بحث من أربع حلقات عن الثقافة (3 من 4).. حديث الثلاثاء ح29

[ حديث الثلاثاء " 29 " ]

■ بحث من أربع حلقات عن (الثقافة) ■

( 3 من 4 )

الحلقة الثالثة

[ النّصّ المقدّس" و مقتضيات "العقل"
إبداع "القراءة" و إنتاج "التّأويل " ]

● د. بهجت سليمان

1 يقع "العالم" في منطقة حرجة بالنّسبة إلى الدّور الذي يقوم به "النّصّ" من كشف تلقائيّ أو مكاشفة فاعلة لسيرة "الدّلالة" التّاريخيّة التي يُراكمها "الأثر" في مجرى "النصّ" و تفشّي "الخطاب" التّاريخيّ المحكوم بمبدأ الانعكاس التّأويليّ ( الهرمنيوطيقيّ) في "هارمونيّة" (اتّساق و تناغم ) الحدود القصوى لِ"الأثر" ، و التي ليس للنّصّ أن يتجاوزها و لا حتّى في "الخطاب" الدّلاليّ الذي يطمح بطبيعته إلى ممارسة قوّة سحريّة تتجاوز "النّصّ" إلى "التّفسير" في مقابل سلبيّة "التّناصّ" و "التّدبير".
‎و عندما يكون الأمر، بحكم طبيعة الأشياء ، أن تتشكّل المنظومة الدّلاليّة أو التّعبيريّة – في الأقلّ – وفق
متوالية فكريّة تتجذّر فيها القراءة بمعزل عن تهجئة الحروف و الكلمات ، فإنّ لنا أن نبسّط الأمر ، فنقول إنّه لا يُمكن تصوّر طريقة أو طريقاً للوعي العالميّ ، التّاريخيّ و الدّلاليّ ، يخرج عن مخطّط شبه آليّ ، كمعادلة اقتصاديّة تعبيريّة تطمح إلى أكثر ممّا توحي بالتّعبير عليه ، أو مخطّط مُعبّر بكفاياته التّكوينيّة (البنائيّة) ، و أعني به مخطّطَ مُتواليةِ : النّصّ – الخِطَاب – الأثَر – الدّلالة (التّأويل) – و العمل ، و هذا من دون أن نخلط ما بين "التّأثّر" و "الأثَر" ، كما كان قد فعل (بول ريكور) ، و ذلك كما سنشرح في حينه .
‎من الطّبيعيّ أنّ تواشج عناصر هذه "المتوالية" لا يُلغي كون أنّ مفرداتها متمايزة و متعضّية ، كل منها على حدة ، هذا على رغم أنّنا ، و في غمار متابعة الخيط النّاظم لها كمتوالية ، نحتاج إلى إدراك الأبعاد الخاصّة لمفردات المتوالية ، ليكون مبرّراً لنا ، أو مسوّغاً ، أمر أنّ إدراكنا للجزئيّة ، لا يتناقض مع إيماننا بالوحدة ما بين الأجزاء ، و لكنْ ليس على طريقة "الوحدة" التي يقول بها "المتصوّفة" أو "الحلوليّون" .

● أوّلاً - النّصّ :

2 يتعثّر الكثيرون من المختصّين في البحث في "علم النّصوص" ، باجتهادات إدمانيّة مفارِقة في عزلة و انعزاليّة الاختصاص المغرِق و الغارق في غرور "الاكتشاف" ، مع أنّ ما يأتون به في هذا المجال ، إنّما هو ، على العكس ، شيءٌ من قبيل الاحتفاليّة المدرسيّة بتقاليد شعبيّة لتلاميذ شبه مجتهدين ، أو لطلاب أكاديميين كُسَالى يعملون على تقفّي أثر أساتذتهم العجزة الملتصقين بمواضعهم الوظيفيّة الأكاديميّة و التي تمثّل لهم طول العالم و عرضه ، فيما لا يمكن لهم أن يسمحوا لأيّة محاولة إبداعيّة جريئة للقول أو للتّفكير ، أن تتشكّل و لو في جنينيّتها البائسة . 
‎أدخل هؤلاء "النّصّ" في "علم" للنّصّ لا يتجاوز أهميّة كلّ منهما ، بطريقة البحث تلك ، أهميّة أنْ نَصِفَ الماء ، مثلاً ، بأنّه سائل له خواصّ وصفيّة غير حدّيّة ، و لكنّه بالطّبيعة قد استقلّ بهذه "الوصفيّة" حتّى صارت وصفيّة وظيفيّة نتيجة للبنيويّة الّلغوية و القوانين الدّاخليّة التي جعلت هذه "البنيويّة" تشير إلى وظيفة مستقلّة و محدّدة ، و بالتّالي تعبّر جيّداً عن وصف مناسب في صعيد الوصفيّة الخالصة التي لا يُمكنها ، بحكم عدم تأهيلها ، أن تشكل تعريفاً للشّيء (و هو هنا ، "النّص") ، بقدر ما تصف خصائص تفكيرنا في اعتبار الشّيء هو ذاته و ليس شيئاً غيره ؛
‎بالتّالي فإنّ هذه "الوصفيّة" هي نكوص رجعيّ للوعي في محاولته القبض على لحظة الحاضر التي تنتظم الأشياءالتّاريخيّة عندما يكون لهذه الّلحظة مرجعيّة واقعيّة تاريخيّة للوعي ذاته ، بما هو وعي ، في إطار التّفكّر بالعالم الخارجيّ .
‎فَ"مفهوم النّصّ" لا يتحدّد ، مثلاً ، عن طريق ما يُسمّونه "علم النّصّ الّلغويّ" (Textologi) 
كما أنّ هذا "العلم" المزعوم لا يُمكن تقسيمه لا "بشكل صريح" و لا "بشكل ضمنيّ" ، إلى ما يُسمّى "علم النّصّ النّظريّ" (نظريّة النّصّ) و هذا – بحسب أصحابه – هو "علم الموضوع العامّ للنّصّ" ، أو "علم بناء النّصّ" (تشكيل النّصّ) ، أو .. إلخ ..
‎و في الوقت نفسه ، فإنّه لا يدخل شيء ، أبداً ، من ذلك "التّقسيم" تحت مُسمّى "علم النّصّ الوصفيّ" تحليل النّصّ ، و هذا الذي – بحسب رواده أنفسهم – يقعون في خطئه عندما يُتابعون : "بوصفه علماً عمليّاً لتحليل النّصوص و تصنيف نصوص لغويّة" ..
و أخيراً ، فإنّ من تقسيماتهم "العلميّة النّصّيّة" ، هو ما يندرج تحت تسمية "علم النّصّ التّطبيقيّ" أو "علم استخدام النّصوص" ، "و استيعابها ، و تعليمها ، ومشكلات عدّة متشابهة" .

