّوفييتي" بعد الثورة السوفيتية عام "1917" - (1922- 1991م) – في العام (1991م)، و توطّد السّيطرة الأميركيّة العالميّة الانفراديّة على السّياسة العالميّة، و ترسّخ سياسات "القطب الواحد" الأميركيّ، في العالم؛

و ذلك حتّى ظهور و وضوح الأثر المعاصر الأكثر حداثة و الأكثر معاصرة (أو ما "بعد الحداثة") في التّطوّر التَّقنيّ العالميّ و الاحتكار الاقتصاديّ و السّياسيّ الإميركيّ - الغربيّ (الإمبرياليّ الأخير) الذي أدخل "النظام الدّوليّ" في ما سمّي بِ"العولمة"، مع ظهور "المحافظين الجدد" في "الولايات المتّحدة الأميركيّة"، و بداية غزو "الشّرق الأوسط"؛

• و هو "العصر السّابع" و الأخير لتطوّر "حضارتنا البشريّة"، السّياسيّ، حتّى اليوم؛
بانتظار "عصر ثامن" ليس من مصلحة الفكر السّياسيّ التّخمين فيه، كي لا ينزلق "الفكر السّياسيّ" الجادّ إلى "النّبوءات" الإعلاميّة الهابطة.

و سوف يعنينا، هنا، أساساً، في حديثنا نماذج "الدّولة" و "الدّولة الوطنيّة" و "الدّولة العالميّة"، في مراحل ثلاث من هذا الحديث؛ و سنعمل عليها، كلٍّ على حدة.

(1) أوّلاً: "الدّولة":

من المناسب أن يكون المدخل إلى فهم ظاهرة "الدّولة"، في التّاريخ، بأنّها مصالح خاصّة و قد اتّخذت شكل المصالح العامّة، بحيث أنّها هي "المؤسّسة"، أو المؤسّسات، التي يختلط فيها "الخاصّ" و "العامّ" من جهة "البنية"، أو البنى، كما من جهة الأغراض و الأهداف.

يسمح لنا هذا التّحديد بفهم تعقّد "الدّولة"، و تعقيدها، في مختلف مراحل نشوئها كظاهرة تاريخيّة إشكاليّة الفهم التي ما برحت تعمل عليه النّظريّات السّياسيّة المختلفة، مع أنّ نظريّة واحدة بمفردها لم تتمكّن من تبسيط تلك "الإشكاليّة" التي قامت عليها "الدّولة" على مراحلها في التّمايز و التّكوين.

لم تستقلّ "الدّولة" في التّكوين عن "المجتمع"، لذلك من الهامّ في متابعة ظاهرة الدّولة أن ننظرَ إليها في تواشجاتها الدّائمة مع "المجتمع"، و أعني مع القوى الاجتماعيّة و الجماعيّة الأبرز في التّأثير الاجتماعيّ و تحديد شروط التّمايز الاجتماعيّ في "السّياسيّ"، و هو ما ارتبط بالعصر الحديث (عصر القوميّات) بظاهرة "القوميّة" التي ميّزت الدّولة – الأمّة، سواء منها ما كان واقعيّاً في التّنفيذ المباشر، كما نجده مع "الأوربيين" و بعض دول (آسيا) و (أفريقيا) و (أميركا الّلاتينيّة)، أو سواء ما هو قيد "المشروع" كما هو الأمر في الدّول العربيّة؛

و هذا ما كان محطّ عناية نظريّات "علم الاجتماع السّياسيّ"المعاصر، بمختلف اتّجاهاتها و منطلقاتها و حدود أهدافها أيضاً.

المهمّ هنا في وصف "الدّولة"، أيّة دولة، هو ما نستطيع تسميته بالصّورة المعكوسة للمجتمع في الدّولة، بحيث تُظهر الدّولة الانسجام السّياسيّ، بغضّ النّظر عن ضرورة وجود المعارضة السّياسيّة لها، بقدر ما ينعكس فيها بنيةً اجتماعيّة و نظاماً اجتماعيّاً متجانسين؛

و بالعكس فإنّ الدّولة تدخل في متاهات الصّراعات السّياسيّة الخفيّة و المدمّرة، بقدر ما هي تعكس نظاماً اجتماعيّاً متناقضاً فيما بين جماعاته و فاشلاً.

من الحاسم في تكوين "الدّولة" التّاريخيّة، و بخاصّة الحديثة منها، و بشكلٍ أكبرَ المعاصرة، أنّها مشروطة بالنّماذج الأقوى للدّولة المعاصرة من حيث الشّكل السّياسيّ العامّ، على الأقلّ، تحت طائلة اعتبارها محلّاً للنّقد و الاضطهاد العالميّ و التّهديد الدّائم بزوال نظامها السّياسيّ، بوصفها "دولة مارقة" من شكل النّظام العالميّ و متمرّدة على هذا "النّظام"؛

و هذا، في رأينا، أحد أهمّ الأسباب الجوهريّة في ظهور نموذج الدّولة "التّوتاليتاريّة" (الشّاملة)، و بروز نموذج الحكم "الشّموليّ" في بعض دول العالم المعاصر؛

على عكس ما تقدّمه "النّظريّات الغربيّة" بهذا الخصوص، إذ يتقرّر أنّ "الدّولة الشّموليّة" هي ظاهرة تشكّل ردّ فعل على مخاطر خارجيّة على نظامها السّياسيّ، أكثر مما يمكن اعتبارها وليدة فلسفة سياسيّة مدروسة و منظّمة ضدّ "المجتمع"؛

مع العلم أنّ "الدّول الأقوى" في العالم و التي تشكّل تهديداً حقيقيّاً للنّموذج الشّامل للحكم في الدّول الأضعف، إنّما هي الدّول الأكثر شموليّة من حيث تحكّم قبضة نخبة قليلة فيها من رجال الأعمال و أصحاب القرار الاقتصاديّ الأثقل و طبقة سياسيّة متواطئة معها، على القرار الاجتماعيّ و على المجتمع بشكل عامّ.

