الهُويّات السّياسيّة.. في ما بعد الحداثة و امتحان السّياسة المُعاصر.. حديث الثلاثاء34
[ حديث الثلاثاء " 34 " ]
■ بحث من خمس حلقات عن ( السياسة ) ■
{ الحلقة الرابعة }
( 4 من 5 )
[ الهُويّات السّياسيّة.. في ما بعد الحداثة ]
[ و امتحان السّياسة المُعاصر ]
● د . بهجت سليمان
1▪ تسعى اليوم علوم الاجتماع المختلفة ، من الأنثروبولوجيا الّتكوينيّة إلى علم الاجتماع السّياسيّ ، مروراً بعلم اجتماع الفرد و الجماعات و المجتمعات ، و علم الاجتماع الّنفسيّ ، و علم اجتماع الظّواهر التّاريخيّة كالحروب و أضرابها ... و ما إلى هنالك ؛ إلى إبداء الرّأي ، بقراءات متعدّدة للعالم في الوقائع و الظّواهر ، و إحداث الفارق الدّلاليّ المرافق للتّغيّرات غير المعتبرة بمسؤوليّة و وضوح ..
هذا فضلاً عن الوقوف على مشارف ما بعد الحداثة أو بعدها أيضاً ، مع استبعاد اليقينيّات الحداثويّة الغابرة من قائمة النّظر بسبب أنّ جملة من المؤثّرات العالميّة قد أزاحتها من الواجهة ، مع أنّ الأمر لا يخلو في بعض الحالات الّراسخة من المبالغة و، التّهويل ..
و لا يُقلّل هذا الأمر من جّديّة التّحوّلات الحقيقّية التي طرأت على الهويّة في الألفّية الثّالثة ، بواقعيّة حادّة و وضوح تامّ .
2▪ من أزمة الهويّة الشّخصيّة ، عبوراً إلى أزمات الأنواع الأخرى من الهوّية ، كالهويّة الفرديّة و الهويّة العقائديّة و الهويّة الطّبقيّة و الهويّة الوطنيّة و الهويّة القوميّة ، انتقلت تجربة التّفسير بحدّة مكافئة للتّغيّرات العالميّة العميقة في ازدياد التّفاوت الأثنوغرافيّ ، إلى وظيفة التّأويل الذي سبّبته ظروف محليّة و أخرى عالميّة في مختلف جهات العالم ، و لكن بخاصّة في المجتمعات غير المستقرّة من النّاحية الذّاتيّة التّلاؤمّية و الاقتصادّية ..
و هو ما أنتج قلقاً ثقافيّاً كان كفيلاً في العقد الأوّل من الألفّية الثّالثة ، ليجعل بداية القرن الواحد و العشرين انعطافة حادّة في تاريخ المجتمعات و الشّعوب و الدّول ، و على مستوى العالم كما نشهد جميعاً ، اليوم .
3▪ في الحقيقة ، فإنّ الأمر يتجاوز المظاهر إلى ما هو أبعد من ذلك ، و حّبذا قبل أن نبدأ بالأحكام السّياسيّة التي نراها أقرب من غيرها إلى المعقوليّة ، أن نستعرض ، بالأفكار المعبّرة ، بعض الأحداث بوصفها واجهة لغيرها من الحقائق التي تغلي و تتأجّج في قاع الخطاب السّياسي العالميّ ، بحيث لا يفوتنا العْرض بأبعاده التي قد تبدو للبعض هزليّة و للبعض مأساويّة أو غير ذلك ، و هي لا تخلو في جميع الأحوال من كونها شّيقة بمعنى من المعاني أو ، في الحدّ الأدنى ، مثيرة للاهتمام .
4▪ يتعلّق الأمر ، في ظاهره ، بإعادة صياغة العالم وفق النّموذج المركزيّ الكلّيّ للفكرة ، في شكل ترتيب جديد لديناميّات الفوضى و التّنظيم الكفيلة بإخضاع طموحات الأفكار و الأفعال التي تجد في نفسها شأناً ذاتيّاً ، من دون أن يكون مسموحاً لها أن تخرج عن السّيطرة التي تعني ، في عرف القوى العظمى في البشريّة ، تدجيناً اغتصابيّاً للتّفكير و السّلوك و النّشاط و السّوق و الاستثمار و الاحتكار .
هنا ، فقط ، نستطيع تمييز الأقطاب العالميّة المختلفة ، مع اختلاف أدوارها و مواقعها في توزيع القّوة و الخضوع ، بدءاً من منطقة غرب المحيط الهادي مروراً بروسيا و أوراسيا و ”الشّرق الأوسط” و أوروبا ، و نهاية بقطر العالم و نهاية محيطه الجغرافيّ بأميركا ، كحدّ من حدود القوى العالميّة ، الذي ما يزال يضنّ بما يمكن أن يوحي به بالمزيد من القوّة العالميّة ، التي تسخّر من أجلها الكثيرين .
5▪ و يجري ، في إطار ذلك ، التّركيز على خلخلة البنى الوطنيّة و القوميّة ، و زرع الشّكوك و إنبات اليأس عند الشّعوب في الدّول المستهدفة استراتيجيّاً ، و هي تكاد تكون جميع الدّول الضّعيفة في العالم ، مع أنّ الحقيقة التي سننتهي إليها ، في هذا الحديث ، هي غير ذلك و أبعد من أفق هذا المشهد الثّقافيّ - السّياسيّ التّقليديّ الرّكيك .