‎[راجع : مدخل إلى علم النّصّ – مشكلات بناء النّصّ . زيتسيلاف واورزنياك . ترجمه و علّق عليه : أ. د. سعيد حسن بحري . مؤسسة المختار للنّشر و التّوزيع . منتدى سور 
الأزبكيّة . القاهرة . الطبعة الأولى – 2003م] 
‎يُعتبر هذا المصدر نموذجاً للتّشويش المضاف إلى تشويش زمنيّ آخر بالنّسبة إلى "النّصّ" و "علم النّصّ" و "أنواع النّصوص" ؛ إذ أنّه لا يقدّم شيئاً ، على الإطلاق ، مع ما يشابهه ، يُفيدنا في الولوج بجرأة إلى "النّصّ" بالذّات .

3 يتعلّق أهمّ إشكالات "النّصّ" ، في رأينا ، بما يُعرف بِ"علم الدّلالة" (Semantics) ؛ فيما ننظر إليه ، على أنّه يجتمع على علمين يكادان يستقلّان في ما بينهما لولا أنّ "النّصّ" يمثّل كائناً وضعيّاً على نحو مندمج في لحظة الدّراسة ، من علمين يفترقان أحياناً بحكم سياقهما "الدّلاليّ" ..
‎و نعني بهما "السّيمانطيقا" بوصفه ، حسب معرفتنا ، علم البنى "الذّاتيّة" الدّاخليّة النّحويّة و الصّرفيّة و البلاغيّة و علامات التّرقيم ، للنّصّ ؛
‎و "السّيميولوجيا" بما هو ، أيضاً ، حسب معرفتنا ، علم البنى الدّلاليّة "الموضوعيّة" للنّصّ المستقلّة عن الكاتب ، من بنًى اجتماعيّة و معقوليّة و صدقيّة و تاريخيّة و لاهوتيّة و
احتماليّة و تأويليّة و تفسيريّة ، للنّصّ ، بالذّات .
‎اشتغل "البنيويّون" ، بشكل خاصّ ، على البنية "الدّلاليّة" ، بنوعيها ، للنّصّ ، مع أنّهما انحازوا إلى "السّيمانطيقا" في اختزالهم لعلم الدّلالة على أنّه علم "السّيمانتيك" ) السّيمانطيقا( ، و أهملوا ، في رأينا ، إهمالاً مغرضاً ، الشّق الثّاني من "علم الدّلالة" "السّيميولوجيا" ، لأسبابٍ تعود إلى الانشقاقات النّقديّة الأدبيّة و الجماليّة ، الماركسيّة ، الفرنسيّة ، في ما بينها ، في تنافس تحوّل إلى "مشكلة" علميّة صِرفة ، كان ضحيّتها مفهوم "النّصّ" و علوم النّصّ المختلفة ، على التّحديد ؛
‎إذ قاد هذه المعارك "البنيويّة" النّقديّة الجماليّة ، التي تحوّلت إلى "مدارس" - (مع) - أصحابُها الشّهيرين من أمثال فرديناند دي سوسير (1857- 1913م) السويسري – الفرنسيّ الشهير ، و الفرنسيّ (لوي بيير ألتوسير)(1918- 1990م) ، البنيويَّين الّلذين أبقيا على علاقتها بالماركسيّة على نحو أكثر إخلاصاً معرفيّاً و عرفاناً فكرياً من آخرين لا يقلّون عنهما شهرة من أمثال (لوسيان غولدمان) الرّوماني – الفرنسيّ (1913- 1970م) صاحب مدرسة "البنيويّة التّكوينيّة" ، و الفرنسيّ (رولان بارت)(1915- 1980م) صاحب نظريّة "موت المؤلِّف" الشهيرة ؛
‎و ليس على منوال ما تقدّم ، فنحن يُمكننا أن ندخل إلى "النّصّ" بطريقة ليست عجائبيّة كما قد تعوّد على ذلك الكتّاب "الّلمّاحون" مُعاقرو "الألمعيّة" ، و قرّاؤهم المغدورون بنمط مستبدّ من أنماط المُعطى ..

4 عل كلّ ذلك ، و بخاصّة على ما قلناه من البساطة ، سنقترح - و نحن ما نزال ، طبعاً ، في إطار حديثنا على "النّصّ" - اقتراحاً بسيطاً للتّمييز الكبير في "النّصوص" ، اقتراحاً يجعل من الشّمول مادّة إضافيّة لنا ، من ملكيّتنا ، تفيدنا فائدة مباشرة في البحث ، و ذلك بتقسيم عريض سنبحث فيه ، للتّو ، ما بين نوعين للنّصّ ، و هما "النّصّ الدّينيّ" ( أو ، و بأشمل ، "النّصّ" المقدّس" ) ، و "النّصّ الدّنيويّ" ، لنقف عند أهمّ و أدقّ خاصّيات النّصوص المكتوبة و المعروفة في حضارتنا البشريّة ، هذه .

‎ثانياً - النّصّ الدّينيّ و النّصّ الدّنيويّ – "المقدّس" و ●
"المُدنّس" :

5 سنتجاوز الآن لغرض التّمكّن المُختَزَلِ المكثّف من البحث ، التّفريق في النّصّ الدّينيّ ما بين "النّصّ" الإيمانيّ و "النّصّ" الّلاهوتيّ (السكولائيّ) ، على أن نقف ، في السّياق ، عند كلّ مفصليّة نحتاج تثبيتها ، عند هذا الفارق الهامّ ، بغرض عزل "المقدّس الحقيقيّ" عن "المقدّس المزيّف" ، ففي هذا فائدة مباشرة لطريقة عرضنا لموضوعنا الأساسيّ و الرّئيسي في "ثبوت" أو "تغيّر" و "تبدّل" النّصّ ، في الزّمان و المكان .

6 لا يستمرّ ، عادة ، واقع "قدسيّة" النّصّ المقدّس ذاته مثلما كان في وقت "وضعه" أو "نزوله" أو الإيحاء به ، على اعتبار ما ينقص هذا "النّصّ" ، مع الزّمان ، الظروف البيئيّة الخاصّة بالنّصّ و طبيعة مؤدّيه و نبرة محدّثه و جلال حضرته ، ناهيك عن أسباب التّنزيل و الحاجة المرافقة أو المعاصرة إليه.. 
‎و تتراجع قدسيّة "النّصّ المقدّس" ، أيضاً ، بسبب ظروف "تطوّر" ( و ليس ضروريّاً أن يكون التّطوّر مساوياً أو مكافئاً للتّقدّم) الواقع و "تغيّره" و تبدّل مظاهر أعراض العالم ، و فقدان التواشج السّرّيّ و النّفسيّ الذي كان للنّصّ مع جمهوره ساعة "نزوله" أو "وضعه" أو "خلقه" .. ، هذا التّواشج الذي يصنع صلاتٍ خاصّة بين "النّصّ" و الفرد و الجماعة و أمّة المؤمنين .

