عاصفة من تطورات السياسة العالمية الأخيرة

[ حديث الثلاثاء " 46 " الحلقة السادسة والأربعون ]

[ عاصفة من تطورات السياسة العالمية الأخيرة ]:

[ معناها ومدلولاتها السياسية، المحلية والإقليمية، المباشرة ]

● د. بهجت سليمان

لم يتأخّر الحدث السّياسيّ العالميّ في التّبلور الصّريح و التّجوهر كأحد أهم نتائج "الحرب السّوريّة" و تداعياتها في الوقائع و النّتائج و الآفاق.

1 كانت (سورية) تلك المناسبة التي أحيت شهوة السّياسة الإقليميّة و العالميّة للتّعرّي الصّريح من كلّ بقايا التّحفّظات و التّقيّات السّياسيّة التّقليديّة و المنظّمة و المُحكمة و التي خضع لها العالم قبل احتلال ( العراق ) عام ( 2003 ) ، و ما رافق ذلك من تخبّطات دوليّة و إقليميّة في الإضمار و الإفصاح السّياسيين عن المشاريع السّياسيّة الحالّة و القادمة ، بالنّسبة إلى ترجمات العنف العالميّ في ما يتغذّى عليه من دماء و تدمير .
"ضمّ القدس" و "ضمّ الجولان" و إسقاط "الاتّفاق النّوويّ" الإيرانيّ و "قتل السّوريين" و "قتل الفلسطينيين" و "صفقة العصر" و العمل على "إنقاذ" نتنياهو و "إنقاذ" أردوغان .. وحصار ( إيران ) و العقوبات الفاحشة على ( سورية ) و ( إيران ) .. و الإيحاء بتقسيمات "الأمر الواقع" للأراضي و السّيادة السّوريّة ، و نهب ما تبقّى من الاقتصادات السّوريّة في "الشّمال الشّرقيّ" السّوريّ ؛ هي مجرّد ملامح خارجيّة للمصير المعاصر للمنطقة الإقليميّة و تطوّرات الأحداث فيها ، التي لم تعد صناعتها مجرّد نزاع قوى عالميّة ، بقدر ما هي اتّفاقات أو تناغمات صريحة و فجة بين هذه القوى ، التي لا تقيم اعتباراً لأخلاق أو قيم أو عهود و لو فيما بين أصحاب المصالح المتداخلة ، بقدر ما هي انفراد جيوبوليتيكيّ صارخ و عنيف بأملاك و أرواح أبناء هذا المكان ، و كلّ مكان آخر على وجه المعمورة ؛
و إذن ، دعونا نستعرض الواقع العالميّ في أكثر نقاطه و مفصليّاته إثارة للحفيظة السّياسيّة في الخطاب السّياسيّ العالميّ القائم ؛ إذ أنّنا لن نعدم "المسؤوليّة" و " الدّور" ، و "الوظيفة" المُتَمِّمَة أيضاً .

● ١ - " المسؤوليّة " الأميركيّة :

2 لم تزل أميركا تمثّل أقصى تغريبٍ للعالم المعاصر عن ذاته و امتصاص روحه و دمه و مقدّراته بمخلوقاتها العلنيّة و السّرّيّة من المعروفين أو المجهولين ، لحماية طاقتها الحيويّة وخاصة اليهوديّة - الصّهيونيّة ، بدءاً من حكّام أميركا و مخلوقاتها الماليين ، وصولاً إلى تطوير الجيل الجديد من شكل مستعمرة الكيان الصّهيونيّ ، و دفعاً بهذا المكان ليأخذ دوره الأسطوريّ بإشعال حرب العالم التّلموديّة العالميّة ، و إحراق ما أمكن من البشر تمهيداً لإخضاع العالم إخضاعاً شاملاً و نهائيّاً ، ثمّ سحقِهِ و الفوزِ بخرافة نهاية تاريخ هذه الأرض و قد تحوّلت حقيقة مُطْبِقَة .