و في هذا الاتّجاه يُنشرُ فائضُ القوّة و توزّع نقاط التّأثير و تشتغل القواعد العسكريّة الثّابتة ، بمساندة القوى التي تجوب البحار و المحيطات و اليابسة أيضاً ، و تُشَنّ الحروب و تنطلق الدّعاية و الأكاذيب الإعلامّية ، و تنفّذ الأفكار المخّططة في الدّوائر السّرّيّة المغلقة ، يُعاضد ذلك خطابٌ سياسيّ تهديديّ و تهويجيّ و تهويشيّ و عرض للتّرغيب و التّرهيب ، و ما بينهما من موضوعيّات سياسيّة كاذبة ، يراد لها أن تتّخذ كمبادئ مصدّرة إلى مناطق التّسويق ، التي تتّصف بالهامشيّة السّياسيّة العالميّة من حيث إمكانيّتها على المشاركة في لعبة الإخضاع العالميّ الشّرس ، لكلّ من لم يتمكّن من اللحاق بذاته و هويّته االسّياسيّة التّاريخيّة ، التي تجنّبه الامتثال لأوامر أصحاب القرار العالميّ الذين عمّقوا سياساتهم بالمعاصرة الحضاريّة ، بواسطة العلوم و التّكنولوجيا و المال و السّلاح و الثّقافات الاجتماعّية المساندة لكلّ ذلك في تبادل البنى المادّيّة و الرّمزيّة بنجاح .
6▪ و في هذا المعرض تُطرح أفكار و تعربد ممارسات لجعل هويّات الشّعوب السّياسيّة ( في استقلال القرار السّياسيّ ) تُهمة و سُبّة يجدر تجنّبها ، و يدعّم ذلك ابتكار الاجتهادات البريئة و غير البريئة من قبل مثقفين ، يزعمون الفكر و التّحليل الرّصين بطرح ”بدائل” خبيثة و غبيّة في الممارسة التّاريخيّة ، من أجل تحقيق أهداف سياسيّة مأجورة ، أو تحقير الإيمان بالهوّية السّياسيّة المعبّرة عن مشروع الدّولة الجوهريّ المتمثّل بامتيازها الأوّل في اتّخاذ قراراتها التّاريخيّة المصيريّة ، على أرضيّة التّحديث و تحقيق السّبق الفكريّ و السّياسيّ ..
مع تأكيدنا على أنّ ما يِثار من ”بدائل” للهويّة السّياسيّة الوطنيّة هو مفضوح الدّوافع و الأهداف و ، تثبت تطوّرات الأحداث أّنه ليس أكثر من تشكيك بالذّات التّاريخيّة ، من أجل الإعجاز المنظّم للشّعوب عن الصّمود ، أمام تحدّيات العصر التي تبرز فيها أزمة السّياسة ، كأحد أهمّها في إطار الهجوم العسكريّ - السّياسيّ العولميّ الشّرس على بقايا الإنسانّية و الإنسان .
7▪ غالباً ما تقترن اندفاعات المشكّكين غير البريئة بالهويّة السّياسيّة ، بمفاهيم سياسيّة و فلسفيّة و سيكولوجيّة ، تهادّد الثّقة بالهويّة و تحيلها إلى مجموعة من الشّكوك القابلة للنّقاش ، مع أنّ مجرّد أن نصل إلى هذا الوضع إنّما هو تسخيف للإيمان بتاريخّية الهويّة التي لاتصنع بموجب نظريّة سياسيّة أو خطّة أيديولوجيّة مهما كانت ”محكمة” التّصنيع .
و عدا عمّا طرحناه سابقاً بالتّفصيل حول أوهام ”الفيدراليّات” و ”الكونفيدراليّات” التي انتشرت أفكارهما مؤخّراً في سورية ، بفعل عوامل و شخوص خارجيّة و داخليّة ، فإنّ ثمّة ميولاً حداثويّة أخرى ، لتتفيه الانتماء عن طريق إثارة الأفكار و ”المواجع” ، التي تبالغ في حداثوّيتها ، مثل عودة مفهوم الانقلاع من الجذور ، و تغليب الأحاسيس المجروحة في أزمة الحضارة المعاصرة ، و إحياء الدّوافع الباطنيّة البشريّة التي تظلّ في منأى عن التّثقيف الوجوديّ و الكامنة بطبيعة الإنسان ، و عليها تنبني جملة من المغالطات المتداخلة فيها ، مثل الّليبيراليّة و الحرّيّة و الفرديّة و ما يُشاع اليومَ في الغرب و الشّرق ، حول طبيعويّة الإنسان و ”انطماره الأبديّ في الطّبيعة” و ما هو من قبيل ذلك الذي يوحي بصدقيّته ، و لكن بالتّضحية بما هو إنقاذ للفرد من هذه المشاعر المبهمة ، عن طريق الثّقافة و الفكر الّلذين أصبحا ، هما ، جزءاً أساسيّاً من ”هويّة” الفرد المعاصر و المجتمعات و الأمم .
8▪ و من الجهة المقابلة ، فنحن نقدّر و نتفهّم جيّداً تلك الأسباب المباشرة و غير المباشرة لمختلف الاختراقات أو محاولات الاختراقات ، البريئة منها و المنظّمة لمسألة ”الهويّة السّياسيّة” ، بما هي نتاج عصر اجتماعيّ - طبيعيّ موغل في التّاريخ ، أو بما هي نتاج ثقافة عمرها بضع مئات من السّنين ، بوصفها ”حقيقة” تداخلت فيها الكثير من ”الإشكاليّات” الحديثة و المعاصرة ، من قبيل التّشكيك بنشوئها الثّقافيّ و ارتباطها السّياسيّ بما سّمي ”عصر القوميّات” ، أو بتحوّلاتها المأساوّية إلى ضروب معقّدة من الذّاتيّة و المركزيّة و الشّوفينيّة و الشّموليّة و الدّيماغوجيّة و الدّينيّة الرّاديكاليّة و ما إلى ذلك من تشوّهات .
“ إنّ فهمنا لتعقيد و ثراء الهويّة السّياسيّة الحديثة معناه أن نفهم ، أولاً ، مقدار ما نحن متغلغلون فيها ، رغم كلّ محاولاتنا الّرامية لنبذها ، و ثانياً ، مقدار ما هي أحكامنا الأحادّية ، التي نتقاذفها حولها ، منحلّة و منحازة ” .
[ تشارلز تايلر - منابع الذّات : تكوّن الهويّة الحديثة - ترجمة حيدر حاج اسماعيل - مكتبة بغداد - توزيع مركز دراسات الوحدة العربيّة - الطّبعة الأولى - بيروت - ٢٠١٤م - ص ( ٣٤ ) ] .