هكذا، يمكن لنا تحديد تعريف مقارب للدّولة، مختلف عن التّعريفات التّقليديّة و المتداولة، بقولنا إنّ الدّولة هي أداة السّلطة المختلطة للنّفوذ السّياسيّ – الاجتماعيّ، المفارق لذاته، في نموذج تاريخيّ اغترابيّ للقوّة الاجتماعيّة، في نظامٍ نسبيّ من توزّع النّظام العامّ في أقليّة سياسيّة تتجاوز ذاتها، باستمرار، في مظاهر جزئيّة غير مكتملة.
سنوجز محدّدات الدّولة وفق التّعريف السّابق فيما يلي:

1- ليست "الدّولة" إذاً تعبيراً عن سلطات، كما يرد في أغلب التّعريفات "المقبولة" و المتداولة للدّولة، و إنّما هي صورة افتراضيّة لسلطة أونتولوجيّة تفوقها في الشّمول.

2- الدّولة أداة مختلطة من النّظام الاجتماعيّ – السّياسيّ.

3- هذا النّظام يتظاهر في اغتراب عمّا يُعبّر عنه من قوى أساسيّة، بانفصاله النّسبيّ، و حسب، عن جذوره التّاريخيّة.

4- و أخيراً، فإنّ "الاغتراب" القسريّ لنظام الدّولة، هو مشروع مجزوء و لا يمكن أن يكتمل؛

و لهذا نرى الدّولة في حالة دائمة من "التّهديد" النّاعم أو العنيف، من قبل قوى داخليّة أو خارجيّة، تعمل على قضم وجودها كقوّة، بواسطة قوى مناوئة و حيّة باستمرار.

يُتيح لنا واقع الدّولة الذي حدّدنا إطاره العامّ، أن نقف على كلّ من هويّة الدّولة، ما إذا كانت دولة قوميّة أو وطنيّة أو غير ذلك؛
و شمولها للاستراتيجيّات الاجتماعيّة المتماوجة، التي تدّعي التّعبير عنها؛

كما يُتيح لنا هذا "الواقع" قياس مدى "الاغتراب" الاجتماعيّ الذي تمثّله الدّولة، عن "المجتمع" في تعضّيه و تمايزه التّاريخيّين.

(2) ثانياً: "الدّولة الوطنيّة":

من الشّائع أن يتمّ تحديد هويّة الدولة "الوطنيّة" أو الدّولة "القوميّة"، في حجم و نسبة تمثيلها للقوى الاجتماعيّة في المجتمع الذي هي تعبير جزئيّ عنه؛

و هذا شيءٌ غير واقعيّ، لأنّ هذا الأمر يُقاسُ بمدى اغتراب الدّولة و استقلالها السّلبيّ عن "المجتمع"، و مفارقتها التّاريخيّة للقوى الاجتماعيّة المختلفة.

إنّ مفهوم "الدّولة الوطنيّة" هو مفهوم يُعبّر عن امتلاك الدّولة لصورة واقعها المعاصر و التّاريخيّ، و كفايات قدرتها على تمثيل اتّجاهات التّطوّر و التّنمية الاقتصاديّة و الاجتماعيّة و الثّقافيّة و السّياسيّة، للمجتمع، و لحاجات هذا المجتمع و ضروراته التّطوّريّة، في برامج تعكس واقعيّة العوز الاجتماعيّ للسّياسة "الأفقيّة" للدّولة، في أهداف واقعيّة و واعدة تأخذ الواقع الاجتماعيّ على محمل الجدّ، و تدفع به، عن طريق استراتيجيّتها الدّاخليّة، إلى تطوير ذاته، و إسهامات الدّولة بهذا التّطوير.

و من المفترض، بالتّالي، أن تعبّر "الدّولة الوطنيّة" عن ذاتها، بالقوّة، بحيث تمنع اتّجاهاتها الدّاخليّة من المشاريع السّياسيّة "الموازية" و الاستراتيجيّة أو الاستراتيجيّات المتعدّدة المناوئة؛

مثلما أنّ عليها أن تعبّر عن استراتيجيّة "نظامها السّياسيّ" إزاء المجتمع في قدرتها على توحيده، بدلاً من جعل "اغترابها" الذّاتيّ سبباً في "اغترابها" عن "المجتمع" ممثّلاً بأقصى اتّجاهاته الوطنيّة، من دون الالتفات إلى الاتّجاهات الاجتماعيّة "الكمّيّة" أو "النّوعيّة" الضّاغطة، و التي لا تعبّر عن الحاجات الحضاريّة الفعليّة لاتّجاهات التّطوّر و التّطوير الوطنيّ.

يظهر نموذج "الدّولة الوطنيّة"، كما تظهر الحاجة إليه، أكثر ما يظهر و أكثر ما تظهر، في "المجتمعات النّائية" و التي هي قيد التّشكّل الوطنيّ أو القوميّ، التّاريخيّ، أكثر ممّا يظهر في المجتمعات المتقدّمة و الحاضرة على سكة التّطوّر و الاندماج التّاريخيّين؛

إذ أنّ الواقع الاجتماعيّ في تلك "الدّول" ما يزال منقسماً أو في حالة انفصال عن الذّات، في دخوله في مشاريع جماعيّة انفصاليّة في "الثّقافة" بما فيها الدّين أو الطّائفة أو العرق أو الإقليم، سواء أكانت هذه المشاريع علنيّة أو خفيّة على واقع "النّظام" و الشّراكة الوطنيّة الكاملة.

