ليندا ابراهيم: عن المرأة.. والحياة..

صديقةُ السَّهر.. رفيقةُ النَّدى.. حاملة الوجع.. تاجُ الصَّبر.. السَّكن والسَّكينة.. البيتُ والوطنُ.. المأوى والمَلاذ.. سيِّدة الحب.. هي ذاتك.. هي الذَّات...
هي كَلَوحٍ من البلَّور، شفَّافةٌ كالنُّور.. لاتُخدَش.. فإنْ مَسَحْتَ عليهِ برفقٍ زادَ بريقُه، و إن كَسَرْتَهُ يوماً صَعُبَ عليكَ جَمعُ أشلائه، وإذا ماحاولْتَ لصقَ هذه الأشلاء، بانت ندوبُها التي في كل مرَّة تمرِّرُ يديك فوقها ستُجْرَحُ يداك، إنَّها "هي"...
لطالما اعتُبِرَتْ مستودع السِّرِّيَّة والسَّويَّة عبر الأزمانِ وتعاقُب الأديان.. بينما هي أيضاً الخالقةُ الواعظةُ الحكيمةُ العزيزةُ العظيمةُ الوالدةُ الملكةُ الأميرةُ الآلهةُ الرَّبَّة.. ربَّةُ الجمال والفتنة والحُسنِ والفروسية والحربِ والنُّور هي الشمس..
لها تُخَاضُ الحروبُ.. ولأجلها تُسلَكُ المهالكُ.. وبسببها توقد المعارك... لها ترنو الأفئدة.. وبها تحيا القلوب..
لطالما رُبِطَتْ بها القِيَمُ الدُّنيويَّة الدُّنيا في المعتقدات والأساطير والميثيولوجيا والنُّصوص المقدَّسة والطقوس الكهنوتيَّة والمعبديَّة.. فهي الأرضُ التي تجبُ حراثتها.. وهي في ذلكَ موضعُ البذرِ والحَرْثِ، ورمزُ الخصبِ و الخصوبة.. فإذا هي الرَّبَّة على عرشِ الأكوانِ.. ونسغُ الحياةِ..هي السَّيِّدة.. هي العليَّة و هي السَّنيَّة والسَّميَّة..
هي العاشقةُ الوالهةُ المُشتاقَةُ المُدْنَفَةُ الشَّهَّاءة المُشتَهَاةُ الشَّغُوفة المَشُوقَةُ.. وهي موضعُ كلِّ هذا وذاك، فكيف تمُوتُ.. وكلُّ كُلِّ ذلك فكيف كيف تموت..؟ هل رأيتم كيف تموتُ المرأةُ وهي على قيد الحياة؟.. لفتني قول لـ "ماركيز": "رأيتُ امرأةً مَيْتةً ذاتَ يوم، وكانت تتنفَّس مثلنا، وتتحرَّكُ مثلنا.. و تتصرَّفُ مثلنا..ولكنها كانت تموت؟"
فكيف تراها تُحْتَضَرُ؟.. ومتى تموتُ المرأة..؟
تموت إذا فارقت وجهها الابتسامة، إذا لم تَعُدْ تهتمُّ لجمالها، إذا لم تتمسَّكْ بأيدي أحدٍ ما بقوة، وإن لم تَعُدْ تنتظرُ عناقَ أحدٍ، والتي إذا ما مرَّ عليها حديثُ الحُبِّ اعتَلَتْ وجهَهَا ابتسامةٌ ساخرة..
تموتُ وهي حيَّةٌ تُرْزَقُ، تُعلِنُ الحِدادَ داخلَها، تعيشُ مراسمَ دفنها وحدَها ثمَّ تنهضُ بأكفانِها، ترتِّبُ شكلَها، تمسحُ الكُحلَ السَّائلَ تحت عينيها، تعيدُ وضعَهُ، ثم تخرُجُ للعالَم، واقفةً بكاملِ أناقتها، تتنفَّسُ وربَّما تبتسمُ و تضحكُ، لكنَّها ميتةٌ ولا يعلمُ بها أحد..
تموتُ المرأة وهي حيَّةٌ، حين تنكسر وتُهجر دونما سبب، حين يخذلها من كان يمثل لها القدوة والسند، حين تعضّها اليد التي كانت تتمسك بها بقوة فتفقد ثقتها بنفسها وبالعالم..
تموت حين لا يكون لها أي حق في اختيار حياتها، ويفرض عليها وضعٌ يحطُّ من قيمتها ويجعلها سلعة تباع وتشترى، وتموت ألف مرة حين تخان وتُنتهك كرامتها وتسلب حقوقها باسم الحب أو العرف والعادات والتقاليد. وتموت في كل مرة تفقد فيها احترامها لذاتها أولاً ولشخص كان يعني لها الكثير...
تموت المرأة حين يخذلها رجلٌ يتجرَّد من رجولته كلما احتاجت وجوده بقربها فلا تجده، تموت المرأة حين تُمَسُّ كرامتُها وسمعتُها وعفَّتُها دون أن تستطيع الدِّفاع عن نفسها، فقط لأنها امرأة..
و تموت كل امرأة خذلها زوج ضحت بعمرها لأجله، وتحدت الجميع لتتزوجه، فكان جزاؤها النكران والهجر بعد عشرات السنين، وابن ضالٌّ غارق في ملذات الحياة ليستمتع هو، فنسيها حين كبر وتركها لغرباء يعتنون بها بعد أن وهنت وضعفت، وأب حرمها حقها من الحب والحنان والحماية والتعليم وحتى الميراث، فقط لأنها أنثى...
تموت الأنثى عندما تعتبر ناقصة وعورة و إنساناً غير ناضج وغير مكتمل..تموت حين تعتبر تابعة بينما تستطيع أن تقود العالم.. بل وتهز أركان العرش بيمناها..
تموت عندما تصمت فلا تبين حقها وتضطهد فلا تحتج و تقصى وتقبل.. فكم من امرأةٍ تعيش بيننا تتنفس، لكنها ميتة منذ زمن، و انطفأ بريق الأمل والقوة في عينيها، وهذا أهم و أولى علامات موتها..
اعلموا أن الأنثى أمانة، وأن الأنثى كرامة، أباً كنت، أم أخاً، أم ابناً أم زوجاً.. كن لها السند والعضد تكن لك دنيا بأكملها: رفيقة حياة وتوأم روح وأماً وابنة وأختاً وزوجاً وصديقة حبيبة وقريبة..
علموا أبناءكم أن الأنثى هي الكيان والسكن والوطن، علموهم أنها الأم والجنة تحت قدميها..علموها أن تعي حقها وتدافع عن كيانها.. وأفسحوا لها فسحة هواء نظيف تعيشه بحرية فكر دون وصاية..
يحضرني قول للراحل "أبو علي ياسين"، من أهم المفكرين المعاصرين، قال: بقينا نرفع شعار تحرير المرأة و حقوق المرأة والدفاع عنها وإنصافها.. وهي قابعة في برجها العاجي..الآن هي مطالبة أن تنزل إلى الساح وتنتزع حقوقها بنفسها وتأخذ دورها بيدها بجهدها بعرقها والأهم بكامل وعيها..

بالرغم من كل ماتقدم فأخشى مانخشاه أن المرأة لاتعي دورها وكيانها وعقلها ومكانتها وكينونتها وإلا لكانت نقصت كوارث العالم إلى النصف.. أَوَلَيْسَتْ هي نصف الحياة؟ إن لم تكن هي الحياة حقاً...؟
 
الثورة