و إذا كانت الهويّة ، بطبيعتها ، ظاهرة ثقافيّة و سياسيّة تاريخيّة مُتّصلة ، فإنّه يمكن لنا ، مع ذلك ، تبنّي السّلوك التّصنيفيّ النّسبيّ ، و الوقوف على ما أفرزته السّياسة من مفاهيم و تواضعات سياسيّة للهويّة الحديثة ، من مواقف معاصرة ذات خلفيّة سياسيّة تتعلّق بمشكلاتنا ، التي أفرزتها هذه المعاصرة الحاّدة من زلازل مفهومّية ، إثر الطّوفان الإمبرياليّ - الأميركيّ ، تكاد تحرف العقل المعاصر عن طبيعته المبكّرة في وعي واقع هذه الحقيقة ، كفكرة تلقائيّة للإحساس بالموجودّية .
9▪ تضمّ ”الهويّة السّياسيّة” في مضامينها الواسعة مفهوم ”الثّقافة” في السّياق ، بحيث يُصبح ”“الآَخر” في هذا الوضع حاضراً ، ليس حضور مقارنة ”هويّة” بأخرى ، بل حضور التّطلّع إلى بناء جسور مع هذا ”الآخر” ، و هو وضع يفرض فيه ”الآخر” حضوره السّياسيّ فينا بعنف ، بحيث هو كما يُفترضُ بحضورنا أن يكون فيه .
و ليس هذا الشّأن غريباً أو مدهشاً في الحديث على ”الهويّة السّياسيّة” لأنّ مجرّد تصوّرنا على ”هويّتنا” أنّها هويّة حيّة ، إنّما يعني جَسراً للمسافات الثّقافيّة - الحضاريّة مع هوّيات الآخرين ، بتعليل أّنه لا يوجد ”معنى” أو دلالة اجتماعّية ، سياسيّة أو حضاريّة لامتلاكي ”هويّة” سياسيّة ، ما لم يكن مُفتَرَضاً ، سلفاً ، في مقدّماتي الاعتبارّية أنّ إيماني السّياسيّ - الذي يتجلّى في ”القرار السّياسيّ” - بهويّتي ، هو بالضّبط اعتراف للآخر بهوّيته غير السّياسيّة ، تلك التي لا تسمح له بما هي كذلك ممارسة سياسات التّفوّق في ”الهويّة” ، على اعتبار التّكافؤ الفكري و السّياسيّ في العلاقات ما بين الجميع .
يتعلّق الأمر ، هنا ، بالتّالي ، بمدى فهمنا للهويّة السّياسيّة في عصرنا هذا ، عصر التّشكيلة الاقتصادّية - السّياسيّة العالميّة لما نسمّيه بالحداثة و بما بعد الحداثة ، و إذاً لنلق نظرة على ”هويّتنا” اليومَ ، و إمكانيّتنا الدّفاع عنها في تبدّلات ”أنارشيّة” ( فوضويّة ، أو خارج المعقوليّات و ”النّظام” ) منظّمة للثّقافة العالميّة ، و بخاصّة في ثقافتنا المحلّيّة التي تختلط فيها الأوراق بين ما هو وطنيّ و قوميّ تاريخيّ خاص ، و بين ما قد تكون داخلتها من تأثيرات غير معياريّة ، و بالتّالي صعبة الضّبط ، لثقافة الآخر في ثقافة الّذات التي تلح علينا من بابها السّياسيّ كشعوب أو كشعب و دولة تتطلّع إلى المشاركة في الحضور .
□ أولاً : هويّات الحداثة السّياسيّة :
10▪ في هذه الالتفاتة ، أحب أن أخوض الحديث في طبيعة هوّيات أو هويّة ما بعد الحداثة ، في العالم ، من باب السّياسة ، كتمهيد بسيط لما أريد أن إصل إليه من الحديث عن هويّتنا السّياسيّة ”العربيّة السّوريّة” المعاصرة و التي انطرحت للحوار و النّقد من جديد كأحد آثار ”الحرب” ، و هذا شيءٌ طبيعيّ و ربّما ضروريّ .
11▪ عبر تاريخ تكوّن من مجموعة ”حداثات” فلسفيّة و فكريّة و فلسفيّة و معرفيّة و ثقافيّة و دينيّة ، و سياسيّة ، استقرّ في فلسفة الثّورة الرّاديكاليّة الفرنسيّة - البورجوازيّة ( عام 1789 ) أنّ الهويّة هي عبارة عن مجموعة انتماءات متوالية بالأهّميّة و التّدرّج ، ضمّت مجموعة من مفاهيم غير دقيقة عن ”الهويّة” ، مثل الانتماء إلى المهنة ، و الانتماء إلى الجغرافيا ، و الانتماء إلى الأفكار ( و هذا على نحو أقّل ) و الانتماء إلى العقيدة الدّينيّة ، ثم إلى العرق ، ثمّ إلى المحيط الأوسع .. ثمّ إلى الدّولة التي لم تكن في حينها تعاني من مشكلات القوميّات ، إذ كانت قد استقرّت في ( أوربا ) مفاهيم ”الأمّة” الواحدة و ”الدّولة القوميّة” و ”الوطن” المُعَبِّر سياسيّاً عن تلك الانتماءات .
لم تكن الهويّة السّياسيّة ما قبل الحداثة قد دخلت هذا الطّور من الاّتسَاق الانتمائيّ ، ممّا جعل مفهوم ”الهويّة” الغربيّ ، في السّياسة ، مفهوماً نموذجيّاً للتّعبير عن جماعات و مجموعات و مجتمعات و دول منسجمة في التّنظيم الانفعاليّ ، و قد استقرّت بها مسيرة طبيعيّة و غير متناقضة ، و منسجمة بين ظاهر المرء و باطنه ، في صورة ناضجة .
عزّزت ”الحداثة” السّياسيّة هذا الواقع بتعميقها تلك الانتماءات في الوقت الذي استثمر فيه ” أي : السّاسة ” هذا الواقع ، فكانت حربان عالميّتان ننظر إليهما بوصفهما كانتا صراعاً مسلحا للهويّات ، وجميعنا يعرف مدى الكلفة التي دفعتها ( أوربا ) - و غير أوربا - في الحربين .