واضحٌ أنّ مفهوم "الشّراكة الوطنيّة" هو مفهوم اجتماعيّ صرف، على عكس ما هو مطروح في الأدبيّات السّياسيّة الرّاديكاليّة (كما هو الأمر في سورية، مثلاً)، من أنّ مفهوم الشّراكة هو مفهوم سياسيّ بالدّرجة الأولى يصف نظام "الدّولة" بالذّات؛
لأنّ "النّظام السّياسيّ" لا يوصف بأنه شراكة أو شركة تاريخيّة، بقدر ما يوصف بأنّه "واقع موضوعيّ" أو حالة موضوعيّة "سياسيّة" تعكس الذّاتيّة أو الذّاتيّات الجماعيّة الاجتماعيّة، كديناميّات فوقيّة للواقع الحاصل في حقول الفعل الاجتماعيّ.

يتّصل مفهوم "الدّولة الوطنيّة" بالسّيادة الدّاخليّة المتفوّقة على الاتّجاهات الانعزاليّة الاجتماعيّة التي تتجلّى في مظاهر غير محصورة، على رغم أنّ أشهرها هو اتّجاهات النّزعات الثّقافيّة و الدّينيّة و الطائفيّة و العرقيّة..، و بشكل عام كلّ مظهر "عنصريّ" (عناصريّ)، هذه التيتتبنّى برامج "سلميّة" أو "عنفيّة" في عكس اتّجاهات الدّولة الوطنيّة التي – كما قلنا – عليها أن تعرف مصالح المجتمع في وحدتها، و أن تتمكّن من تمثيل هذه المصالح التّاريخيّة و دفعها إلى التّقدّم، في إطار الكفّ بالقوّة أو بالعنف لتلك "المظاهر" الجماعيّة التي تعكس صراعات اجتماعيّة (و سياسيّة) تاريخانيّة، إلغائيّة أو متطرّفة أو انقلابيّة و راديكاليّة.

تتحمّل "الدّولة الوطنيّة" أعباءً جساماً و صعبةً، في التّربية و التّعليم و الثّقافة و السّياسة و الاقتصاد و الاجتماع، نظراً لكونها، على الأغلب، نشأت بمحدّدات استعماريّة غربيّة نتيجة لرسم الخرائط السّياسيّة لدول العالم الثّالث، بالعنف الإمبرياليّ، و بخاصة كما هو الأمر حاصل في الشّرق الأوسط، و تحديداً في الدّول العربيّة المشرقيّة.

فالدّولة "الوطنيّة"، بالتّعريف السّياسيّ، هي "الدّولة" على ما عرّفناها، سابقاً، منضافاً إليها تحدّي "الوطنيّة" السّياسيّة و استقلال "القرار" و "البعد القوميّ"، و "المواطنة" و "التّنمية" و "النّموّ" بشكل أساسيّ و جوهريّ.

(3) ثالثاً: “الدّولة العالميّة":

سوف نختصر في مفهوم "الدّولة العالميّة" المراحل المختلفة من تاريخ "الدّولة" في "النّظام الدّوليّ"، و في "النّظام العالميّ" (و هما أمران مختلفان)، بما نعيشه اليوم من عصر "الدّولة المعولمة" في نظام "العولمة" المعاصر.

فبالنّسبة إلى "النّظام الدّوليّ"، باختصار، فهو ذلك "النّظام" المزعوم المكتوب على الورق في إطار "القوانين الدّوليّة" و الهيئات الدّوليّة المتفرّعة عنها في "مؤسّسات" دوليّة تؤطّرها منظّمة "الأمم المتّحدة" و "الاتّفاقيّات الدّوليّة" و "الهيئات و المؤسّسات" المنبثقة عنها، كما عرفتبعد "الحرب العالميّة الثّانية"، و على نحو نظريّ؛

و أمّا "النّظام العالميّ"، فهو ذلك "النّظام" العمليّ الذي يمكن أن نشير زمنيّاً إلى تبلوره الأخير مع بداية عصر "العولمة" السّياسيّ في "العلاقات الدّوليّة" الفعليّة، كما هي في "الممارسة"، منذ مجيء (جورج بوش "الأب") إلى رئاسة الولايات المتّحدة الأميركيّة في الفترة (1989- 1993م)، حيث بدأ العالم يشهد تطوّرات سياسيّة عالميّة حادّة انتهت بسقوط (الاتّحاد السّوفييتي) في (1991م) و هدم "جدار برلين"، و انقلاب التّوزّع السّياسيّ العالميّ بين "الغرب" و "الشّرق"، و انتهاء "الحرب الباردة" و صعود أميركا لتحتل واجهة القرار السّياسيّ الدّوليّ.

و خَلَا هذه الإشارة أو الإشارات فإنّ ولاية (جورج دبليو بوش) (الإبن) لرئاسة الولايات المتّحدة الأميركيّة ، في الفترة (2001- 2009م) ، و وصول صقور السّياسة الأميركيين من المحافظين الجدد ( المسيحيين الصّهاينة ) و الأشدّ حماسة لإخضاع العالم بالعنف – كأحدث سلالة من الموظّفين العالميين في نظام "ما بعد بعد الحداثة" ، المضمر في كثير من معالمه - هي بداية الزّمن الرّمزيّ الفعليّ للتّحوّل "العولميّ" ، و "انفراد"الولايات المتّحدة بدور "إدارة" العالم على الطّريقة الأميركيّة كأحسن من ينفّذ فلسفة "الحداثة" مضاعفة "البَعديّة" .

في هذا "النّظام العالميّ" ، ارتهنت ( أوروبّا ) بالكامل إلى "الولايات المتّحدة" ، بلا عناء ، بحيث توضّعت (أوربّا) في موقعها التّقليديّ كتابع سياسيّ مأجور ببعض المصالح الاقتصاديّة ، لدى "الولايات المتّحدة" .

و معروف جيّداً كيف خاضت هذه الحكومة الأميركيّة حروبها في "الشّرق الأوسط" و كيف أخضعت العالم ، و ما من سبب تاريخيّ يؤيّد استعادة تلك التّفاصيل التي ستخرج بنا عن مقالنا الأساس .

