ليندا ابراهيم: عن الشَّوق والياسمين..
- حياة، ماذا ستكتبين الليلة؟... سؤالٌ باتَ مؤرِّقاً أشعرُ بمسؤوليَّته يوماً بعد يوم...
- حسناً..سأكتبُ عن الأمرَينِ الغامضَيْن حدَّ القداسَة...
عمَّ ستكتبين...؟ يأتي سؤالُه ثانية، وتنداحُ مواسمُ من الجمالِ، وحقولٌ من الفتنة، وأقانيم من الوجد والضوء..وعمَّ سأكتبُ سوى عن ياسمينك و شوقي؟ وأنهمر على لوحة المفاتيح كغمامة عطر لا تمتلك الانتظار لحظة..
المكان: دمشقُ العتيقة ،الزَّمان:أيلولُها ، الوقتُ: كلُّ شيءٍ عاشقٌ: الرَّصيفُ، الطَّريقُ المعبَّدُ بالحجارة، الكنيسة المريميَّة، طريق باب شرقي كافيه "ماورد"..الأضواءُ الخافتةُ و الأذانُ المنبعثُ من حناجرِ المآذن، فجأة ينتقل إلى جانبي الآخر ليقيني،في ظنه، من شرِّ عربة عابرة قد تمسُّني بضرٍّ، فيَجِفُ قلبي بحنوٍّ :"هو يخاف عليَّ إذاً.." ..نتابع ُالسَّيرَ، المكانُ مزهوٌّ برائحة الياسَمين الدِّمشقيِّ المنبعثةِ من كل مكان، تملأ رئاتِنا حتى الشِّغاف، لكن لا، بل ثمَّة شيءٌ آخرُ، أمرٌ غامضٌ يَسِمُ هذا الوقتَ أو هذا المكان بل هذه المدينة كلها...
نمشي... وأمشي ساهمةً وعينايَ على الأرضِ لا أرفعُ رأسي عن حجارةِ طريقها، متوحِّدةً معها وحالتي هذه وأفكر: ترى كم من الأزمان وراء هذا الزمان وكم من طبقات الأرض و ملايين الأقدام لأقوام مشت وعبرت ههنا...من عاش عليها عبر تسلسل الحقب..وكم عمر أبنيتها وطرقاتها وأسوارها ..وكم عمر ساكني هذه البيوتات الترابيَّة المتداخلةِ كأكفِّ عُشَّاقٍ..الملتحمَةِ كخصورِ مُحِبِّينَ عبر الزمان...
أما اليمامُ فلا يهمُّهُ سوى أن يتكاثرَ لكي يصبح لائقاً بسمائها...بمساءاتها..بأحزانها..بصياح بائعي الفول والبليلة صباح مساء...
لصباحك وردتان: وردةٌ حمراءُ تقول أحبُّك، ووردةٌ صفراءُ تقولُ ليتني بك كلَّ لحظة...ولكن أينَ المَفَرُّ، وعيناك من أمامي، والذاكرةُ من ورائي ؟ اسمعْ...لم لا تبقى نائياً ..حباً مستحيلاً يتضوع عطراً سرياً كي أظلَّ متعطشة لرحيلِكَ إليَّ؟ كل الذين يكتمون عواطفهم بإتقانٍ ، ينفجرُون كالسَّيل إذا باحُوا...وهذا ما يحصلُ لي عندما أكون بكَ ...أن أكون حبيبتك أو لا أكون، "تلك هي المسألة".. ها أنا أفتح دفتر الليل فأجدك بين السطور نجمةً مضيئه نائية..و يوم قلتَ وداعاً شعرتُ أنَّني أحدِّقُ في قبرٍ مفتوحٍ ينتظرني..
قلبي شجرةٌ نَقَشَ غريبٌ عليها اسمَهُ ومضى ،واهمـــاً أنَّه امتلكها حتَّى يعود ، جاهلاً أنني امرأة الرياح والزلازل والصواعق ،ولست عصفورة خشبية في ساعةٍ حائط.. أنا امرأة الدهشة، أخشاب المراكب المبحرة إلى المجهول مملكتي ،شطــــآن القارات كلها شرفاتي..أنا المصبــــاح ولستُ ظلك، عامٌ آخر وأنا تائهة بين وجوهك في غابة مراياك , فمن أنت و أين أنت؟ أنا ذاكرة لا تريد أن تفقد ذاكرتها . وأنت , من أنت؟
لأنك شفاف كالضوء توهّمتك زجاجًا هشًا . فإذا بك رجلاً قدت روحه من الماس الصلب، حين أكتب عنك , يتحول قلمي بين أصابعي إلى شجرة، مأساتي أن حبي مبصر, مجنون لكنه يرى بوضوح. حين كنت أحتضر أمامك, مرمية فوق صخرة الحزن الأبدية, أمطرتني بسكوتك . وحين سقطتُ على الأرض مثل جريدة عتيقة لم تنحن لتلُمني..لست أكثر من ريشة في مهب الظلام والثلج والذاكرة , وانهيارات مناجم السنوات ...قريبة منك وبعيدة في آن ، كي لا تجتاحني ولا تسأمني ، ولا تحتلني و لا تغادرني ..
لا بد وأن ثمة سراً ما، كامناً لتكون أنت أنت و أنا أنا..ولا تستطيع مخيلتي وأفكاري وخلدي ومفرداتي ولغتي أن تحيط بهذا السر.. أعترفُ أنَّ معالجة الكلمة صعبة عندي لكوني في التماسٍ دائمٍ لما وراء الكلمات، لمعنى المعاني. لما كان قبل تجسُّدها. أحسُّ أن بي انخطافاً إلى ما كان قبل صورة الكلمات. ربما كان هذا ضعفاً أمام ضرورة تجسيد المعاني أو تصويرها. إذاً لماذا قبلتُ أن أكون كاتبة؟ أليست الحقيقةُ قائمةً بين القول والصَّمت؟ تماماً هذا ما يحدُثُ لي عندما أكون معك...
"جميلٌ ذلك الصَّوتُ الذي يأتي من المنفى ليحدثك عن الحياة و الحب، و الوطن الذي لا يأتِي.."
آخر جملة قالتها "حياة" قبل أن تنهي انهمارها...
تلتفتُ وقد تحوَّلتْ عيناها إلى باقتين من شوقٍ وياسمين...
الثورة