3 إنّ النّبوءة السّياسيّة حول مصير الإمبرياليّة العولميّ ، و سواءٌ كانت نبوءة بريئة أم نبوءة مدبّرة و مبنيّة على حقائق ملموسة و مرغوبة ، تتحقّق بصفاقة الفاعلين يوماً بعد يوم ، فيما العالم يتعاجز و يعجز و هو عاجز عن تغيير هذا المسار .
و هكذا ، فإنّ البعض يرى بأن من "الأفضل" (؟) الانضمام إليه بدلاً من الوقوف في وجه عاصفته الإعصاريّة الممزّقة للآمال الطّيّبة ، مثلما هو الأمر بالنّسبة إلى أعاصير أميركا الطّبيعيّة (المناخيّة) منها و الصّنعيّة الافتعاليّة و التّجريبيّة ، التي تُبقي الشّعب الأميركيّ السّاذج الخائف في زريبة الّلجوء إلى دولته و تأييدها و كسب حنانها الأبويّ ، غير مختار بإرادته مصيره ، و ذلك مثله مثل أيّ شعب آخر من شعوب هذه الأرض ..
و قد استمتعت القوى الماليّة الأميركيّة بهذه التّمثيليّة لتمهّد بها طريقها إلى استزراب خرائط الدّنيا ، جميعها تقريباً ، و مِن ثُمّ التّفاوض على البقيّة القليلة الباقية من الجغرافيا غير المؤهّلة للانضمام إلى الحلم - الوهم الأميركيّ .

4 من السّذاجة القصوى أن ننظر إلى أميركا بوصفها دولة على الطّريقة السّياسيّة المحفوظة في أذهان المتعلّمين أو المكتوبة في مصادر و مراجع الثّقافة العالميّة و التّعليم العالي ، إذ أنّ أميركا ابتدأت و بدأت كحالة و دولة شاذّتين ، و هي لا يمكنها أن تستمرّ إلّا في أجواء هذا الشّذوذ القائم على القتل ، حيث أنّ تاريخ أميركا هو ليس أكثر من تمرين ساديّ دائم و مستمرّ على كيفيّات استئصال البشر و العالم من أجل الذّهب القديم و المعاصر بكلّ أنواعه و أشكاله ، التي تدخل أو لا تدخل في حسبانات و عداد الأرقام في التّاريخ .
غير أنّ المستحدث ، اليومَ ، في النّهج الإمبرياليّ الأميركيّ ( و الغربيّ ، أو البريطانيّ على الحصر ) بالعموم ، هو هذه الفنّيّة المتراجعة و المتهازلة باستمرار بالقهقرة التي تتدنّى يوماً بعد يوم ، في أسلوب ممارسة قبحها التّاريخيّ بازدهاء ، بعد أن لجأت ردحاً من الزّمن التّاريخيّ إلى ادّعاءات و نفاقات "إنسانيّة" ، بحيث أنّ الثّقافة العالميّة التي تخشّبت في لغة الإنسانويّات ، باتت عبئاً على سياساتها و شهواتها الدّمويّة ، معلنة ذلك أو غير معلنة ذلك ، كما هو الطّقس السّريّ الشّيطانيّ الذى يتزوّد فيه حكّام أميركا و العالم بالطّاقة الورديّة من عصارة دمِ الدورة الشّهرية ، التي تتجوّل في شرايين العذارى لتصبَّ ، أخيراً ، في أمعاء "الأسياد".

5 القرن الأميركيّ ، القرن الواحد و العشرين ، الذي حلّ قبل موعده بعقد كامل ، يترسّخ اليومَ بثبات و "نجاحات" لم تكن لتخطر في بال "مفكّري" العالم و "فلاسفته" السّياسيين ، أولئك الذين لا يقوون على التّفكير إلّا من خلال محفوظاتهم العمياء .
لقد بدأتْ للتّوّ الأشواط الأخيرة لمهزلة العنف في التّاريخ ، و لقد دشّنتها أميركا بنجاح منذ القربان الدّمويّ الأوّل الذي تقرّبت به دوائر المال العالميّ في ( وول ستريت ) في ( 2001 ) ، إلى الشّرّ السّرّيّ و الأكثر سريّة ، من أجل استدعائه في صيغة تحضير الأرواح الشّريرة التي تمتطيها القوّة الأميركيّة تقليديّاً ، و بات من الأنجح و الأفضل أن تمارس أميركا ذلك من خلال السّطوع الصّادم لتغريب البشريّة عن ذاتها و التّسليم بالقدر العالميّ الأميركيّ .
و مثلما يُقالُ على القضاء و القدر في الّلغات الفلسفيّة "المنقرضة" ، فلقد استعادت أميركا الدّور "الإلهيّ" المباشر في تفويضها لإنجازها تقبيح الأرض و نزع كلّ علّة و تعلّة جماليّتين منها ، بحيث لا يكون ممكناً لأحد من البشريّة كلّها أن يستطيع الرّهان على العكس .