المهمّ ، هنا ، هو القول بأن "العولمة السّياسيّة" (الأميركيّة) للعالم كانت أن جاءت نتيجة لعولمة موسّعة في الاقتصاد و الثّقافة ، سبقت هذا الشّكل المباشر للعولمة .

ليس هنالك تعريف واحد للعولمة ، و تتعدّد التّعريفات بحسب الكتّاب و المفكّرين الذين يدخلون هذا الحديث ، و بحسب مناسبة الحديث .

و لكنّنا يمكن أن نضيف تعريفاً آخر ، مختصراً جدّاً ، للعولمة ، وفق سياق حديثنا ، بأنّها عبارة عن إخضاع عالميّ أميركيّ اقتصاديّ و سياسيّ و ثقافيّ ، للعالم ، مع إبداء المحفّزات المباشرة و الممكنة و المناسبة للّذين يترددون في الانصياع إلى هذا "النّظام" .

في نظام العولمة العالميّ ، يُصبح الولاء الدّوليّ الاقتصاديّ و السّياسيّ ، الظّاهريّ و "الغبيّ" و "المحدود" ، حادّاً للولايات المتّحدة و رغباتها في هذا المجال ؛

و تعمّم الطّريقة الأميركيّة الثّقافيّة ، الفظّة و سريعة الإيقاع ، كآخر "إنتاج حضاريّ" للذّوق و القيم و الأخلاق العالميّة ، و ذلك بسبب تدنّي المستوى الحضاريّ الإنسانيّ على مستوى الأفراد و الشّعوب ، و ليس بسبب قوّة النّط الثّقافيّ الأميركيّ ؛

و تدخل الدّول ، بالّلين و بالعنف ، في السّوق الاقتصاديّة –السّياسيّة الاحتكاريّة الأميركيّة العالميّة ، كتوابع و خدم لرغبات و سياسات "الولايات المتّحدة" في الهيمنة العسكريّة المباشرة على دول العالم "المارقة" وفق المنظور الأميركيّ ؛

و يُعاد تشكيل العالم و "تحالفاته" الاستتباعيّة ، بما فيه التّشكيل الجيوسياسيّ للدّول ، وفق "الرّؤية" الأميركيّة الخالصة .

من هنا نرى المدخل المناسب للحديث على "الدّولة العالميّة" أو "الدّولة المعولمة" ، و بخاصّة منها تلك الدّول التي تشكّل إقلاقاً إخضاعيّاً لأميركا ، في ما تراه من ضرورات إعادة "صياغة" تلك الدّول في منظومة التّبعيّة المباشرة للعولمة العالميّة الأميركيّة .

و إذا كان حديثنا ، كما هو واضح ، ينحو نحو التّركيز على الدّولة في (سورية) ، فلأنّ مجال التّطبيق الأميركيّ للفلسفة السّياسيّة العمليّة لِ"العولمة" ، يشمل ، بشكل رئيس ، "الدّول الوطنيّة" التي ما زالت تحتفظ باستقلاليّة قرارها السّياسيّ ، أو ببعض تلك الاستقلاليّة ؛

و في هذا الصّدد فإنّه لا يستقيم قياس التّبعيّة الأوربية لأميركا ؛إذا أخذنا بالاعتبار واقع تأسيس (أميركا) ، و أصولها الأوربية التي تجاوزت فيها ذاتها و أخضعت السّلف الأوروبيّ إلى نظام أوربي ، أنضج و أذكى في "سلالة" جديدة هي الولايات المتّحدة ؛

أقول لا يمكن قياس هذه "التّبعيّة" بمقاييس "دوليّة" خالصة ، لولا أنّنا نستطيع فهم هذه "التّبعيّة" في إطار مفهوم "النّظام العالميّ" .

نتيجة القوّة الاقتصاديّة و العسكريّة و السّياسيّة لأميركا ، فإنّ دول أطراف "النّظام العولميّ" سوف تدخل ، عاجلاً أم آجلاً ، في مجال التّأثير الشّامل لِ"لنّظام" ، و لو بدرجات متفاوتة ، تبعاً لنوع "القضايا الوطنيّة" التي تتبنّاها هذه "الدّول" ، و المشكوك في مدى جدّيّتها و أهمّيّتها ، و تبعاً لهزالة هذا النّمط التّاريخيّ لدول الأطراف.

يُقاس مدى الاستجابة النّسبيّة ، وفق ما قلناه ، للنّظام العولميّ ، بمدى قدرة "الدّولة" الوطنيّة – القوميّة عندما تكون ، فعلاً ، كذلك ، على تعبيرها "المعمّق" عن ذاتها كنظام سياسيّ يمتلك مقوّمات الاستمرار الوجوديّ في عمليّة "اندماج" نسبيّة في نظام العولمة ، بحيث تنتقل "الدّولة" إلى تعميق وجودها عن طريق تكريس كيانها و مؤسّساتها باتّجاه عموديّ هذه المرّة ، يضمن لها التّشبّث بعناصرها ، و تأصيل اتّجاهاتها الوطنيّة (و القوميّة) ، ثقافيّاً ، عن طريق رسم استراتيجيّات خارجيّة تتقاطع مع بعض المصالح الاتّفاقيّة العالميّة ، و بخاصّة ، اليوم ، إذ أنّنا نشهد حضوراً "دوليّا" لِ(روسيا) في مسرح السّياسة العالميّة ، مع العمل على اكتشاف كلّ "نقطةٍ حرّةٍ" ، "مفصل حُرّ" ، في مجال "النّظام" ، و التّوجّه نحوها ، و الحضور فيها ، بسرعة قبل الآخرين .