و في النّتيجة ، فإنّ من نتائج الحروب الدّوليّة ، أن يجري في هذه الأثناء ، تعزيزاً لوعي جديد للهوّيّة ، من أهمّ صفاته التّناقض و التّداخل و المقارنة و التّعليل و التّفكير و التّأمّل .. إلخ .
و هو ما كان من أهمّ أسباب تقلقل القيم الوطنيّة - السّياسيّة و تعدّد النّظرات إليها من حوانب مختلفة في المركز الكولونياليّ العالميّ الغربيّ ( المِتروبّول ) ، و تعمّق الاختلافات ما بين الفكر القيميّ و بين مآسي الإنسان في الحربين العالميّتين ، الأولى و الثّانية ، بعد أن كان الفكر الفلسفيّ السّياسيّ قد دخل على خطّ السّياسة باندماج بيّن في كثير من الطّروحات المعرفيّة و الثّقافيّة لدى مفكّرين من أمثال ( نيتشِه ) و ( فرويد ) و ( فوكو ) و ( برتراند راسْل ) و ( جان بول سارتر ) و ( جاك لاكان ) و البنيويين الّلاحقين .. و ظهور المدارس الجمالّية الشكّيّة و التّشكّكيّة ، الإصلاحيّة منها و الرّاديكاليّة ..
ما أفضى كُلّهُ ، إلى اهتزاز قيم ”الحداثة” و ”التّنوير” ، و الانتقال إلى قيم ما بعد الحداثة التي توجّهت أوّلاً بالمعتقدات الذّاتيّة و الجماعيّة و الاجتماعّية معاً - و هو ما ترجمته الفلسفات و الأفكار و الثّقافة - إلى ما قد ميّز عصر ما بعد الحداثة من تغييب و رفض و دحر لِ”اليقين” ..
و لقد طال هذا الأمر مفهوم ”الانتماء” و تالياً مفهوم ”الهويّة” ، في تسويغات فكريّة و اقتصاديّة و سياسيّة و أخلاقّية معتبرة و وجيهة .
□ ثانياً : الهويّات السّياسيّة في ما بعد الحداثة :
12▪ في فضاء العالم السّياسيّ الذي بدأ بالتّحضّر نهاية الألفيّة ، أصيبت ”الهويّة” السّياسيّة للشّعوب في مختلف أصقاع الأرض بشكّ عميق ، كان كافياً لظهور تعبيرات مختلفة تجعل منه خطاباً سريع الشّمول و الاشتمال على معتقدات الكثيرين من النّخبة الفكريّة العالميّة ، فتجزّأت الاعتقادات و تعدّدت المدارس الفكريّة السّياسيّة و احتلّت ” االبنيويّة ” الحيّز الأوسع في التّفكير المنطقيّ - الفلسفيّ للعالم السّياسيّ ، و بوصف ”البنيويّة” مخرجاً فكريّاً ظهرت كاتّهام فلسفيّ - سياسيّ لقيم ”الحداثة” المتمثّلة بالوضوح و اليقين و الاعتقادات الّراسخة ، تطوّرت إلى جانب ”الوضعيّة” و ”الوضعيّة المنطقيّة” التي أدمجت الوضعيّة بالماركسيّة ..
حيث شهدت أواسط القرن العشرين صراعات فكريّة في الغرب ما بين مكتسبات الحداثة من جهة ، و بين تنافس الوضعيّة و البنيويّة من جهة أخرى ، و قد كانت كلتاهما مؤدًّى مباشراً إلى ”الوظيفيّة” التي قسّمت الظّواهر إلى افتعالات و انفعالات موضوعّية لا نملك ، نحن بني البشر ، أيّة سلطة عليها .
و في خضمّ ذلك كان ( ميشيل فوكو )(1926 - 1984 )، أكثر المعبّرين - بعد المدشّن ( نيتشِه ) - عن أزمة الرّوايات السّياسيّة الكاملة للمفاهيم التّاريخيّة و القصص المغلقة التي يعجّ بها عالم الفلسفة و الفكر الاجتماعيّ - السّياسيّ ..
و قد عمل ذلك على ظهور نزعة نقديّة أركيولوجيّة أُعيدت فيها قراءة التّاريخ الأوروبي ( و الغربيّ، عموماً ) قراءة شكوكيّة ، على أساس فلسفيّ - سياسيّ ، بالمقارنة مع النّتائج الحاصلة في الواقع .
و في إطار مؤلف ”موت الله” (نيتشِه) و مؤلف ”موت الإنسان” ( فوكو ) ، عصفت بالهوّية الأنثروبولوجّية أعاصير النّقد ”الإناسيّ” ( دو سوسير ) و ( ليفي ستراوس ) و ( لوسيان غولدمان ) و ( رولاند بارت ) فلم يكتفوا بكل الموت الذي أصاب على يد المدشّنين و المؤسّسين ، بل اشتمل هذا الموت على ”موت المؤلّف” أيضاً الذي طلع به ( رولاند بارت ) على الثّقافة السّياسيّة العالميّة أو ما يُسمّى ”الأدبّيات السّياسيّة” في العصر المضارع .
اختتم القرن العشرون بانتشار آخر الفلسفات ذات التّطبيق التّاريخيّ و الإنسانيّ و السّياسيّ ، و أعني ”التّفكيكيّة” التي جاء بها ( ديريدا ) ، فكانت التّفكيكيّة بمثابة نقد للمقول التّاريخيّ السّياسيّ المكتوب ، أو ذلك الذي ثناه ”الخطاب” ، و كذلك الإبداعيّ بذاته ، و اتّهام سياسيّ مباشر له بالخواء الخالص ، و ذلك بتعرية دوافعه التي تتناقض مع الرّوايات الشّهيرة عليه ..
و بالإجمال فقد انفرغت ”القيم” السّياسيّة الأخلاقّية للحداثة ، و عَمّ مكانها مفهوم ”القوّة” و ”قوّة المعرفة” و ”السّلطة” و ”سلطة المعرفة” ، فبدا العالم في التّاريخ رهين الأفكار الّسياسيّة أكثر من أيّ شيء آخر .
13▪ تلقّفت السّياسات العالميّة هذه ”الأفكار” و صنعت منها أسلوب ”العنف” المعاصر بفصل ”الأخلاق” عن ”القّوة” .