‎من جهة أخرى ، كما يُثبت التّاريخ ، فإنّ الكثير من "النّصوص" الدّنيويّة قد طَمَحَتْ إلى أن تحتلّ رتبة القداسة عن طريق المريدين أو أصحاب المُلك و المِلك و الحكم بالسّياسة النّاعمة و التّرويج المُداهن و المُمَالئ و المتملّق ، سواءٌ بالقوّة أو حتّى ، أيضاً ، بالعنف ، مضافاً إلى ذلك انتهازيّة البعض من البشر ، بطبيعتها ، و هي غالبيّة إنسانيّة على كلّ حال تنظر إليها الحكومات و الدّول كشعبيّة بلهاء و لكنْ مفيدة للسّلطة في أنّها تُعزّز دور تحويل النّصّ من "الدّنيويّ" إلى "المقدّس" ، هذا النّصّ الذي كان من اختراع فقهاء و مشايخ و منظّري و مُفتي سياسات الدّولة على مرّ تاريخ الدّولة و الحكومات في العالم .
‎واضح أنّ كلّ نصّ مقدّس هو نصّ دينيّ ، و لكنّ العكس ليس صحيحاً ؛ و هذا ما جعل من الحروب و المواجهات التّاريخيّة تأخذ بعداً سياسيّاً في الدّين ، نفسه ، و قد فقد منه عنصر "الإيمان" في الوقت الذي استطاعت سلطة السّياسة أن تُبقي على دينيّة أو لاهوتيّة النّصّ الدّنيويّ ، في ما قدّمته إلى عامّة النّاس على أنّه لا ينقصه شيء من صفات القداسة ، إذ لطالما كانت القداسة إحدى مرتكزات الدّولة و النّظم السّياسيّة في التّاريخ ، و هي ، ربّما ، لا تزال كذلك حتّى اليوم ؛
‎إذ قامت في التّاريخ المعروف حروب دينيّة محضة جوهرها الخلاف على "المعتقد" بشكل أساسيّ و ما تظاهر فيه هذا الاعتقاد من "ظاهريّات" (فينومينولوجيّات) عامة أو خاصّة لها قدرة السّياسة على تحويل الاختلافات إلى خلافات بعناوين سياسيّة و مصالح مختلفة ، و ذلك عندما تبنّتها السّياسة تبنّياً نهائيّاً لما فيها من "فضائل" مستقبلها الذي كان و ما زال موقوفاً على التّفوّق و التّحكّم و السّيطرة .

7 في هذا السّياق فإننا قادرون ، مباشرة ، على أن نحكم بعدم "ثبات" (أو ثبوت) "النّصّ" إلّا بالقوّة الرّاغمة للجميع ، و بتخلخل أحاجي النّصّ و اهتزاز صورته و بنيته الدّاخليّة و اعتباطيّته الفقهيّة ، ببساطةِ أنّ السّياسة هي وراء هذا النّوع من النّصوص التي انتحلت صفة "المقدّس" ؛
‎فيما بقي علينا الحديث على عدم "ثبات" حتّى "النّصّ المقدّس" ، بالذّات 
‎في التّاريخ الثّابت ، و في الفترة الزّمنيّة الفاصلة بين"عصر النّهضة" و "عصر الأنوار" (عصر التّنوير) ، في (أوربّا) ، تعرّض الكتابان المقدّسان ، "التّوراة" و "الإنجيل" ، و بخاصّة بعد الاتّفاق الفقهيّ السّياسيّ الكنسيّ التّواطئيّ بدمجهما في ما سمّي بكتاب "العهد القديم و العهد الجديد" ، و بعد أن تحوّلا إلى حِجّة فقهيّة و "إيمانيّة" واحدة بالنّسبة إلى المؤمنين من يهود و مسيحيين ؛
‎تعرّضا لنقدٍ أنثروبولوجيّ و بنيويّ و مراجعة شاملة كان من نتائجها إسقاط صفة "القدسيّة" عنهما ، و ضمّهما إلى الأدبيّات "الّلاهوتيّة" ، و لو أن "المؤمنين" بهما ، وجدوا أن هذا "النّقد" للسّرديّة المقدّسة للكتابين ، إنّما هو تعدٍّ على القيمة الدّينيّة "الإلهيّة" لهما ؛
‎في الوقت الذي انقشعت عنهما ضبابيّة صفة "المقدّس" ، بالعموم ، و صار "الشّكّ" البنيويّ موازياً حتّى للإيمان بقدسيّتهما و أصولهما الإلهيّة ؛
‎و هذا مع أنّ مفهوم "الألوهة" ( الأوثولوجيا )بقي محصّناً ، كحالة إيمانٍ "طبيعيّة" ، حيث لم يكن ، على كلّ حال ، مرتبطاً بأيّ من أثر قدسيّة أو عدم قدسيّة الكتابين .

‎أطلق هذا الواقع الفكريّ "الغربيّ" علوماً جديدة بالجملة من مثل تاريخ الأديان ، و الأنثروبولوجيا الدّينيّة ، و علم الأديان المقارَن ، و فقه الّلغة الدّينيّة ، و فقه الّلغة "الّلاهوتيّة" ، و علم النّفس الدّينيّ ، و علم النّفس التّحليليّ الذي يأخذ بالسّببيّة الدّينيّة للعُصاب ؛
‎كما ترك ذلك أثره حتّى على العلوم التّجريبيّة الطبيعيّة كالبيولوجيا و الفيزيولوجيا العصبيّة ، ناهيك عن الثّورة الفيزيائيّة ، الجزيئيّة منها و الفلكيّة ، و التي لم يعد أمامها من سدود أو حدود أو حواجز أو معوّقات عقليّة أو ذهنيّة ، و لا محرّمات ؛
‎فيما انتهت هذه الثّورة المعاصرة إلى ما نعيشه اليوم ، و بخاصّة من علوم "التّخليق الجذعيّ" للخلايا الحيّة و ما يرتبط بها من مصانع "علميّة" و مَعامل رقميّة ( إلكترونيّة) فاقت الخيال.