6 إنّ أميركا ، بما هي كذلك ، تكشف اليومَ بوضوح "طقسيّ" ، مادّيّ و رمزيّ ، مكشّرة عن أنيابها ، و متيحة ظهور أو إظهار أكبر مَهمّة حاقدة أوكلت إلى كائناتها السّياسيّة "الدّقيقة" و "الخفيّة" و "السّاطعة" و "الفلكيّة" ، و ذلك من أجل الإسراع في دفع العالم إلى حتفه الإنسانيّ ..
بحيث ينبغي على من سيتحدّث في "السّياسة" ، من الآن فصاعداً ، أن يأخذ في اعتباراته ، أوّلاً ، أنّ ما شهده العالم و ما يشهده الآن و الذي سيشهده دوماً ، و اعتباراً من هذه اللحظات الوهّاجة من تأريخ الكرة الأرضيّة ، و كذلك على من تسوّل له نفسه الاشتغال في حقول السّياسة .. إنّما هو أمر عليه أن يتقبّله في فكرة أنّه يحيا ، في فضاء غريب عن ذاته ، و هو فضاءٌ متداخل ، لازورديّ ، و قرمزيّ ، و خلّاب و ماحق للإرادات الوهميّة - و هي الإرادة الإنسانيّة ، بالتّعريف العامّ - و رمزيّ بلاهوتيّة عناصره و أدواته و أداءاته ..
بينما ستكون أقرب و أبسط مخيالاتِ تخيّلهِ تكمن في تقديم فروض الولاء و الطّاعة لأولئك الذين يعيشون سرّاً في الأماكن الأكثر ظلمة ساطعة من وراء التّحدّي الأميركيّ الصّفيق لجميع ما عرفته البشريّة ، أو الذي ستعرفه ، في الأجيال القليلة المقبلة ، من أفكار و أحلام ؛ و ذلك كلّه أو جميعه ليسَ أكثر أو أقلّ من كونه إرضاءً و تطميناً للوحش الإنسانيّ "المثقّف" ، المُترع بالحميّة و الشّغف و الولع .. و النّاقم على حياة جميع الذين صودف أنّهم عاصروا هذا القرن الأميركيّ ؛ و كلّه و كلّ أيّ شيء آخرَ ممكنٍ ، في مقابل بناء جبل المال و السّطوة و السّيطرة ، الأميركيّ - البريطانيّ - اليهوديّ العالميّ ، و تحويل الجنس البشريّ الباقي ، كلّه ، و بدقّة و إحكام ، إلى جنس طريف هو عبارة عن رعاع و "غوييم" ، بالفعل ، حيث أنّ أسهل ما هم عليه ، إنّما هو تقبّلهم و قبولهم و استعدادهم للبطاقة الذّكيّة التي ستصنعها إمبراطوريّة "غوغل" ( Google ) ، قريباً ، لتستقرّ في أدمغة هؤلاء .
و لا تدّخر أميركا وسعاً ، في سبيل ذلك ، من تهديد العالم تهديداً مأساويّاً بالسّيطرة الاستثماريّة الاستعباديّة للبشر ، أو بمحو الجنس البشريّ ، كلّه ، من الوجود على سطح كوكبنا ، الأرض ؛ و هذا عندما تكون العمليّة التّفاعليّة التّكامليّة قد وصلت إلى مرحلتها الحاسمة لإدراكها نواتج التّفاعلات المختلفة ، إدراكاً يجعل منها تخصيباً لليهوديّة السّياسيّة العالميّة و بيوت المال الاحتكاريّة العسكريّة و مصانع الأوبئة و الجراثيم و الفيروسات و السّلاح ؛ كشكل من أشكال ترويض البشر و إعدادهم للنّهاية التي هي ، في الذّاكرة التّلموديّة التّقليديّة ، لحظة تاريخيّة على البشريّة أن تشهدها ، سواءٌ رغبت في ذلك أم لم ترغب .

