ليندا ابراهيم: "نصٌّ سوريٌّ قديم.."
"الرِّياحُ تدورُ حولَ التِّلالِ، و تذهبُ
إنَّ التُّرابَ يتوجَّعُ
إنَّ العشبَ لا يولّي الأدبارْ
لا يجثو حين تأتي الثيرانُ المتوحِّشَة
لسوفَ تدورُ و تدورُ.. ثمّ تذهبُ"
هكذا يقولُ النَّصُّ المنقوشُ على الرُّقُمِ البابليِّ، و الذي دَوَّنهُ "سيزيفُ السُّوريُّ"...
كثيراً ما راودني هذا النَّصُّ الأسطورة عن نفسي، و لطالما ردَّدَتْهُ روحي في منعطفاتٍ مظلمة من تاريخ بلدنا الحبيب سورية، و سأتناوله فيما يلي تناولاً جمالياً فكرياً، لعلي أقعُ على مكامن جماله، ومناجم حكمته.
فعندما نقول "نَصٌّ"، فهذا يحيلنا إلى الكتابة، الكلمة، الحرف، سرِّ الحرف، وما أدراك ما سرُّ الحرف؟
إنه روحُ الإله استودعَها إيَّاهُ بكلِّ مَشِيَّته و طاقته الكامنة المختزِنَةِ روحَ الأشياء وكنهَهَا.
وعندما نقول "رُقُمٌ"، فهذا يخطِفُ أرواحنا إلى أوابد الزمان، وغابر الخلق، حيث ثمَّة وديعةٌ للتاريخ استودعَها قلبَ الترابِ، و حضنَ الأرضِ لتبقى مصونةً لنا، محفوظةً كالسِّرِّ لأرواحنا تمدُّها بنسغ الخيال الذي يَسَّاقط عليها شذراتٍ من العقيق الإلهي السَّرمدي و قد نُقِشَت من الأزل و إلى الأبد، وثائقَ للآلهة دَيناً بعنقِ الزَّمان و جيدِ الإنسان: أنْ لا تُفرِّطُوا...
و عندما نقولُ"بابليٌّ" سرعان ما تقتبِلُ أرواحنا بأمِّ الدُّنيا.. ومهدِ الجمال السرمدي الخالد، موطنِ جلجامش و عشتار، إلى أوروك و سومر، إلى زمنِ انبثاق الحبِّ و الخصب و الجمال و العلم و الشعر و الأدب و الحضارة على وجه الأرض..
كما قلتُ، لن أقاربَ النَّصَّ لجهة عناصره ومكوِّناته الرمزية الدلالية الميثيولوجية.. فهذا عملُ المختص، إنَّما سأحيله إلى قراءةٍ فنيَّة جمالية موغلةٍ في الجمالِ و الفتنَة، و الغمُوضِ المُشتَهَى الذي يكتنفُ النَّصَّ و يكتنفُهُ النَّصُّ.
فالنَّصُّ مُثقلٌ بالفكرة تارة، و بالصُّورِ البيانية البديعة لدرجة أقصى الجمال الأدبي، تارة أخرى، و هو حمَّال أوجُهٍ، حمَّالُ هَمِّ إنساني وفكرة خالدة، هي بقاء الخير و انتصار الإنسان بالرغم من عوادي الزمان، فالرياح هي الهواء القويُّ بمعناها المعروف و لربما كانت قوية أكثر بما تحمله من طاقة تخريبية، و هي تدور حول التلال، و قد وردت هنا التلال و لم ترد أية كلمة أخرى تنمُّ عن المكان الذي ترتاده الرياح كناية عن أن التلال راسخة في الأرض باقية كما الأزل و لن تهزمها الرياح مهما اشتدت... والدليل عندما يقول "الرقم": "و تذهب" فهذا كناية عن تكرار و كثرة تعاقب هذه الرياح على التلال المذكورة و ذهابها الحتمي كاكتمال لدورة الطبيعة.. ودليلُنا أنَّ الرِّياحَ هُنا أشَدُّ ما تكون، هي ما أورده "الرُّقُمُ" من أن: "التُّرابَ يتوجَّع"... يا لَهذه الصُّورة الشعريَّة البليغة حدَّ الوَجع.. بما تحمله من إحالة و دلالة فهي تصوِّر لنا أن التُّراب كائنٌ حيٌّ ذو مشاعرَ و يتوجَّعُ دليلَ شِدَّةِ وطأة عادية الزمان عليه، و هنا كنَّى عنهَا بالرِّياح التي تنبَّأنا من السَّطر الأول على الرُّقُم بأنها قد تكون شديدة لدرجة التدمير و التخريب و الإيلام... و أستطيع القول بمزيد من الثقة أن المراد هنا هم سكان هذا التراب و أنهم هم من يتوجَّعُون و يئنُّون من وطأة الخراب، و ما يلبث النصُّ أن يستدركَ ليعيد الثِّقة بالنَّفس و بالنَّصِّ فيرد في السطرين التاليين لآخر النص: "إنَّ العشبَ لا يولّي الأدبارْ.. لا يجثو حين تأتي الثيرانُ المتوحشّة.. وهنا تأكيد على التمسك بالأرض و الدفاع عنها و الثبات عليها و الإيمان بها.. تأكيد على عدم الانهزام أمام عاتيات الزمان وعاديات الدهر.. إن إنسان هذه الأرض لا يركع أيضاً ففيه منَ العزة و الأنفة و الإيمان ما يجعله يقف صامداً أمام "الثيران المتوحِّشة" كناية عن عتوِّ العدو و أنَّه غاشمٌ متجبِّرٌ متوحِّشٌ لكنَّه ضعيف مهما بلغ من القوة، و أن العشبَ "و لا ننسى هنا أن العشب يرمز للضعف الجسدي لكنه في الوقت نفسه يرمز للتجذر في الأرض، و أنه ـــ على ضعفه ـــ يصمد أمام الريح بخلاف الأشجار العملاقة أو غيرها من مكونات البيئة، لينتهي النص على إيقاع الحكمة الأخيرة الأزلية الحتميَّة القائلة بأنَّهُ مهما مرَّ على هذه الأرض من عدوان طبيعي أو بشري فهو عابرٌ عابرٌ عابرٌ، و تبقى الأرض بأهلها الذين دافعوا عنها و ضحوا لأجلها و بذلوا لها... نعم صدق النص الأسطورة إذ قال: "لسوفَ تدورُ وتدورُ.. ثمّ تذهبُ"، و لتكتمل بنية النص الفنية الجمالية بتكرار السطر الأول في السطر الأخير لفظاً و فكرةً فيأتي هذا التكرار ليعطي جمالية للنص فيكتمل و تكون القفلة المحكمة فنياً وفكرياً حيث أنَّ هذا توكيدٌ و تأكيدٌ على الفكرة الأساسية و هي البقاء للأقوى الذي يثبت و يؤمن بالأرض و يدافع عنها ويحميها، و لتُظهر كم أن العدوَّ عابر زائل فانٍ أمام الإيمان و الصبر و الثبات... مهما عتى و توحش و تجبر.
الثورة