أشير هنا إلى أنّ كلّ سياسة لأيّة دولة في العالم ،هي ليست ، و لايمكن أن تكون ، مطلقة الامتلاء ، ناهيك عن أنّ الزّعماء السّياسيين الأوربيين الغربيين و الأميركيين ، الذين يُصنَّعون في زرائبِ الدّيموقراطيّة الغربية المزيّفة ، كانوا دوماً "موظّفين" بمرتبة ملوك أو رؤساء ؛

و هو ما يعني عدم انتهاء التّاريخ في هذه الّلحظة السّياسيّة المعاصرة ، و ذلك مهما أوحت الظّروف بصعوبة التّكيّف و الاستمرار .

من الواقعيّ أن تشدّد الدّولة الوطنيّة على عناصر "السّيادة" الخارجيّة في نظام العولمة ، و هذا ما يقودها إلى حضور سياسيّ عالميّ و تأثير في مجرى الحدث العالميّ ، و ذلك مهما كان ذلك التّأثير ضئيلاً ، كما يظهر في الممارسات المجرّدة .

في العالم يوجد نظامٌ للأفكار ، ما فوق "سياسيّ" ، و ما فوق "اقتصاديّ" ، ليست "العولمة" سوى تطبيق انتقائيّ و تلقائيّ ، من الدّرجة الثّانية ، لذلك "النّظام" الذي يمكننا باختصار تسميته بالنّظام "الكوسموبوليتيّ" المُدار بمؤسّسات مختلفة عن مؤسّسات "المجال الإعلاميّ" المعدّة لتصدير الأوهام ، و بوظائفيّة مختلفة تشتغل على الموجة الطّويلة للأشعّة تحت الحمراء .. ؛

و هو ، على سبيل المثال ، النّظام الذي أمرَ العلاقات الأميركيّة –الكوريّة الشّماليّة بالتّحوّل من التّهديد "المسرحيّ" النّاجح و المتبادل بحرب نوويّة كونيّة بين الطّرفين ، إلى التّفاهمات "الودّيّة" التي نشهدها اليومَ في مجال هذه العلاقات !

إنّ "الكوسموبوليتيّة" هي آخر مراحل "العولمة" و المنفصلة عنها ، على اعتبار "الكوسموبوليتيّة" نظام "فكريّ" عالميّ يتجاوز نظام المصالح المباشرة في رؤية "موحّدة" لعالم "القوّة" – السّوبّر - و نظريّة شاملة تُخفي "عنفها" – أو ضرورتها - في أفكارها التي تمارسها عن طريق النّظم و المؤسّسات الدّوليّة و المؤسّسات العالميّة "الوظيفيّة" ، كما هو الأمر مع استثمارها لنظام "العولمة" ، بالذّات .
وكان رأينا دوماً أنّه لكي تفهم "الوظائفيّة" (أو الوظيفة) ، فإنّ عليك أن تفهم ، أوّلاً ، "البنية" !

إنّ تلاقي أو تقاطع الأفكار العالميّة ، يبدو لنا أسهل من تقاطع أو تلاقي المصالح المباشرة ؛

على أنّ "المصالح" الاقتصاديّة هي الطّبقة السّفلى من أهداف "الكوسموبوليتيّة" التي تتجاوز في حدودها و إطارها حيوز "المصالح" و تعلو فوقها ، في الطّبقة العليا ، نحو رؤية فكريّة عالميّة واحدة للواقع العالميّ ، يجري فيها اختبار "مهارة" الجنس البشريّ و حذاقته ، في التّفاعل و الاستيعاب ، في كونه يشغل سطح هذا الكوكب ، مع التّخلّي عن الكائنات التي لا تثبت جدارتها في العيش على هذا الإيقاع العميق !

" الدّولة المُعولمة " هي الدّرجة الأولى من اجتياز الجدار ، و لكن مع قدرتها على الاحتفاظ بذاتها ، معوّلة بذلك ، أوّلاً ، و قبل كلّ شيء آخر ، على عناصر قوّتها الشّاملة التي يُعتبرفيها "المجتمع" من أهمها و أضمنها و أقواها ، إذا كان مجتمعاً منسجماً و يعرف كيف يحيى حياة واحدة على رغم فئاته و طبقاته و درجاته .

لكلّ عصر لغة سياسيّة يجب أن تكون مختلفة عن الّلغات المجرّبة الأخرى في ظروف مختلفة و مغايرة ؛

و لذلك يُعتبر السّلوك الّلغويّ السّياسيّ المعاصر بمضامين قديمة ، انتحاراً سياسيّاً كما أثبتت حولنا ، في الجغرافيا القريبة ، على نحو خاصّ ، الأحداث و الدّروس .

إنّ خوض العالم على النّحو السّابق ، هو مسألة فكرية – سياسيّة ، قبل أن تكون أيّ شيء آخر ، و بخاصّة ما إذا كانت سياسة مرتجلة أو تقليديّة أو متردّدة في أيّ اتّجاه من اتّجاهات السّياسة ؛

و المعرفة السّياسيّة التي تتجلّى في فلسفة سياسيّة خاصّة ، هي القادرة وحدها ، على تعبيد السّلوك و الفعل السّياسيين أمام "القرار" ، بحيث أنّ السّياسة الذّكيّة هي التي تفرّق بين "الفعل" و "السّلوك" ( الأوّل قرار ، و الثّاني استجابة ) ، و القادرة على تبنّيهما في الظّروف المتباينة كلّ منهما على حدة ، و عدم توفير أيّ منهما ؛

لا سيّما أنّ "السّلوك" يُظهر لنا قدرة الاستجابة السّريعة في ردّ الفعل الأقصى ذكاءً و خبرة و مهارة و مُكراً ، على المؤثّرات الظّرفيّة التي تستدعي هذا السّلوك ، بحسابات القدرة و الحنكة على اتّخاذ القرار الجريء و السّريع ، و ذلك من دون أيّ تردّد أو حسابات أخرى متأمّلة تختصّها أوقات "الفعل" دون أوقات "السّلوك" .