7 إنّ التّبادل الجينيّ السّياسيّ ، من أجل "تخصيب" مجتمع عالميّ واحد و خانع و متشابه ، بين أميركا و الصّهيونيّة اليهوديّة - المسيحيّة - " الإسلاميّة " ، قد وصل اليومَ إلى أُولى نتائجه المذهلة تلك المتمثّلة في "تعقيم" العقل البشريّ و بخاصّة ذلك العقل الذي اختار سرّاً أن ينظر بشجاعة إلى مشهد العالم المتجلّد ، الجامد ، في بركان.
وصلت أميركا بدعمها للإرهاب و المشاريع الانفصاليّة البدائيّة سياسيّاً ، في كلّ مكان من الكرة الأرضيّة ، إلى مستوى مُبهر من المفارقة المدهشة ؛ إذ أنّها لا توفّر عناءً ، و لا تسمح بذلك ، لكلِّ من هو من مُحبّي الأسرار المقولة و الممارسة بعلنيّة مباشرة في صيغتها الأكثر نهائيّة و جاهزيّة ، و ذلك إرضاء للحراشفة "اليهود" ، و أعني بهم أولئك الموزَّعين على مطلق أديان و مذاهب و أعراق و عناصر المكوَّن البشريّ العالميّ .
و بكلمات أخرى ، فإنّ تلك "المفارقة" الصّادمة - و المفارقة ، بالتّعريف الذي نقترحه ، نحن ، هي تَنَاجُزُ الشّيء بالّلاشيء أو تناجز الّلاشيء بالشّيء - هي في أنّ أميركا قادرة ؛ و هي ستبقى كذلك ، مديداً ؛ على أن تُنكِرَ أيّ "آخر" عندما يكون الأمر مرتبطاً بالمصلحة السّياسيّة "القوميّة" التّخيّليّة و المنفردة ، و ذلك مادامَ "الآخر" ليس واحداً من عداد المليون من الأميركيين أو من باقي كائنات العالم ؛ في الوقت الذي لا يمكن لأحد أن يتخيّل أنّ أميركا ، بقوّتها الفاعلة ، قادرة على أن تكون دولة بدلاً من عصابة عالميّة مسيطرة ، و هي الأقوى على مرّ التّاريخ ، حتّى اليوم .

● ٢ - الدّور الأوروبّيّ الغربيّ - بريطانيا ، كمثال :

8 في إطار الحديث عن " المسؤوليّة" الأميركيّة التي أخذتها كعهد على نفسها ، يمكن أن نتحدّث على أدوار أوربّيّة هزيلة ، أو دور أوربّيّ تابع و ذَيليّ للمسؤوليّة "التّاريخيّة" الأميركيّة(؟) ؛ و ذلك باستثناء بريطانيا التي تشكّل ، و ما زالت ، ليس بيت الخبرة لأميركا فقط ، بل المرجعيّة اليهوديّة الصّهيونيّة للقرار السّياسيّ المَلَكِيّ الشّامل للعالم ، تقليديّاً ، بما في ذلك جميع أديان الأرض و "أديان السّماء" التي دخلت ، عن طريق الدّور البريطانيّ ، مرحلة التّصَهيُن الاختياريّ منذ ما يزيد على بضع مئات من السّنين في التّاريخ .
يعود الثّقل البريطانيّ - عدا عن أنّ بريطانيا قد كانت ، فعلاً و عملاً ، الإمبراطوريّة الاستعماريّة "التي لا تغيب عنها الشّمس" ، كما قيل - إلى أنّ بريطانيا هي مهد "التّنوير" ، الأوّل ، و السّابق و الموافق و الآمر في "التّنوير" الفرنسيّ ، و العالميّ الغربيّ ، فيما بعد .