و كان هذا إيذاناً بعصر جديد من ”الهويّات” السّياسيّة للجماعات و الدّول التي أوحى بها ”العنف” في شبه انتماء هذيانيّ إلى صنوف جديدة من ”الرّعب” المصنّع ، من أجل الاستيلاء على الإرادات بما فيها إرادة ”الّذات” المعبّرة عن ”الهويّة” التّكوينيّة بالأساس ..
و في استقرار سياسات ”هويّة” المركز الكولونياليّ العالميّ و التّعصّب لهويّته أو بالأحرى لهويّاته ، كانت تُحاك للأطراف ”هويّات” سياسيّة و ”ديموغرافيات” جديدة ، و بخاّصة في ”الشّرق الأوسط” الكبير الذي يمتدّ من ( أوكرانيا ) شرقاً و حتّى الشّاطئ الشّرقيّ للمحيط الأطلسيّ ، بما في ذلك دول ( آسيا ) و ( أفريقيا ) الواقعة في ”خطوط العرض” ، هذه التي تنتهي جنوباً بالسّودان و الصّومال و اليمن ، و شمالاً بتركيا ، على حدود ( أوربا ) ..
و في ما بعد ذلك ، بدأ التّخطيط الغربيّ من أجل ”هويّة” أو ”هويّات” سياسيّة جديدة لمنطقتنا في قلب ”الشّرق الأوسط” الكبير ، من أجل ”شرق أوسط” جديد .. و ما زلنا نعيش آثار هذا الانفجار الكبير للأفكار حتّى اليوم .
14▪ مع الحروب تُصدّر ثقافات إلى ”المكان” ، و تولد ثقافات أخرى في هذا ”المكان” ؛ و كان النّفور من ”الهويّة” الواقعيّة ، و التّشكيك و التّشكك بها تشكيكاً سياسيّاً أولاً ، معلَماً جديداً من معالم ما بعد الحداثة التي أنجزت مهمّتها على أعلى المستويات و التّناضدات المفهوميّة السّياسيّة ، إلى أن نظر ”الإنسان” إلى نفسه كغريب أو مغرّب في هذه المنطقة من العالم .
□ ثالثاً : امتحان الهُويّة السّياسيّ المعاصر :
15▪ شكّل واقع الحروب الذي بدأ مع الألفّية الثّالثة في منطقتنا مجموعة من التّحدّيات المباشرة و الامتحانات العسيرة للمفهوم السّياسيّ للهُويّة ، سواءٌ كان ذلك في ”الثّقافة” أو في ”الهويّة” السّياسيّة ، و هو ، في الحقيقة ، امتحان مركّب و معقّد و صعبُ المسالك ، أيضاً .
طغت سياسة ”الآخر” الغربيّ طغياناً شديداً كانت تحمله معها ”الحروب” التي دارت في “المنطقة” كمُوَازٍ مُحَاذٍ للعنف المسلّح ، بالعنف السّياسيّ الذي تجسّد في كمّيّة الضّخ الإعلاميّ العولميّ الذي تفرّغت له مضخّات إعلامّية إقليميّة و عالميّة ، و هو ما صنع ”ثقافة” أو ”ثقافات” جديدة في ”المنطقة” ، عملت قوى معروفة عنصريّة و انفصاليّة ، على تبنّي هذه الثّقافة تبنّياً سياسيّاً ، في جعل نفسها حاملاً لهذه ”الثّقافات” في مشروع هويّة سياسيّة أو مشاريع هويّات سياسيّة جديدة .
16▪ بدلاً من أن تشكّل ”الهُويّة” السّياسيّة التّاريخيّة الثّابتة للمنطقة ، بمعناها الجذريّ ، ثباتاً بأكثر من ثبات قدْر ”هويّات” الآخر ، الفاتح الجديد الغربيّ - الأميركيّ ، بعشرات المرّات ، و هذا بشهادات التّاريخ الحيّ المكتوب ؛ كان ردّ الفعل - المُنَظَّم - على تعرّض ”هويّتنا” الوطنيّة و القوميّة السّياسيّة للخطر العولميّ - العنيف أو العُنفيّ ، بتأسيس عشرات الهويّات ”السّياسيّة” و الأيديولوجّية الجديدة التي حملت أسماءها ”المنظّمات الإرهابّية المسلّحة” ، و ذلك بطريقة الإعداد لهذه الانتماءات بتكريسها الإعلاميّ و العسكريّ الحربيّ و السّياسيّ و الدّوليّ - الدّبلوماسيّ . و يذكر جميعنا هذه الأبعاد ، بكلّ تأكيد .
هنا ، و ممّا أنتجته حروب المنطقة ، بشكل خاصّ ، يكمن ”التّفتيت” السّياسيّ للهويّة و الثّقافة .
كان هذا التّفتيت موجّهاً ، أولاً، و قبل كلّ شيء ، إلى ذكريات مكوّنات الهويّة التّاريخيّة السّياسيّة - و مثالنا ، ليكن ”العروبة” - و العبث بها بواسطة بدائل جديدة للسّياسة في أطر أيديولوجيّة و دينيّة ، و أعجميّة عن ”المكان” .
17▪من يقرأ تاريخَ العالم القديم ، قبل ألفين أو ثلاثة آلافِ عام ، يستطيع أن يتبيّن بحزم ذلك الحزمَ الذي أرّخ لبروز و صعود و تصاعد و تكريس الهويّات ، كممارسات سياسيّة طبيعيّة تعكس مفهوم العلاقات غير المتكافئة ما بين الأفراد و الجماعات و القوى المتنازعة على السّيطرة ، قبل أن يكون لعصر القوميّات في ( أوربّا ) بعصورٍ سحيقةٍ ، و هذا ما يُسوّغ للنّظريّة ”الطّبيعيّة” أو حتّى ”الإثنوسيمبولّية” [ المركبة : طبيعيّة - تاريخيّة سياديّة ] أن تبدو كلّ منهما أبعد في تصوّر الهويّة القوميّة لأّمة أو لشعب في المنظور السّياسيّ في استمرار هويّة ”الأمّة” ، من حيث رسوخ الغاية المُضمرة أو المُبهمة الموجودة وراء هذه ”الموضوعيّة” ، في تداخل غير مفهوم ، سياسيّاً ، ما بين الهويّة و القوميّة ..