لا يُشكّل الخضوع إلى سياسات "العنف" العالميّ ، و الأميركيّ الأخرق ، بخاصّة ، أيّ قدر نهائيّ للعولمة بمعالمها الأكثر عدائيّة للشّعوب و الدّول و الأوطان ؛

و إنّما هي نفسها (الأميركيّة) ، تشكّل الّلعبة السّياسيّة الأكثر غباءً ، برأينا ، لمتطلّبات "الكوسموبوليتيّة" العالميّة بوصفها مكاناً تاريخيّاً متطوّراً ، أو "فلَكيّاً"(!) ، يعمل على استهلاك "الأرضيين" الأغبياء و المندفعين ، و أولئك الذي يظنّون في أنفسهم "العبقريّة" السّياسيّة المزيّفة .

إنّ الاستثمار المعاصر المحدود في "العالميّة" على الطّريقة الأميركيّة ، أو على غير الطّريقة الأميركيّة .. ، إنّما هو الشّكل الأكثر بدائيّة للفكر الإنسانيّ الجشع الذي ينطلق من دوافع مصالحه المباشرة ، متجاهلاً الحدود الأخلاقيّة و القيميّة التي تعكس الذّكاء البشريّ "المُصَفّى"(!) لرسم النّفوذ ، و مسترسلاً في الاستئثار الذي يُعبّر عن سلوك بدائيّ و أنانيّ لا يتناسب مع الدّرجة الحضاريّة التي يدّعيها ، أو تلك التي تعكس "النّظام العالميّ" العميق ..

يكادُ جميع "أقوياء" العالم الأكثر سذاجةً ، اليوم ، ينفّذون هذا الشّكل الاستئثاريّ في العلاقات التي يُقيمونها مع العالم ، و لذلك نراهم متّفقين فيما هم متناقضون و مختلفون .

إنّ هذه الدّول التي نتحدّث عليها ، ليست سوى منفّذة لأغراض تتعدّاها في سياساتها المحدودة و لو أنّها تُدرك أو لا تُدرك ذلك ، و لكنّها ، على أيّة حال ، هي الجزء المأجور الذي يُنفّذ سياسات أعلى و أعقد ، و يتقاضون ثمن هذا الأداء من أدوارهم المسرحيّة العالميّة التي يُنفّذونها بعنف و برود .

ليس من السّهل اختراق الجدار الفاصل بين العولمة و دافعيّاتها النّظاميّة التي تتجاوزها في الأهداف و الأغراض ، و لكنّه ليس مستحيلاً أيضاً .

لو لم يكن ثمّة حكماء يتجاوزون في طريقة تفكيرهم ما تقوم به الدّول الأقوى في العالم ، لاحترق العالم بما فيه و بمن فيه ؛

و لهذا نحن نرى أنّ الأزمات الكبرى التي تهدّد مصير البشريّة (و آخرها المسرحيّة الكوريّة الشّماليّة – الأميركيّة) يجري حلّها بالشّكل الأسرع و الأنضج من تلك الأزمات التي تعتبر محلّيّة أو إقليميّة في العالم، حيث تُترك للدّول القويّة لكي تُديرها و تشتغل فيها على طريقتها بالغباء و العنف و الطّمعِ و المخاتلات و المضاربات على حساب الضّعفاء، بوصفها صنفاً ثانياً أو ثالثاً من اهتمامات العقل البشريّ الذي يُنظّم دوران الإنسانيّة على كوكب يدور؛

فيما نرى المحكّ الفعليّ الرّاهن لحل مسألة الخلاف على تنفيذ "الاتّفاق النّوويّ" مع (إيران)، امتحاناً خاصّاً و فريداً لِ"النّظام".

واضحٌ، إذاً، أنّني أتحدّثُ على حكومةٍ عالميّة قِوامها "الأفكار"، تمتدّ من غرب العالم إلى شرقه، فوق السّياسات الدّوليّة و مشاريع الدّول.

لا يستقيم حديثنا إن لم نصرّح بأن العولمة المعاصرة، إنّما تتطلّب حكمة فلسفيّة من قبل الدّول الضّعيفة، أكثر ممّا تحتاج إلى أسلحة الرّدع و الاقتصادات المنافسة، حيث يستحيل ذلك، و أكثر، أيضاً، ممّا تحتاج إليها (الحكمة) الدّول القويّة.

يُعتبر مفهوم "الحيّز" السّياسيّ الذي على الدّول الضّعيفة، أو النّاهضة (إيران، مثالاً) أن تتوسّع فيه، بالطّريقة التي عرضناها، مفهوماً بديلاً لنظريّة "الجيوبوليتيكا" التي يثرثر بها من يفهمها، فعلاً، و من لا يفهمها على الإطلاق.

فإذا كانت "الجيوبوليتيكا" تعني ، في أهمّ معانيها و مدلولاتها ، تصدير القوّة بهدف الرّدع أو بهدف الاستيلاء و الاغتصاب، خارج حدود الدّولة الجغرافيّة و السّياسيّة ؛
فإنّ نظريّة "الحيّز السّياسيّ" التي نقترحها ، إنّما تعني ما يتجاوز ذلك بوصفه دوراً عنيفاً ، بشكل أو بآخر ، إلى "القوّة" الوجوديّة في الأفق الموسّع الذي يتجاوز في تأثيره الحدود التّقليديّة للدّولة الوطنيّة متواضعة القوّة و التّأثير المباشرين ، من حيث القوّة الكامنة في الأفكار ؛

إذ لا "قوّة" أقوى من "الفكر" في صيغته العقلانيّة الموسّعة، مع تجاوز صيغة "العنف" التي يشتغل بها "الأقوياء".

