يحيى زيدو: حين تدخل في الشتاء

و حين تدخل في الشتاء.. تزوَّد بما يكفي من مؤونة الذكريات.
امسحْ على صور الأحبة المعلقة في حناياك بكمشةٍ من حنينٍ.. و قبلةْ.
أشعلْ زوايا روحك بشموعٍ من ابتساماتٍ لوجوهٍ انتظرتها و لم تأتِ.
ضعْ أمامك كؤوساً فارغةً و املأها بضوء من يحضر في الغياب..
و اشربْ نخب الذين يضيؤون في أعماقك كلما زاد الحنين.
ارسمْ على صفحةٍ بيضاء بحبر الروح أماكن الأحبة؛دروبهم..بيوتهم
و اعتنِ برسم ملامح وجوههم؛
العينين،و الفم، و ما تركوه من عطرٍ على يديك في آخر وداع.
اجمعْ بذور الحبق اليابسة، و احتفظ بها لربيعٍ قادمٍ
امنحْ لكلِّ بذرةٍ اسم أحد الأحبة كي يضوع عطره حين تتبرعم من جديد
افتحْ كتاباً و اقرأ فيه ما كان.. استعداداً لما سيكون
و تعلَّمْ قياس المسافة بين الأمس و الغد بدقات القلب
و عدَّ على أصابعك أصوات الذين تناجيهم و لا يستجيبون
افرحْ حين يترقرق نهر الذكريات، و ارقصْ حين يهدر صوته
و حاول أن تتعرَّف على أصوات الغائبين واحداً واحداً..
إياك أن تخطئ في تمييز أيٍّ منها في صخب النهر
كي لا يستعيد النهر هدأته، و يتوقف قلبك عن الرقص
بين كؤوس الضوء المنثورة على حافتي النهر
اضحكْ عالياً.. فكلُّ الأحبة حاضرون معك في الشتاء
و اعلم أن الزمن ليس مقياساً صالحاً لمعرفة المسافة بين القلب و الروح
و أن الجسد ليس علامة على الحضور أو الغياب
الضوء وحده.. يصلح أداةً لقياس الزمن، و الحنين،
و الحضور، و الغياب، و الشوق، و اللهفة،
و الوجد، و الصبابة، و الهوى، و الجوى ..
ما يبقى من الضوء في كؤوس الغائبين هو ما يصلح وحده لقياس حميمية بقائهم
لأن من لا يترك ضوءه عنواناً له
لا يستحق أن يسكر فينا بكأس الصباح المختال بالعطر.. المنتشي بالمطر
حين تدخل في الشتاء لا تعبأ بمعطفٍ يقيك المطر
بل تدثَّر بمعطف المحبة التي لولاها ما كان شتاء و لا مطر
تدثَّر دائماً بالمحبة التي تقيكَ الموت..
المحبة لا تموت