و هذا هو مثار التّخريب الإمبرياليّ العالميّ لمفهوم الهويّة لحذف ذاكرة البشر و غسل أدمغة الآدميين على الأرض ، توثّباً لتمزيقها بأنياب العولمة .
18▪ الأجدر أن ننظر إلى الهوّيات السّياسيّة للشّعوب في ما بعد الحداثة ، على أنّها تَحَدّ ٍ مباشر لنزعة الحكومة العالميّة الماليّة الواحدة ، و التي هي أكبر و أوضح مثال على عمق مفهوم الهويّة المركزيّة الحاكمة ، و هي هويّة ”التّفوّق” العالميّ على شعوب المعمورة ، يجب أن يواجه بمثله من التّشبّث بالذّات الوطنيّة - القوميّة ، و يبدو أنّه يفعل ذلك على رغم بعض ”المتفهمنين” الثّقافيين و السّياسيين من أصحاب ظهور ”أنواع أخرى” من الهويّات.. كالهويّة الفيدراليّة أو الهويّة الكونفيدراليّة أو الهويّة العقائديّة المزعومة ، و غيرها كما يتخرّصون .
خلقت الأوشابُ ( الأوباش ) البشرّية في ( الأميركتين ) ، باستئصال السّكان الأميركيين الأصليين ، و بخاصّة ، في الولايات المتّحدة الأميركّية ، و في (“إسرائيل”) ، ”هُويّات” من عَدَمٍ ، بلا تاريخ و بلا ثقافة أو جذور ، بل بالقوّة و العنف و القتل و التّوحّش البشريّ الذي لا يرتقي إلى الاختيار الحُرّ للهُويّة ، و مع ذلك فإنّهما اليومَ تتحدّيان العالم بهويّتيهما الّلقيطتين .
و من الَأولى أن يكون التّشبّث بمبدأ الهويّة الثّقافيّ التّاريخيّ المتأصّل بجذور تاريخيّة و مناسبات ، تعود إلى آلاف السّنين لا يمحوها الزّمان ، و بسياسات مطابقة ، هو مبدأ التّحدّي المعاصر للهويّات التي لم تخلق الدّولة القوميّة ، بعد ، على رغم توفّر جميع مقوّمات الأّمة التّاريخيّة لشعوب أبناء هذه الهويّات ، و مثالها الأكثر نصاعة هويّتنا الثّقافيّة العربيّة التّاريخيّة التي استطاع العالم السّائل كبركان عنصريّ تحييدها تحييداً سياسيّاً جائراً و عنيفاً ، بعبثه السّياسيّ في ”المكان” ، و لم يُفلح - على رغم ذلك - في محوها كما كان يظنّ أو يعتقد ، مع كلّ كمّيّات العنف التي خصّصها لاجتثاث الذاكرة الثّقافيّة الحضاريّة العربيّة ، التي قاومت و ما تزال مقاوماتها تُبدع أشكالاً جديدة من المقاومات السّياسيّة التّاريخيّة التي صمدت و تصمد مع الأّيام .
19▪ من مخاطر تحدّي هويّتنا السّياسيّة ، اليوم ، هو اختلاطها بمقوّمات دخيلة عليها كالانتماء الّدينيّ و العرقيّ و الإثنيّ ، و الذي يفعل فعل التّفتيت للهويّة التّاريخيّة االثّقافيّة ، و لو أنّه يظهر أو يتظاهر بانتماءات تاريخيّة مزيّفة و مشكوك فيها ، من حيث أثبتت هي
أنّها من عوامل التّفرقة و التّجزئة ، على عكس ما يُصوّرها أصحابها باستماتات أيديولوجيّة ( سياسيّة ) فارغة و مشبوهة و حماسيّة إلى حين .
هذا و ليس هناك ما يمنع انتقاء أفضل ما أثاره التّاريخ لاحقاً ، في مرحلة خصبة من مراحل الهويّة السّياسيّة العربيّة قبل أن ندخل في معالجة جذر الهويّة الذي يحمل بنفسه بعداً سياسيّاً ، بما قدّمته الهويّة التّاريخيّة نفسها من سند أبديّ لحضارتنا الباقية في صيغة ”الّلغة العربيّة” ، التي حفظها لنا ”الشّعر القديم” السّابق على ”القرآن” ، بالإضافة إلى ما قدّمه ”القرآن” من عامل تقديس لأهمّ مقوّمات هويّتنا الثّقافيّة في صيغة ”الّلغة العربيّة” الخالدة .
إنّ التّفاوتات السّياسيّة الحضاريّة المُمِضَّةَ ، و المفارقات السّياسيّة غير العاديّة ، ليس عليها أن تدفعنا ، جرّاء شعورنا بالظّلم العالميّ ، إلى اليأس من إمكانيّة إنجاز عناصر هويّتنا السّياسيّة ، الأخرى ، أو إلى العيش في أوهام هوّيات صُنعيّة افتعاليّة و مزوّرة و لها مريدون..
بقدر ما على تلك ”التّفاوتات” أن تقبل بأن نصنّفها في عداد ”الّلاتكافؤ” المكانيّ - الزّمانيّ الذي دخل فيه العالم منذ بدايات ”عصر النّهضة” الأوربّيّ في القرن الرّابع عشر ، و دخول التّاريخ في قسمة القوّة ، و لاحقاً في قسمة العنف ، اللتين كنّا ، كعرب ، قد غبنا عن مسرح أحداثهما الذي عمّ الغرب الكولونياليّ ..