8 لم يكن هذا "التّطوّر" ، في شتّى المجالات ، مقروناً ، حتماً ، بالإلحاد ؛
‎ وعلى العكس فإنّ علماء بارزين "ألوهيين" (أوتولوجيين) كانوا و ما زالوا ، اليوم ، يسخرون بشدّة من فكرة "الإلحاد" ، فيما ذهب بعضهم – و هذا طبيعيّ – مذهباً إلحاديّاً صريحاً و واضحاً و غير مناور و غير مداور .
‎المهمّ أن ما سقناه على "التّقدّم" العلميّ ، بالعموم ، في "الغرب" ، كان أن أدّى إلى زعزعة النًصوص كلها ، مع ما رافق ذلك من علوم فلسفيّة معرفيّة و نظريّة مثل "الوجوديّة" و "البنيويّة" و "الوضعيّة" و "الوظيفيّة" و "الذّرائعيّة" ، و "التّأويليّة" (الهيرمنيوطيقيّة) و التّفسيريّة و التّفكيكيّة .. ، إلخ ؛
‎بحيث أنّه ، و على الأقلّ ، لم يعد أمر "ثبوت" النّصّ "المقدّس" ، ذاته ، من الأمور المسلّم بها أو المأخوذة على علّاتها ، أو المرفوعة من التّداول الفكريّ ، بما هي عليه .
‎و إلى ذلك ، و كنتيجة طبيعيّة بالتّعدّي (بالمفهوم الرّياضيّ) ، فقد تضعضع وضع النّصوص "الدّينيّة" و "الّلاهوتيّة" ، في الغرب ، و اعتبر أمر ذلك الاهتزاز ، من قبل كثيرين ، على أنّه تحطيم للأصنام التّاريخيّة الفكريّة المتعلّقة ، بالتّحديد ، بالنّص .

في ثقافتنا العربيّة – الإسلاميّة خاض الفكر الدّينيّ المتسلّط "الأرثوذكسيّ" ("الصّحيح" !) نضالاً عنيفاً في الهجوم ضدّ النّزعات "العقليّة" التي بدأت مبكّراً ، في الحقيقة ، و منذ القرن الأوّل و الثّاني الهجريّ ؛
‎و حيثُ كانت المرويّات قليلة نسبيّاً ، بعدُ ، فإنّه يُمكننا اعتبار تلك النّزعات متوجّهة ، مباشرة ، إلى "المقدّس" ، بالذّات ، فكانت تستهدف قدسيّة "النّصّ" ؛
‎ثمّ في ما بعد ، فالخلاف الذي أثاره "المعتزلة" حول خلق "القرآن" ، و موقفهم من خلق "القرآن" ، كان شهيراً في تاريخ الفكر الإسلاميّ ، و قولهم أنّ القرآن مخلوق و بأنه ليس كلام الله المنزل على النبيّ محمّد ، ما أدى إلى زعزعة مبكّرة بالإيمان لثبات "النّصّ المقدّس" الأوحد في الإسلام و الذي هو "القرآن" ؛
‎حيث شكّلت هذه المواقف المتعدّدة و المعروفة أطروحات مبكّرة حول عدم "ثبات النّصّ" إذا أخذنا ، معهم ، بقضيّة أنّ "القرآن" مخلوق ، و أنّ "الوحي" قد يُخطئ و "النّبيّ يُخطئ" ، و أنّ كلّ ما هو حيّ في الّلغة و التنصيص ، في النّتيجة ، قابلٌ للتّغيير و التّبديل و التّحريف و التّزوير ؛
‎هذا على الرّغم من أنّ قراءة أنثروبولوجيّة ، عربيّة و إسلاميّة ، للقرآن ، كأهمّ نصّ إسلاميّ "مقدّس" ، لم تُعرف في 
تاريخنا حتّى هذا اليوم ..

‎فيما تدخل محاولة (محمد شحرور) "الجنينيّة" و "البسيطة" و "السّاذجة" [بالمعنى الّلغويّ القاموسيّ] ، في مؤلّفه "الكتاب و القرآن" في إطار "علم الكلام" التّقليديّ ، الذي ترجع أصوله إلى "محاولات فلسفيّة" في "الإسلام" بدأت مع "المعتزلة" (في عهد "الخليفة المأمون" العبّاسيّ الذي وقف في صفّ "المعتزلة") ، و انتشرت في اجتهادات "عقديّة" خالصة كما كان ذلك في تعريفات (أبو حنيفة) و (الماتريدي) و (الفارابي) و (الغزالي) و (عبد القاهر الجرجاني) بشكل خاصّ .

‎لقد اخترُقتْ ، مبكّراً ، في تاريخنا الإسلاميّ ، موضوعة قدسيّة النّصّ و ثباته ؛
‎و منذ القرن الأوّل الهجري (80 هـ : المعتزلة) بدأ الحديث في إطارالاجتهاد و علم الكلام ، نفسه ، يمتدّ إلى عدم "ثبات النّصّ" ، بل و على عدم "ثبوت النّصّ" (المعتزلة) ، و هذه مرحلة تجاوزت الشّكَ بثبات النّصّ إلى الشّك بثبوته فعلاً ، و هذا تفكيرٌ مُبكّر جدّاً بالإشكاليّة ؛ التي يتصوّرها البعض أنّها "محلولة" و قد أدخلت في حظيرة البديهيّات مؤخّراً جدّاً في "الإلحاد" الصّريح و الكاذب ، طبعاً ، بطبيعة الحال 
‎و هي الإيمان بقدسيّة "النّصّ" الإسلاميّ و ثبوته و لو أنّه "القرآن" بالذّات .

● ثالثاً – الخطاب 

9 عادة "نفكّر" في مرحلة وضع "النّصّ" ، و قبلها و بعدها ، بتطاولات للنّصّ لا يُحدّها سوى خطّة الكتابة أو "القول" ، بحيث يبدو أنّ "النّصّ" ليس سوى وسيلة لتثبيت "الهارب" من الوضوح و الوقوع في قبضتة ، و دمجه في واقعيّة الفكرة التي نريد أن نثبّتَها في حظيرة المُعاش و دائرة الواقع على الحصر .
‎و لكنّ تحديد النّصّ بأطره المادّيّة و عناصره في الأداء ، لا يمكن لنا السّيطرة عليه ، بحيث أن ما كان يسبق النّصّ من مقدّمات و إشارات ضمنيّة ، و ما يعقب النّصّ من تطاولات في غضون وضعه ، في القول أو في الكتابة ، و كذلك ما يلحق بالنّصّ كاستطالات "دلاليّة".. ، هذا كلّه يُمكن أن يندرج في مسمّى "الخطاب" .