على "العقل" السّياسيّ، الحادّ و الهادئ في الأداء، أن يتجاوز القوالب و الأنماط السّياسيّة التي طرحها علماء الاجتماع السّياسيّ، المعاصرون، إذ لا شيء يُثبت أنّ ما تعوّد عليه الفكر السّياسيّ التّقليديّ، هو الصّحيح فقط، و لا شيء يمنع من المضيّ أبعد في الفكر السياسيّ، بناء على وقائع و ظواهر سياسيّة عالميّة، لا يمكن تفسيرها وفق العقل و التّفكير المجتَرّين.

و لن نقف في التّفكير و التّفكير السّياسيّ عند حدود أو محرّمات أو "تابوات"، و لنا ملء الحرّيّة في تجاوز النّمط الفكريّ السّياسيّ المعاصر بعد أن استنفد مفاهيمه و مضامين نظريّاته و راح يُكرّرها في الكتب و الإعلام.

في نهاية حديثنا سنؤكد أمراً هامّاً، و هو يتعلّق بطبيعة "الدّولة" التي ستبدأ تجربة "الحيّز السّياسيّ الموسّع" في زمن "العولمة"، و أعني أنّ "الدّولة" التي ينبغي لها أن تدخل هذه التّجربة العمليّة "الكوسموبوليتيّة"، ينبغي عليها أن تكون قد أنجزت بنيانها الوطنيّ المتماسك، فالعالم في كلّ مكان لا يحترم إلّا التّجارب القويّة أو التّجارب الرّائدة؛

و من الواضح أنّ التّجربة الرّائدة على مستوى العالم تشترط في أوليّاتها أن تكون من خلال ظاهرة تاريخيّة رائدة؛ بعد أن لم يُصادف أن تكون قويّة بشكلٍ كافٍ؛ و هي "الدّولة الوطنيّة" (القوميّة) التي عليها ان تنجز حداثاتها و فروضها في هذه "الحضارة" العالميّة، التي توزّع مهامّها و ضرورات إنجازها "الأفضل"، اتّفاقيّاً، على "الجميع".

***

فعقّب الشاعر المهندس ياسين الرزوق زيوس:أ ياسين الرزوق1

ذات معرفةٍ بحرفك الوطنيّ صارت هذه الذات عالماً من الصداقة و التقارب لا تأتيه العولمة من فوقه و لا من تحته مهما أتته و سامرته و غيّرت ظاهره في لحظة باطنية لا تظهر إلا الود و لن تظهر سوى المحبة الوطنية الخالصة..

في حقيقة الدولة دور وظيفيّ ينطلق من بناها و دور بنيوي يحدّد ضرورة الارتقاء بوظائفها السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و التعليمية و التربوية و الوقفية و هذا بحدّ ذاته لا يتأتّى من رقصات الكاذبين على جثمانها و من تجارة العابثين بمقدراتها و من تنقلات الفاسدين على كراسيها السلطوية التي تجعلهم متنفذين في أسرها أكثر و متوغلين في اجتثاثها أكثر و أكثر كي لا تبقى على خارطة الانفتاح الحضاري و التنافذ العالمي..

هذا الانتشار الوظيفيّ بشكله غير المقبول و بوقفته الوضعية غير المبرّرة هو الذي بات ثلّاجة تجمّدُ التغيير و بيروقراطيةً تبيد عملية التطوير و التحديث..

لا حيّز للدولة يتسع أو يضيق في نظام العولمة بل لها نوافذ تفتح أو تغلق حسب من يقرع هذه النوافذ و من يحاول فتحها و لا غرابة في تحويل هذا المنحى العولمي إلى باب غزوٍ لا مناص من فتحه لتلافيه و صدّه و لا مناص من رشق حماته برشقات العولمة الساحرة كي يحسوا بضرورة خلق السحر في التعاطي المؤسساتي و لكن حكماً ليس هذا السحر الخرافي الذي دجّج بلدانه الحاملة الخاملة بعدم التطور و غير الخاملة بتطور الأحقاد و فنونها في استحضار قرون الموت..

و حتى نكون صادقين يجب أن نقول الموت غير الحضاري و غير الرحيم حتى في كلّ الأنحاء و المناحي و جعلها عرضةً للتآكل الوظيفي و البنيوي و تلاشي الكفاءات و المقدرات و انهيار أبجديات الفعل الماضي و الحاضر في سبيل خلق مستقبلٍ عالمي يضبط آفاق عولمته كي لا يخنق وجوده الحي بحياةٍ فارغة من مضمون الأنسنة..

و ما أدرانا ما الأنسنة في ظلّ التوحشّ القاتل الذي لا مفرّ منه حيث لا يفرّ المرء من أمه و أبيه و صاحبته و بنيه بل حتى من دولته و مؤسساته و حكوماته المتعاقبة على قطع شعرة معاوية بين العالمية و العولمة أو لنقل شعرة الوطنية التي تجعل شعارها داخلياً و لكنها تقطعه وسط صرخات الخارج و مدّه الذي كما يبدو لا جزر له في ظلّ طغيان الخارجي على الداخليّ و الحدود الداخلية و العالميّ على الحدود الوطنية..

و لكنه يفرّ من كلّ ما يكسر قوالب المعاش و يبدّد سراب المعيشة التي ترسّخ الخضوع بصفة قناعة و التخلف و عدم الحداثة بصفة زهد و رهبنة ما يجعله رقماً عابراً في الحياة كما في الموت بل حتى يمكننا القول رقماً غير مقروء!....

للحرب أوزار و للقومية أظافر لكن لا لنحكّ بها جلود أمتنا التي تلبسها التماسيح أو تلبس التماسيح إنما لندخل بها دار العالمية بهويةٍ داخلية تبحث عن أمكنة تجذب رؤاها و عن أماكن عقلية تتشبث بها أكثر لا من باب الغزو الثقافي و مسح الآخر و اجتثاثه بل من باب تواؤم الثقافات على تلقيح ممنهج أو تهجين مدروس..