و يتنامى في أيّامنا هذه جملة من ”الخطابات” المحلّيّة و الإقليمّية و العالميّة ، للتّشكيك بمبادئ و أسس هويّتنا السّياسيّة الحضاريّة الصّريحة و المستقلّة المقوّمات و العناصر الثّابتة ، و هو أحد أهمّ التّحدّيات السّياسيّة المعاصورة أمام ”الهويّة” التي نعاصرها دفعة واحدة ، كنتيجة لاعتراف الآخر بهوّيتنا السّياسيّة البطوليّة ، صاغراً ، و لكن الذي يحاول في الوقت نفسه تصويرها على أنّها هويّة ”عنف” إسلامويّ و إرهابيّ عالميّ ، مختزلاً صفات الأطراف الهامشيين في حضارتنا و هوّيتنا و المنبوذين سياسيّاً بيننا ، و تعميمها كصفات أصليّة و جذريّة على ”هويّتنا” تعميماً سياسيّاً ، التي يُدرك أهمّيّتها و قدرتها على الحوار التّنافسيّ - السّياسيّ ، كما أثبته اختبار الحرب مؤخّراً ، مع باقي هويّات و حضارات و ثقافات العالم المعاصر .
20▪ و على كلّ حال فإنّ هذه التّحدّيات ، و مثيلاتها ، غيرها ، يجب أن تجعلنا نقبل التّحدّي بإيجابيّة فكريّة و إبداعيّة سياسيّة و عدالات ثقافّية و اجتماعيّة ، إذ ليس أكثر من مثل هذه الحقائق ما يجعل من هويّتنا واقعاً سياسيّاً حضاريّاً مقاوماً ، و بالتّالي منافساً في إطار الوَحدة العالميّة و الاتّصال السّياسيّ و الثّقافيّ العالميّ المذهل .
إنّ التّمهيد لمعاودة صياغة أسس حضارتنا الثّقافيّة العربيّة - الإسلامّية المحمّديّة - المسيحيّة المشرقيّة - الموسويّة الحنيفة ، كتأسيس سياسيّ معاصر و مفارق ، يتطلّب منّا منظومات سياسيّة و فلسفيّة سياسيّة و فكريّة ثقافيّة و إيمانيّة مختلفة و جديدة و مبدعة ، و هذا ما لا يمكن تحقيقه إلّا باندماج الدّولة في هذه الأغراض و الأهداف ، كمساهمة سياسّية مباشرة في إعداد الهيكليّة الإدارّية و السّياسيّة في الممارسة ، و التي تُفضي إلى فضاء حضاريّ معاصر و متين لخطاب الهويّة في إطار ما بعد الحداثة العالميّ الذي تفتّق سياسيّاً عن همجيّة بشريّة و بربريّة إنسانيّة ، لا نظنّ أنّهما ستُكتبان في عداد التّاريخ الحضاريّ الإنسانيّ المكتوب ، إلّا بوصفهما اعتداءات على الحضارة و الأمم و الهوّيات التي تستعيد أنفاسها اليومَ على رغم المعوّقات الملموسة التي تواجَه بها مواجهة كأداء .
و هكذا ، فقط ، علينا الخروج من حالات الإحباط الفكريّ و السّياسيّ التي يعمل عليها ، في مواجهتنا ، الغرب اليوم ، بواسطة التّنبّه للدّعوات الفانتازيّة السّياسيّة و الثّقافيّة المزيّفة ، التي يتبنّاها أدعياء الهويّة السّياسيّة الجديدة ”المعاصرة” ، بينما هم ينثرون السُّمَّ فوق زهرة حضارتنا العربيّة - الإسلامّية - الجامعة..
و التي هي تُعنّدُ بجذورها الرّاسخة في وجه العدوان المعاصر بأدواته الدّاخليّة و الخارجيّة ، التي تشكّل عدّة التّحدّي الحضاريّ لمشروعنا في الهويّة السّياسيّة التي لم تخرج ، يوماً ، عن طريق الوجود .
من النّافل أخيراً أن نقول إنّ مشروع ”الهُويّة” السّياسيّ الخاصّة بنا ، ليس مشروع رذّ فعل سياسيّ على ”الهُويّات السّياسيّة العالميّة” التي تُشعرنا بالتّحدّي المباشر ، و إنّما مشروعنا هو مشروع حضاريّ مبدأه السّلام و المحّبة و العدالة للجميع ، في إطار السّياسة ، و إن اتّخذت أشكال مقاومتنا لعنف ”الآخر” ، شكلاً ظرفيّاً من أشكال المقاومة المسلّحة ، التي نخوضها في سورية اليوم ، و ذلك لردّ الاعتداءات و مقاومة العدوانات التي يُطبّقها علينا الإرهاب العالمي الدّينيّ الإسلامويّ الرّجعيّ العربيّ الأميركيّ - الصّهيونيّ بوقاحة منقطعة النّظير .
إزاء هذا الواقع ، فإنّ المشروع السّياسيّ للهويّة بالنّسبة إلينا هو استمرارٌ تاريخيّ ، لحقيقة بدأت و تحدّتْ في الأزمنة التّالية و المستمرّة جميع ضغوط الزّوال و النّسيان ..
و ما عالم اليومَ ، بمظالمه و طغيانه إلّا محفّزٌ للتّمسّك بهويّتنا السّياسيّة الحضاريّة التي اقتنع و يقتنع بها العالم المعاصر ، مع أنّها محلّ شكّ و تشكيك من قبل أبنائها ، بيننا ، في مفارقة تاريخيّة تجعل من أعدائنا السّياسيين فينا ، أقرب ممّا نتصوّر ، سواءٌ بالقول أو بالممارسة و العمل ، بينما يعترف لنا ”الآخر” جبراً و فرْضاً بهويّة سياسيّة - و لو مرغماً - لاتزول و لن تزول ..
و ما علينا سوى أن نعود لنكون نحن أنفسنا ، ذواتنا ، بعيداً عن تقليد ”الآخر” الذي يعيش في وسط و بيئة و ظروف ، تختلف شديد الاختلاف عن واقعنا الاجتماعيّ - السّياسيّ ، الذي عليه أن يتطّور بنا إلى مواكبة حضارة العالم بهويّة و إسم و عنوان لا يُخطئهم أحدٌ من الواهمين .
أمامنا ، إزاء ذلك ، جملة من الإنجازات التّربويّة و العلميّة و الاجتماعّية و الاقتصادّية و االسّياسيّة و الثّقافيّة و الفكريّة و المؤسّساتيّة ، ذلك أنّ ”الهُويّة” السّياسيّة الحضاريّة المعاصرة ، ليست سوى التّعبير عن أرقى حالة علميّة و عقلانّية توصّل إليها المجتمع و الدّولة في مقوّماتهما التي تكثر كثيراً و باستمرار .