و بهذا فالخطاب دعوة بنيويّة بمساهمة خارجيّة بالنّسبة إلى النّصّ ، تتأبّى عن حدودها الفعليّة و تتمايز ، في الوقت نفسه ، عن حدود النّصّ المعترف به .
غير أنّنا نستطيع ، و يجب أن نستطيع ، إدراك الحدود التَّقنيّة و الحِرَفيَّةِ و الثّقافيّة لاستحالة "النّصّ" أو "جزء" من "النّصّ" إلى آليَّات "الخطاب" و مضامينه السّلطويّة في مضمونيّاته "التّوسّعيّة" ؛ 
‎و هذا الأمر يجعلنا في "صورة" مستقلّة التّمايز لمرحليّة كلٍّ من "النّصّ" و "الخطاب" ، بحيث نتمكّن من اكتشاف تبعيّة "الخطاب" لِ"النّصّ" تبعيّةً زمنيّة في صيغة أسبقيّة "النّصّ" على "الخطاب" ، و في صورة عدم استنفاد "الخطاب" للنّصّ ، مع أنّ "الخطاب" غالباً ما يخلق له فضاءاتٍ ، أحياناً ، مستقلّة عن جذورها أو حقولها "النّصّيّة" على رغم أنّها موجودة في مكان ما في ثنايا "النّصّ" .

‎من الغريب ، بالنّسبة إلينا ، أن "إسقاطات الكتابة" ، نفسها ، هي استحالة نصّيّة للخطاب(!) ، و أن "الهيرمنيوطيقيا" (التّأويليّة) ، نفسها ، ترتبط بالنّصّ ، و أن هذا و ذاك يمثّل "مرجعيّة مباشرة للخطاب" ، و أنّ جميع ما تقدّم يضعنا أمام سؤال : "ماذا ستصبح المرجعيّة عندما يصبح الخطاب نصّاً ؟ " !؟ على اعتبار أنّ "الخطاب هو الوحيد الذي يتطلّع إلى الأشياء ، و باعتباره الوحيد الذي ينطبق على الواقع و يعبّر عن العالم" .

‎[انظر : بول ريكور . من النص إلى الفعل . أبحاث التّأويل ].

من الواضح أن (ريكور) يقلب الصّورة ، تماماً ، عندما يجعل المحمول حاملاً و الحامل محمولاً ؛ 
‎فعنده أنّ "الخطاب" هو االذي يُصبح "نصّاً" ، و أنّ "النصّ" هو مستقبَلُ "الخطاب" ، مع أنّ القضيّة الثّابتة "معرفيّاً" عند الكثيرين ، حسب اطلاعاتنا ، و في رأينا ، أيضاً ، أن "النّصّ" نفسه يتفرّع إلى "مجموعة من "الخطابات" الأيديولوجيّة التي تتراجع قيمتها "المعرفيّة" في تفكّكها الإيديولوجيّ و اتّجاهاتها المتشظيّة في المفاهيم الجديدة و الممارسات المرتبطة بهذه المفاهيم ؛
‎مع أنّ هذا لا يمنع ، أبداً ، من أنّ بعض اتجاهات "الخطاب" الأكثر إخلاصاً للنّصّ المعرفيّ (أو الأيديولوجيّ- المفهوميّ) ، قد تتحوّل من جديد ، و ربّما عند آخرين ، إلى "نصوص" ينطبق عليها ما انطبق أوّلاً على "النّصّ" الأوّل أو "الأوّليّ" .

● رابعاً – الأثَر :

10 عدا عن نقدنا لِ(بول ريكور) في أنّه يعتبر أن "الخطاب" هو الذي "يستحيل "نصّاً" ، لا العكس ؛ فإنّه يذكر القارئ ، و لا بُدّ أنّ (بول ريكور) يخلط ما بين "التّأثّر" و "الأثَر" ، في معرض حديثه على "الخطاب" و "الأثر" ؛
‎و نحن مأخوذون ، هنا ، بِ(بول ريكور)(1913- 2005م) لأنّه آخر "التّأويليين" المعروفين و واحد من ممثلي هذا التيار ... و كأحدث و آخر الفلاسفة المعاصرين "البنيويين الألسنيين" ؛
‎فهو يقول : "الأثر متوالية أطول من الجملة ، و تثير مشكلة جديدة للفهم ، تابعة للكلّيّة النّهائيّة و المغلقة التي يشكلها الأثر كأثر . و يخضع الأثر لشكل تقنين ينطبق على البناء نفسه الذي يصنع الخطاب (..) بعبارة أخرى يعود أمر التّصنيف في نوع أدبي ما ، إلى الأثر نفسه . و أخيراً فالأثر يستقبل تشخيصاً فريداً يماثله بفرد ما نسمّيه أسلوباً" .

[بول ريكور . من النّصّ إلى الفعل] .

‎فالبناء الّلغويّ ، إذاً ، بمعنى ما ، هو البناء نفسه الذي يصنع "الأثر" و "الخطاب" ، فلا يكتفي (ريكور) بأنّ لكلّ كيانٍ دلاليّ ، أو أنّ لكلّ كيانٍ معنوي ، هويّة محدّدة ، بل إنّ أمر "تصنيف النّوع" البنائيّ للكيان الدّلاليّ ، هو شيءٌ غير واردٍ البتة ، عند (ريكور) ، بل إنّ "الأثر" نفسه يؤثّر فيمتد تأثيره ، و يمتدّ تأثّر البناءات الأخرى المختلفة كالخطاب و النّصّ ، و ربّما "الدّلالة" أيضاَ ، بالذّات ، به ، فلا يعود "الأثر" بنية مستقلّة ، و إنّما هي بنية تخترق مختلف الكيانات الدّلاليّة الأخرى كالنّصّ و الخطاب .