9 لا يمكن فهم "التّنوير" السّياسيّ الحداثيّ ، عمليّاً ، من دون أن ندرجه في سياقه التّاريخيّ السّياسيّ الطّبيعيّ ، كإنجاز عالميّ موحي و قائد و مرشد ، من جهة أنّه هبة "يهوديّة" - و ماسونيّة - و هديّة للعالم ، في وقت واحد. له مقرّه السّابق و الحالي و الدّائم في بريطانيا - اسكوتلندا على وجه الحصر .
و إذا اعكفنا على تأمّل هذه "الحقيقة" الثّابتة ، فإنّ علينا أن ننتبه إلى كلّ إطلاق في صورة العولمة الأميركيّة المضارعة ، من أنّه إطلاق تضمّنيّ أو تضمينيّ ؛ و ذلك بسبب الدّور البريطانيّ المستمرّ في الحياة السّياسيّة الأميركيّة و العالميّة ؛ بحيث لا يُضاهي بريطانيا بهذا الدّور سوى الدّور السّياسيّ المكثّف "الإسرائيليّ" الإقليميّ و الغربيّ و الأميركيّ العالميّ ، بوضوح .

● ٣ - الدّور " الإسرائيليّ" :

10 إنّ تبادل المنفعة ، الذي تحكمه - بإتقان - بديهيّات العلاقة الأميركيّة - "الإسرائيليّة" ، هو أمرٌ شائع و معروف . لكن غير المعروف عنه ، هو في أنّه "تبادل" معقّد و غير ثابت و غير نهائيّ و غير قطعيّ ، و ذلك على رغم الصّدمة التي قد تنتاب القارئ جرّاءَ هذا الواقع الذي نشير إليه .
يعود الأمر في "المسؤوليّة" السّياسيّة التّاريخيّة الأميريكيّة ، و تبنّيها للدّور "الإسرائيليّ" ، الإقليميّ و الدّوليّ ، لذلك الوجود المتشابه لكلتا "الدّولتين" ، أميركا و ("إسرائيل") .
و فيما يكون الانفراد ، و في كلّ مرّة يستقلّ القراران السّياسيّان عن بعضهما في كلتا "الدّولتين" ، فإنّنا نشهد "أزمة" ما ، مؤقّتة و عابرة ، لولا أنّه ما من موقف سياسيّ أو قرار سياسيّ أو ذكرى سياسيّة في علاقات هذه الخيارات الاستراتيجيّة بالنّسبة إلى كلتيهما ، يمكن أن يُمحى أو يُنسَى أو يزول ، و ذلك عندما تستيقظ نزعة "الاستقلاليّة" السّياسيّة التي تتنامى في علاقات الكيان الصّهيونيّ بأميركا .
و على رغم ذلك ، فإنّ طبيعة القرار السّياسيّ الأميركيّ المتبدّل جزئيّاً في سياسات "الرّؤساء" الأميركيين ، يَمنح المناخ السّياسيّ في علاقات "الدّولتين" حساسيّة مركّبة ناجمة عن تباين "المصالح" أحيانا ، هذا مع العلم أنّ ما يجمع مثل هاتين "الدّولتين" في حلف معاصر عميق الأفكار المشتركة ، و مُركّبُ الأدوات ، و معقّد النّوايا المُبيّتة في خلفيّات الاختلاف و الوفاق ؛ إنّما هو خلاف عميق حول التّوقيت الذي يتضارب اختياره بينهما في الرّهان و الأداء على الإطباق على بقيّة العالم ، و ذلك كمثال ما نراه اليوم في اشتمالات جديدة للصّهيونيّة العالميّة الممثّلة بـ ("إسرائيل") على ما تبقى من الأمل العالميّ بمستقبل للإنسانيّة في الحرّيّة و العدالة و الأمان .