الهويّة السّياسيّة في التّحدّيات العالميّة المعاصرة ، هي بالضّبط ، و على الأخصّ ، الاعتقاد خيراً بالذّات و تأكيد ذلك بالممارسة الاجتماعيّة الحرّة من الأوهام و تقاليد المحدودّية ، و بالممارسات السّياسيّة الأخلاقّية ..
و إذ هي نتاج كلّ ما تقدّم ، فإنّ النّاظم التّاريخيّ الحضاريّ الموثوق ، لها ، إنّما هو ببساطة ما نُسمّيه ”العدالة الأخلاقيّة” التي تُعبِّر عنها ”سياسات أخلاقيّة " ، و التي تميّز الحاكمين بين كونهم مُسوخاً ، أو بين كونهم رجالاً تاريخيين!
*********
فعقب الشاعر المهندس ياسين الرزوق زيوس
:
في حديثك تنمو السياسة من هويتها المضمرة إلى غصنها الغض و جذرها الصغير إلى شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء كي نتدارك بها كل الهويات السياسية لما تقدم و ما تأخر من مفاعيل الحداثة و هي تحبو في مشوارها إلى ما بعد الحداثة حبواً طفولياً حتى تسرع بشبابها و شيبها بعد طول مراهقة إلى الشك الغارق في تساؤلات اليقين الحداثيّ بأنّ الهوية السياسية هي دولة من دول المعنى الوجوديّ و أنّ المعنى الوجوديّ هو دولة الهويات السياسية بكل تناقضاتها المصالحية و الفدائية على سبيل تعريف الدولة و المواطنة و الأوطان !
و عليه :
١ ) : الهوية السياسية ليست بنيوية الانسياقات نحو تجذرها بل هي متجذرة البنى نحو تعاريف لا حصر لها في الماضي و الحاضر و المستقبل حيث الحداثة تبحث عن ميلادها هناك في أقبية ما بعد الحداثة و ما بعد الحداثة تطلق ميلادها في انتشارات الحداثة الغرفية الضيقة التي رغم كل امتدادها لم تدرك الفرق بعد بين أن تُحدِث وطناً و أن تُحدّث وطناً و بين أن تكون وطناً بنفسك و بهويتك و بين أن تخون أدنى هويات الانتماء لوطنك و لنفسك بتهشيمها و رمي رأسها في خانة اللامنتمين !!
٢ ) : ليست السياسة تلك النزعات المتضاربة في خانة الهوية بل هي الهوية التي تحددها المضاربات الدولية بما لا يلغي البعد الوطني ولا يسقط التقاطعات العالمية على تعريفها ..
٣ ) : لم تكن تلك الأبنية السياسية مرصوصة و لن تكون ما دام الفرض الرؤيوي للأبعاد الاستراتيجية لا يغلب نوافله المنساقة قطيعياً إلى إلغاء الدور السياسي من البنيان الوطني الجامع لكل الأدوار..
٤ ) : عندما يتخطى البعد العولمي خصوصية الأوطان بحجة الانفتاح على الأبعاد العالمية تفقد الهوية التفريق بين الخانة الضيقة و الانتماء الوطني الكبير مما يجعل الوطن سلعتها الرخيصة و يجعل صاحبها أرخص سلعة في الوجود العالمي الموبوء !!
٥ ) : لا مجال لتعتيق خمرة الوجود السياسي ما دامت صورة الهوية مؤطرة فقط بالشعارات الداخلية و معتقة بالكؤوس الفارغة من مضامين الوطن و المواطن و عليه لا تعريف لهوية سياسية دون مواطنة إذا لم نقل لا وجود لها !.
٦ ) : لن نقول أن الهوية السياسية ضامرة في الشرق الذي لم يعرف من هيدجر تعريف الحداثة حتى يدرك ما بعد الحداثة ما بين موت الله و موت سواه بل سنقول أنها تبحث عن شكها الثائر على الخضوع المؤدلج في تباشير المنتمين لإرادات أعداء الأوطان و هم لا يحللون بالانتماء هذا إلا جعل أياديهم بيضاء بالنفاق بينما هي سوداء تدلل على وجوههم المسخ و على قلوبهم المدللة على أن يقينهم ما هو إلا مال سياسيّ و تسليم نفاقي برفع راية الوطن التي لا تخفق إلا بشعاراتهم الطنانة الرنانة بينما يخفون و يمارسون تنفيذ برامج خفية لخلخلة الهوية السياسية و الوطنية و حتى الإنسانية بكل أشكالها و خاناتها !
٧ ) : الهوية التي تبتر انتماء القومية الوطنية و الوطنية القومية لا تنعت بأنّها لا شوفينية بل هي تعابير لا حصر لها من سقوط المفاهيم الوطنية في هاوية النطق و الناطقين حيث تغدو أكذوبة كبرى في بحر الانتماء الذي عليه أن يكون هائجاً مائجاً ما بين إغراقها و ما بين وضعها على شطآن نوح لا في سفينته بعد توبتها الوطنية الصادقة !.
٨ ) : ليست العاقبة للانتماء المعاصر بل هي لمعاصرة الانتماءات برمتها حتى القناعة المطلقة التي لا مطلق فيها بأنه لا وطن يستحق الانتماء إلا ما يجعلنا نضحي في سبيل حداثته المعاصرة و تاريخه المعاصر و غير المعاصر !.
٩ ) : التشوهات المدرجة على أبجديات الوطن ليست ذريعة لضرب الانتماء و سد الذرائع الديني الذي يضرب الانتماء و يجعل الهويات السياسية ساقطة في امتحان السياسة المعاصر الذي لم يقدر أساتذته بعد فك الشيفرات المعقدة في بنية الوطن و الإنسان !
١٠ ) : لنا بحديثك أن نكون على أهبة حماية الأوطان كي ننجح بكل اختبارات السياسة المعاصرة دكتورنا الغالي بهجت سليمان Bahjat Sulaiman.