مع العلم أنّ "التّأويل" ، في رأينا ، هو الوصفة العلاجيّة "الدّلاليّة" الأخيرة التي تنتهي فيها رحلة النّصّ ما قبل "العمل" ، إذا اقتنعنا ؛ و هذا ليس خاضعاً للقناعات ، على كلّ حال ؛ بأنّ العمل هو منتهى "الّلغة" و استطراداتها المعنويّة و الظّلاليّة من خلال جميع معطيّاتها الأوّليّة التي تبدأ بِ"النّصّ" .
‎و ما قادنا إلى هذا الشرح في البيان ، إنّما هو أمر بالغ الخطورة ، و الذي اختُصِر عند البعض "المتخشّبين" بأنّ "النّصّ" كيان "ثابت" و غير خاضع لأيّ تبدّل و تغيير ؛ فليس في أقصى ما يؤدّي إليه هذا الاعتقاد هو جمود "العقل" مع جمود "النّصّ" باعتبار أنّ "النّصّ" كائنٌ عقليّ ، و لا يُمكننا تصوّر أيّ نصّ صادر عن غير عقل ، و لو كان هذا "النّصّ" نصّاً مقدّساً ، و لو كان هذا "النّصّ" نصّاً إلهيّاً ، و لقد كان لنا جولة ، مع النّصّ المقدّس ، بالذّات ؛ و أما أقصى ما يؤدّي بنا هذا الاعتقاد (ثبات انّصّ) فهو أنّنا ننتهي إلى عقل جامد و عقل قاصرٍ ، سواء ذلك الذي أنتج "النّصّ" أو الذي استهلك "النّصّ" ، و لكن الأنكى ، أيضاً ، هو انتهاؤنا بعالم جامد و كون جامد . و هذا ما لم يقله عتاة المتديّنين المُؤَنسَنين ، ناهيك عن "العلماء" الحقيقيين (و أعني الفلاسفة و الفيزيائيين و الرّياضيين و المفكّرين) الذين يتجنّبون أن يسمعوا خرافات أو خزعبلات من قبيل ثبات "النّصّ" و ما يلفّ هذا الّلفيف .

نفهمُ "الأثرَ" ، نحن ، على أنّه كلّ ما لا يضيعُ ، من "النّصّ" ، في مناسبات "القراءة" متباينة القدرات ، بالطّبيعة ، و مُوارَبة و مُداوِرة و مُراوغة ، بطبيعتها ، أيضاً ، فيما يبقى على رغم كلّ محاولات تفتيته و تشظيته و تتفيهه (و هذا يجري حتّى مع النّصّ المقدّس !) ؛
‎فالأثَر هو البقيّة "القَدَريَة" التي لم يستطع الإنسان ، بمختلف مذاهبه "النّقديّة" أن يُمارِسَ اعتداءاته و عنفه عليه في "النُصوص" ، أو استهلاكها و هضمها و تحويلها إلى مكروهات ، و هي البقيّة التي تتّصل بأعمق و أبعد المسافات الكونيّة في شتّى الاتّجاهات و الأعماق و الأبعاد ، و تنتمي إلى فعليّة حقيقة الإنسان "المجهولة" حتّى من قبل الإنسان نفسه ؛
‎و هي تلك "الواقعة" التي تذكّرنا كبَشَرٍ بإنتاجات العقل البَشَريّ ، في مختلف المظاهر التي منها "الّلغة" و "الأدب" و "النّقد" و "الفكر" .
و يمكن هنا أن ننظر إلى "الأثر" باتّصاله المباشر بالعقل ، بكونه أقدس ما يتركه العقل للآخرين ، على مرّ الأزمان و المواضع و الأمكنة و الحالات .
‎غير أنّ هذا "الكيان" الذي يتأبّى الحَيّز هو حيِّزٌ بذاته منفصل بالمطلق عن "النّصّ" ، هذا إذا أخذنا من "النّصّ" هيئته المَادّيّة و "المعنويّة" (كما سوف نلاحظ ، قريباً ، في هذا السّياق ، انصراف "المعنويّة" إلى شؤونها الإشكاليّة "غير البديهيّة" و "غير الاتّفاقيّة" أو "التّواضعيّة") ؛

و ما تعلُّق "الأثَر" بِ"النّصّ" ، سوى تعلّق "فلسفيّ" (ميتافيزيقيّ) ، في إطار علاقة "الموجود" بِ"الوُجود" ، على اعتبار مطلقيّة "الوجود" و "نسبيّة" أو جزئيّة "الموجود ، في الوقت الذي لا يُقيم الإنسان ، مطلق إنسان ، و في مطلق ثقافات و معرفات و فلسفات .. ، إلخ ؛ أيّ اعتبار لتمايز "الوجود" عن "الموجود" !
‎إنّ اختزال "الألسنيّة" الغربيّة للأثّر ، إلى مجرّد "أسلوبٍ" أو "أسلوبيّة" ، هو أهمّ ما يعكس تهافت "البنيويّة الألسنيّة" الغربيّة ، و بعدها الكبير عن "الحقيقة" في هذا الصّعيد . 

● خامساً – الدّلالة أو التّأويل

11 نحن مضطرّون لمتابعة هذا البحث وفق هذه الخطّة ، لأمرين إثنين ، لغرض عمليّ ، و هو أن نبيّن لأصحاب أوهام "ثبات النّصّ" أنّه ليس ثمّة شيءٌ ثابت في هذا العالم ، في هذا الكون ، حتّى مع إقرارنا بِ"ثبوته" ؛ 
و كذلك للتّدليل على أمر طريقة التّعامل مع النّصّوص المسمّاة "الثّابتة" ، و أعني بها "النّصوص المقدّسة" .

‎قبلنا ، أعلاه ، المفهوم الثّقافيّ الغربيّ بأنّ "علم الدّلالة" هو "السّيمانتيك" (Semantic )علم "السّيمانطيقا" على مضضٍ "معرفيّ" ، بسبب أنّنا قبلنا "إجرائيّاً" ، فقط ، ما اجتهدت به التّرجمات العربيّة "الدّونيّة" ، عادة ، باعتبارها تستهلك معرفة الآخرين ، من ترجمة "السّيمانتيك" بِ"الدّلالة" ، مع أنّ المُراد بمصطلح "السّيمانتيك" ، فعلاً ، في "الّلسان الغربيّ" هو مجموعة "الإشارات" و "العلامات" و "الرّموز" ، و التي لا تشكّل بمجموعها ، في "الّلسان العربيّ" ، ما يُصطلح عليه باسم "الّلغة" .

غير أنّ الاستخدام العربيّ لكلمة (مصطلح ، مفهوم) "الدّلالة" ، إنّما هو يرمي بقصده تلك الّلغة الأخرى المحايثة للّغة الأحرفيّة الصّوريّة أو المصوّرة ، و التي هي ربّما قد تكون لغة "التّوصيل" الأكثر أهمّيّة من الّلغة المقروءة ، و ذلك في محايثة ضروريّة أو اضطراريّة لِ"المعنى" الذي هو عادة لا يتسكّع على الألسن ، بل و هو ممّا يُطلبُ و يُرادُ و لكن هيهات لأبن آدم ، أن يقوله أو أن يتمكّن من معاشرته بما هو "المعنى" بأل التّعريف !