و الصفاء في القومية لا بقاء له كما أنّ الثقافة الهجينة دون رسوخ من هجنّوها في معرفة هويتهم ستقتلعهم من وطنيتهم قبل عالميتهم..

فلا عالمية دون وطنية و لا عولمة دون تحديد الشاشات العالمية و نصبها في ساحات الجماهير التي تنشد البقاء و العدالة و المواطنة!

لنا بسلاسلك عالمية البقاء بهويتنا الوطنية و بعولمتنا الحداثية التي تؤهلنا لننتصر في حرب الوجود لا لنخسر وجودنا و نلطخ وجوهنا بوحل الحضارات!
دكتورنا الغالي المتألق بهجت سليمان Bahjat Sulaiman.

***

كما عقب الأستاذ غسان أديب المعلم:أ غسان المعلم

تعددت التعاريف لمفهوم الدولة .
وتشابكت الأفكار والطروحات حول هذا الأمر بين الكثير من المفكرين .

وبإستخلاص واستنباط أهم العوامل المشتركة يمكننا الوصول للمفهوم الحديث بدءا من (مساحة جغرافية ومجموعة من السكان مع سلطة تدير موارد المساحة وتوفر الأمن والإكتفاء للمواطنين مع نظام حركة إقتصادي وتجاري مع الإعتراف الدولي بهذه المساحة.

وبالإنتقال إلى المرحلة العمرية لأي دولة فنلاحظ أيضا تضاربا بالأفكار وسأذكر إحداها من ثقافتنا الموروثة ليسهل الشرح..

ذكر (ابن خلدون) أن الدولة تمر بثلاث مراحل وهي النمو.. والعمران.. والشيخوخة.
وربط مسألة الشيخوخة بالترف والبذخ!
طبعا هذا الطرح خاطئ جدا في التعاريف الحديثة..
والتعريف الأصح وتناسبا مع طروحات ابن خلدون، فإن مراحل الدولة تكون على الشكل التالي:

1 - النمو ولنقل الطفولة: وهنا تسعى الدولة لتثبيت الحدود ومحاباة الجيران قدر الإمكان.

2 - العمران ولنقل الشباب: وهنا تمتلك الدولة مقوماتها من إقتصاد قوي وجيش عسكري وتبدأ بتنفيذ مشاريعها وقد تتحول لمستعمر ك"أمريكا".

3 - مرحلة الكمال أو "القوة التامة" وهنا تكون الدولة بأوج عطائها مع حفاظها على كافة أراضيها وامتلاكها لكل عوامل القوة للدفاع وليس للهجوم ك"روسيا".

4 - مرحلة الشيخوخة أو الموت السريري وهذه المرحلة تتطلب عوامل داخلية وفقدان الدولة للسيطرة على أراضيها بل وانهيارها بشكل تام.

وبالدخول للشأن السوري..

فالملاحظ أن الدولة السورية الحديثة قد مرت بالمراحل الثلاثة دون مرحلة القوة التامة.

وبالتاريخ الحديث وبعيد الاستقلال ترنحت الدولة بمرحلة النمو والعمران والشيخوخة نتيجة الانقلابات العسكرية المتتالية.
وهنا نستطيع القول بأن مفهوم الدولة التغى بغياب السلطة السياسية في هذه المرحلة أو عدم استقلالها التام.

بعد هذه الفترة المتقلبة وصل القائد الخالد حافظ الأسد للحكم واستطاع بفترة قصيرة تجاوز "دولة النمو" لدولة القوة أو الشباب..
ولم نصل للمرحلة الثالثة لسبب جوهري هو فقدان جغرافيا وبقاء وتحويل الجهد لاسترجاع الحقوق..
واستمر البقاء بهذه المرحلة مع وصول السيد الرئيس بشار للحكم.

وازدادت قوة الدولة أكثر و أكثر مع تناغمها الحديث بعديد الأمور في مختلف المجالات، وبقيت العقدة التي لم تتحقق لتتكامل شروط المرحلة الثالثة بسبب الجغرافيا أيضا.

طبعا في هذه الحرب حاولت الدول الاستعمارية بشتى الوسائل وصول الدولة لمرحلة الشيخوخة واستبدال الدولة السورية بدويلات مارقة، وهو مالم يحدث بسبب المرحلة الثانية من عمر الدولة.

سأذكر بالنهاية أهم عاملين لعدم وصولنا للمرحلة الثالثة، وأرى من خلال طرح المشكلة وجود الحل (وداوها بالتي هي الداء):

1 - عامل خارجي متمثل بالجغرافيا والصراع الازلي مع "أقذر وأسفل وأنذل وأحط" قوميتين في التاريخ المتمثلتين بقومية اسرائيل وكذلك القومية العثمانية السلجوقية مع مساعدة "الوضيعين من العرب"

2 - العامل الداخلي المتمثل بالانتماء والمواطنة والنمو والتنمية، وهي عوامل يتناولها الجميع بشكل يومي، ومنهم من يعدها خطوة ملازمة، ومنهم من يعدها أولوية، وهناك من يعتبرها ثانوية.

بالنهاية.. دولة قوية تامة تحتاج لجهود مضاعفة تتمثل بإختراع نموذج جديد في المقاومة، وصولا للفعل وتحقيق النتائج وضرب العدو وامتلاك الحقوق.

وبهذا الأسبوع بالذات حصلت طبيبة سورية على جائزة أفضل منشور طبي من الجمعية السويسرية للجراحة العظمية..
ضربت هذا المثال لأقول:

سوريا تمتلك أعظم وأنبل وأرقى العقول في العالم وقادرة أن تصل لدولة القوة التامة الكاملة.

رأي شخصي.. إذا أخطأت فقلبكم كبير كما تعودنا ومنكم التصويب ومنا القبول..
وإذا أصبت فذلك بفضل جهودكم وحواراتكم الرائعة بهذا المنبر الجميل للمعلم الحكيم.

والسلام على و لسوريا الإنسانية.