11 ما من سياسيّ عاقل أو حصيف ، اليومَ ، إلّا و يدرك طبيعة و مدى الاقتران العضويّ و المصيريّ في علاقات أميركا و ("إسرائيل") ؛ غير أنّ القلّة من هؤلاء من هم يستطيعون إدراك التّناقض القائم - و التّناقض هو غير التّقابل أو التّضادّ - في طبيعة الجوهريّ من الأفكار و المصالح ، ما بينهما ، و الأهداف النّهائيّة ، و هذا على رغم كلّ ما يظهر من العكس على التّحديد .
على كلّ حال ، فإنّنا نرغب هنا أن نثبّت في الخبرة العامة ، فكرة أنّه يلعب عامل الشّعور بالالتزام المتبادل عالي الشّعور بالواجب المفروض فرضاً على الإدارات الأميركيّة ؛ و هذا من الجانب الأميركيّ ؛ مع ما يتواجه ، وجهاً لوجه ، من الحاجة "الإسرائيليّة" الشّديدة و الوجوديّة إلى أميركا ؛ و هذا من الجانب "الإسرائيليّ" ..
أقول يلعب ذلك الواقع دوراً منفّراً في حقيقته ، و لو بصمت له ضجيج ؛ لا سيّما في الإطار العامّ الذي تمثّل فيه الالتزامات الأميركيّة معاناة سياسيّة تاريخيّة ضاغطة بقوّة "الّلوبي" اليهوديّ الأميركيّ الموزّع في جميع طبقات و مستويات القرار السّياسيّ الأميركيّ .
يخطر في أروقة السّياسة "الإسرائيليّة" استقلاليّة غنوج و مدلّلة إزاء الالتزام الأميركيّ الضّاغط على جميع مستويات القرار الأميركيّ ، في الوقت الذي تتباين فيه التّعاطفات الأميركيّة مع الكيان الصّهيونيّ ، و تتعلّق ، عادة ، بإيمانات و قناعات الرّؤساء الأميركيين الشّخصيّة ، و التي هي قلّما تتطابق مع الوجوديّة و "الوجدان" الإسرائيليين ، إلّا في الوقت الذي تسبق فيه الأهداف الأميركيّة الطّموحات "الإسرائيليّة" و تتجاوزها ، بالنّسبة إلى منطقتنا الإقليميّة ، إلى أهداف أميركيّة خالصة ، و المثال الأقرب إلى هذه الحالة ، هو مثال إدارة الرّئيس الأميركيّ الحاليّ ( دونالد طرامب ) ، و بخاصّة سياسته نحو السّعوديّة و إيران و منطقة الخليج ، على التّحديد .
في الأغلب الأعمّ فإنّها تجري ابتزازات "إسرائيليّة" للسّياسات الأميركيّة ، و ليس العكس ، فيما تتبلور هذه الحالة بوضوح عندما تستغني أميركا مرحليّاً أو جزئيّاً أو نسبيّاً عن خدمات ("إسرائيل") في المنطقة ، و ذلك عندما تحضر أميركا بالأصالة و الوكالة و النّيابة عن نفسها ، كما تفعل اليوم . و في مثل هذه الحالة فإنّ ضرباً من الارتباك الصّريح يسود السّياسات "الإسرائيليّة" ، بل و ربّما تسبّب لها مثل هذه الحالات حرجاً سياسيّاً داخليّاً في أوساط الرّأي العامّ "الانتخابيّ" ، و في مفاصل سياسيّة و منعطفات "إسرائيليّة" حادّة ، كما هو عليه الأمر ، أيضاً ، اليوم ، و ذلك كما كان الحال في استماتة (نتياهو) من أجل تجنّب إجراء انتخابات نيابيّة مبكّرة ، ومن ثم ضمان النجاح فيها ، و عمله على توسيع دائرته السّياسيّة الاستراتيجيّة لتشمل روسيا ، اليوم.