للمصادفة ، و عند عودتي إلى "التّعريفات" للشّريف الجرجاني (عبد القاهر) [و هو غير القاضي المعروف بالجرجاني ، و الذي كان أحد أساتذة (عبد القاهر)] ، و هو الفحل المرجع في "الّلغة" و "الكلام" و "علم الكلام" و "التّفسير" و "النّقد" ، فإنّي لم أجد عند (عبد القاهر الجرجاني) أيّ تعريف للمعنى ! 
و أقصى ما قاربه في هذا الاتّجاه هو تعريفه لِ"المعنويّ" ، النّسبةُ و الصّفة ..
و في رأينا لم يجرؤ (الجرجانيّ) العاقل على الاقتراب من "المعنى" ؛ حيث يقول في "المعنوي" – حرفيّاً - : "هو الذي لا يكون للّسان فيه خطّ ! و إنما هو معنى يُعرف بالقلب" -
‎لهذا بالضّبط نلجأ ، عادة ، إلى استخدام "مصطلح" الدّلالة بمفهومين ؛ الأوّل : هو ما يُحايثُ "المعنى" من فهم أو إنتاج للفهم و الاستنباط و الاستدلال ، أو يجاوره بلا موازاة ، لأنّ ما ليس مهيّأاً للقول أو للفهم (أي : المعنى) ، ليس ثمّة ما يوازيه ، إذ في "الموازاة" شيء كبير من الإشارة إلى التّكافؤ ، إن لم يكن في ذلك .. "الإشارة" كلّ "الإشارة" ؛ و الثّاني : بواسطة ما يُكنّه "المفهوم" ، نفسه ، من "رمزيّة" أو "إشاريّة" أو تعبيريّة متوارية أو تضمين أو إحالةٍ أو إضمارٍ أو توريةٍ أو استعارة أو تشبيه أو كناية أو مبالغة .. ، إلخ ؛ لم يطَله "النّصّ" ، أو لم يُرد صاحب "النّصّ" أن يقوله علانية بسبب سوء الفهم المقدّر حصوله حال الإيضاح و الإفصاح و الشّرح
و القول ؛
‎و ذلك بسبب ما قلناه ، و نعيده ، الآن ، و هو أنّنا نكتب ما لا نُحيط به علماً ، إذ الكتابة ، هي ، بالذّات ، محاولة في"القول" نائية الإمكان باطّراد ؛
‎ وهذا ما يستطيع أن يكتشفه كلّ صاحب حرفة في "الفكر" و "الكتابة" ، من أنّه كلّما حاول أن يقارب قول ما يريد ، يجد نفسه في تباعد و ابتعاد عن المقصود المقدّر في الذّهن ، و هذا أمرٌ "تَقنيّ" إشكاليّ سوف يبقى ملازماً للكتابة و القول ما دام هناك ما لم يُقل على هذا الكون .

12 في منظومات الدّلالة "الكاملة" ، و التي تتوطّد على أن تقول النّقد الّلغويّ ، الأدبي ، – إذ كلّ كتابة "أدب" !- يمكننا أن نتفهّم العجز العربيّ التّعريبيّ (التّرجميّ) لمصطلح مثل مصطلح "الدّلالة" غربيّ المنشأ ، و هو ما يرمون إليه (في اللسان الغربيّ) بواسطة "السّيمانتيك" ( أو :السيمانطيقا) ، بواسطة قبولنا "كامل منظومة الدّلالة" و التي جاءت عند "المؤسّسِين الّلسانيين" (أو الألسنيين) من مثل (دي سوسير) و (ألتوسير) ، بما هي "الدّالّ – و المدلول – و علاقة التّضمين (كيفيّات الدّلالة) التي هي العلاقة الدّلاليّة" ، و هنا ، كما يلاحظ القارئ ، فإنّنا نكون قد توسّعنا في الاطّلاع على أكثر من مجرّد "رموز" و "علامات" و "إشارات" . 
‎و لكنّ تراثنا الّلغويّ العربيّ حافلٌ في مهرجانات "الأدب" و "النّقد الأدبيّ" ، بما يتجاوز الحدود الغربيّة لمختلف احتفالات "البنيويين" و "الألسنيين" ، إذ يتقدّم عليهم (عبد القاهر الجرجانيّ)(400؟ - 471 هـ) ، و المختلف على تاريخ ميلاده ، حيث كان من أصولٍ "رقيقة" و تكاد تكون من "النّكرات" ؛
‎حيث يقول في "الدّلالة" :
‎"هي كون الشيء بحالة يلزم من العلم به العلم بشيء آخر و الشّيء الأوّل هو الدّال و الثاني هو المدلول ، و كيفية دلالة اللفظ على المعنى باصطلاح علماء الأصول محصورة في عبارة النص و إشارة النص و دلالة النّصّ و اقتضاء النّصّ و وجه ضبطه أن الحكم المستفاد من النظم ، إما أن يكون ثابتا بنفس النَّظْم أوّلاً ، و الأوّل إن كان النَّظْم مسوقاً له فهو العبارة و إلا فالإشارة ، و الثّاني إن كان الحكم مفهوماً من الّلفظ لغة فهو الدّلالة ، أو شرعا فهو الاقتضاء ؛ فدلالة النّصّ عبارة عما ثبت بمعنى النّصّ لغة لا اجتهاداً ، فقوله لغة أي يعرفه كلّ من يعرف هذا اللسان بمجرد سماع اللفظ من غير تأمل كالنّهي عن التّأفيف في قوله تعالى : {فلا تقل لهما أُفٍّ} (الإسراء - ) يوقف به على حرمة الضّرب و غيره مما فيه نوع من الأذى بدون الاجتهاد .

‎"و الدّلالة الّلفظيّة الوضعيّة هي كون الّلفظ بحيث متى أُطلق 
أو تُخِيِّل ، فُهم منه معناه للعلم بوضعه و هي المنقسمة إلى المطابقة و التّضمّن و الالتزام . 
‎"و الدّليل في الّلغة هو المُرشد و ما به الإرشاد و في الاصطلاح هو الذي يلزم من العلم به العلم بشيء آخر ، و حقيقة الدّليل هو ثبوت الأوسط للأصغر و اندراج الأصغر تحت الأوسط .

‎"و الدّليل الإلزامي ما سَلِمَ عند الخصم سواء كان مُستَدَلّا عند الخَصم أو ، لا" .

13 قلنا إنّنا نلجأ إلى "الدّلالة" ؛ على عكس "ألسنيي" الغرب ، كما أوضح بصراحة (بول ريكور) ، وفق ما قلناه ، أعلاه ، من أنّ "السّيماتيك" (الدّلالة) في الّلسان الغربي ، غير محدّد الأطر و التّخوم في مفرداته من "نصّ" أو "خطاب" أو "أثر" .. ، إلخ ؛ و يجري في هذا "الّلسان" تجيير "الكلّ" من أجل "الهيرمونيطيقا" ، و ليس العكس ..
‎و نحتاجها في مناسبات عدّدناها أعلاه ؛ و لكن يمكن 
اختزالها جميعاً في عمليّة "التّأويل" (الهيرمنيوطيقا) ، في مقاربة النّصوص "المقدّسة" أو "الإشكاليّة" أو "حمّالة الأوجه" .. كما قد جرى في تاريخنا بالنّسبة إلى القراءات المتعدّدة (التّأويليّة) لِ"القرآن"... إلخ,
‎و هذا على عكس ما تُمارس به "التّأويليّة" في "ألسنيّة" الغرب، "البنيويّة".

*****

فعقب الشاعر ياسين الرزوق زيوس:

في حديثك تخرج السطور البالية من عقل التناص لتكتب نص الحقيقة التي لا تقف جامدة بل تدور حول نفسها و حول العقل كي تجد الإثبات و كي لا تغرق بالمقدس و المدنس من دون تحليل ما يجب تحليله و إرفاق ما يجب إرفاقه من أدلة و براهين في زمن لم تعد الجدليات أساسه بل البراهين و التحاليل من منطق إلى منطق وفق دوران المنطق نفسه لا وفق وقوفه في زاوية واحدة مدببة لا تقبل الصقل و الاستدارةأ ياسين الرزوق1!

و عليه:

١ ): ساق الزمن النص من نقل إلى نقل و لم يستطع النص تجاوز تقديس ارتباطه بالاسم فما نُصّ عليه مثلاً في صحيحي البخاري و مسلم يُقدّس دونما تحليل و تدبير مع أنّ نفس النص إذا ما أخرجته من الارتباط الاسميّ يلقى التسفيه و النكران و كأنّ ما يُروّجُ في عقول أمتنا ليس خاضعاً لمفاهيم الرؤى البصائرية بقدر ما يخضع لمفاهيم المشاهدة البصرية المباشرة للارتباط المحتوم بين النص و الاسم المرتبط به دونما أدنى محاولة لبعث اللغة و لانبعاث التأويل وسط زحمة الخرافات و استشراء الاختراقات!

٢ ): لم يكن تدوير العيون في حادثة خلق القرآن من عدم خلقه هو الغاية بقدر تأكيد أنّ العقل التحليلي ما زال محارباً إلى أبعد خرافة تُقدّس دون وجه حق و إلى أقرب نصٍّ يجب تقديسه إذا ما افترضنا قداسته بالعقل التحليلي الذي يقود الغريزة الجمعية إلى الفطرة التحليلية لا إلى فطرة البيئة و الولادة
و هذا ما يفرض علينا حتى تعليم أنفسنا على أن نفطرها على فطرة غير مدنسة بتغييب العقل و غير مخرّبة بالخضوع لبيئة المجتمع و لاجتماع الآباء و الاجداد على طمس الحداثة الزمنية و المكانية و اللغوية.
مع أن مقولة الإمام علي إذا ما قبلنا بالنقل كمتعقلين بالاختيار التحليلي لا الجامد واضحة كنص و تأويل في هذا المضمار حينما قال :"لا تؤدبوا أولادكم بأخلاقكم لأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم"
و مقولة جبران خليل جبران أيضاً واضحة حينما قال : "أولادكم ليسوا لكم أولادكم أبناء الحياة المشتاقة إلى نفسها!"
و هنا نرى كيف أن اللاهوت المسيحي خرج من دمج المصاحف و بدمجها إلى مفاهيم العهد القديم و العهد الجديد و إلى العلاج بالخلايا الجذعية بعد طول حروب ما بين عصر ظلام و ولوج إلى عصر تنوير في حين ما زالت عصور انحطاط الدولة الإسلامية التي مرت بعصور ذهبية من اكتشاف دورة دموية إلى خلق بنيان عمراني و بنية فلكية إلى حراك ثقافي تحليلي خلق رؤى المعتزلة بانفتاح عالمي توسعي تكرّر نفسها و تزيد الانحطاط انحطاطا و بدلاً من الصعود إلى الفضاء ننكمش في ثقافة قياس القبور و عورات الموتى
رغم أن الإسلام يَدَّعي رجال دينه المرتبطون بثقافة الحد الجامد لا الانقلاب المتحول بالنص على جمود النص للوصول إلى تأويل قابل للحياة من منطلق الصلاحية الزمانية و المكانية أنهم حريصون على الوصول إلى مجتمع حضاري لكن بعيدا عن الفيزياء و الكيمياء و قريباً من ثقافة عذاب القبر و عذاب الآخرة!
و ما معنى الرسالات و الحياة إذا لم نسخرها لتطوير النص و البنيان الحياتي وفق تآويل لا تخضع للانحسار و للجزر فقط دون مدّ رغم أنّ إحدى آيات القرآن كمصحف إسلامي خطابي و معنوي واضحة في هذا الخصوص "و سخّر لكم ما في السماوات و مافي الأرض جميعاً منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون" و ما الهدف من إلغاء التفكر أصلاً بخلق القدسية النصية و الشخصانية؟!

٣ ): لم يولد علم السيمانتيك لسانياً إلى الدلالات بل دالاً على ألسنة العرب و العجم و على ألسنيي الاستشراق الذين باتوا منتشرين كالنار في الهشيم في ظل فقدان الحيادية و استشراء التبعية الموجهة و التوجه التبعي مما جعل الدلالة غائبة عن معنى التوجيه الوطني بمفهومها الإيجابي و أسقط الأوطان تحت وطأة الطوائف و المذاهب و الأعراق و الأعراف و الأديان خاصة في شرق العرب و المسلمين!

٤ ): ليس كل ضاد يُتلى علينا يقصد منه خطاب تثبيتي بقدر ما هو تحريضي تحويلي يقلب الحق باطلاً و الباطل حقّاً في ظل غرق مركب الإنسانية و الحق و استشراء الفقر و العوز على الصعيدين العالمي و المحلي!

٥ ): عندما تكون القراءة بغرض تعويد النفس على طمأنينة مزيفة بتبعية خانقة و غيبية مفرطة دون تدبر و تحليل عندها تسقط الخطابات قبل أن تسقط أبعادها التي لن تظهر أصلاً في معطيات النص البائد.إذا ما ألغى قراؤه العقل و فرضوا منهج التبجيل الصارم!

٦ ): لنا بحديثك ان نخلق خطاب العقل و قراءة المتدبرين و لن نتذابح على الخالق و المخلوق بقدر ما سنخلق وجودنا الحي
لك السلام دكتورنا الغالي بهجت سليمان Bahjat Sulaiman.