12 في هذا المناخ السّياسيّ ، لاحظنا - كما قد لاحظ الجميع.. - كمّيّات الدّعم الأميركيّ للكيان الصّهيونيّ و لـ (نتنياهو) ، بالتّحديد ؛ و لكنّ المتعمّق في هذه الحالة و المتأمّل فيها جيّداً ، يدرك أنّ الكسب الشّامل الأميركيّ هو أكبر من الكسب السّياسيّ "الإسرائيليّ" ، و ذلك ما يتجوهر من هذا الموقف الأميركيّ من "مصلحة" أميركيّة قوميّة عليا ، في التّواجد الأميركيّ مختلف الأشكال و الأحوال و الأسباب و الأهداف المباشرة ، بالأصالة ، عندما نتذكّر كيف واجه ( طرامب ) العجز الماليّ الأميركيّ بابتزاز محميّات النّفط في منطقة الخليج ( و في العراق ، أيضاً) ، و كيف باشر العداء الأميركيّ لإيران و روسيا و سورية و ( لبنان؟) ، بعد أن كانت أميركا قد خسرت لها مواقع متقدّمة في المنطقة بسبب التّواجد الرّوسيّ المباشر و الذي حال دون استئثار أميركا بالجغرافيا السّياسيّة للإقليم .
غير أنّ نتنياهو ، هو أيضاً ، عمل مباشرة على استثمار ظهيره الأميركيّ في المكان و شنّ سياسة تحدٍّ مباشرة لإيران و لسورية معاً و الحلفاء في "المقاومة" ، مستثمراً فرصة ضائعة لولا المغامرة الأميركيّة المتطرّفة في المكان ، دعماً للإرهاب و الانفصاليين الأكراد ، كإحدى أهمّ الأوراق التي يتمسّك بها الأميركيّ ضماناً لعدم انفراد روسيا في أجواء "الحرب السّوريّة" مترامية الأحداث و الآفاق و التّوقّعات و الاحتمالات .
و في كلّ حال ، فإنّ ما يهمّنا ، هنا ، الآن ، هو الدّور السّاخن للكيان الصهيونيّ كإحدى تداعيات "الحرب السّوريّة" التي تتفاقم باستمرار نتيجة ظهور مصالح "الجميع" و الإعلان عنها بكلّ وضوح من قبل أصحابها و أطرافها المتعدّدين ، و أحياناً المختلفين ، و في أحيان أخرى المتوافقين أو المتقاطعين أو المتواطئين.

● ٤ - الوظيفة و الدّور ، التّركيّان :

13 شكّل ( أردوغان ) ، في تركيا ، أحد أهمّ التّحوّلات المعقّدة في السّياسيّة الإقليميّة ، و ذلك على عكس ما يبدو عليه المشهد في رغبات الرّاغبين .
و على رغم أنّ أردوغان كان أكبر محرّض و مسهّل للإرهاب و الإجرام في (سورية) من قبل عصاباته المدعومة منه مباشرة ، أو تلك العصابات التي كان قد شكّل بالنّسبة إليها مقرّاً تدريبيّاً و ممرّاً لوجيستيّاً و مكاناً آمناً و دعماً غير مباشر أيضاً ..
فيما كان توهّم الأداء السّياسيّ الرّوسيّ المحدود قد توجّه مباشرة إلى مظنّة "ترويض" أردوغان ، و هو ما أنتج العكس في حمايته الدّبلوماسيّة و السّياسيّة في وقت واحد ، و ما شكّل دعماً له ، و بخاصّة منذ زيارة ( بوتين ) الأخيرة إلى تركيا التي جاءت في توقيت ثمين جدّاً بالنّسبة إلى أردوغان في أجواء "تراجع"(؟) نسبة شعبيّته في الشّارع التّركيّ و الأوساط الاجتماعيّة و السّياسيّة التّركيّة الأخرى ، اليوم .
يقوم أردوغان ، اليوم ، بأخطر تمثيليّة تظهره أنّه واقع تحت ضغوط مختلفة و تجربة شراكات جديدة في آن معاً ، في الوقت الذي يحصد أردوغان فيه النّجاح وراء النّجاح في كلّ ما يرغبه من "الشّرق" و "الغرب" و "الإقليم" ..
ويسعى أردوغان ليكون الفائز الأكبر في قلب هذه المعمعة ، مضافة إليه ("إسرائيل")؟!

14 ثبّت الأكراد ، بدعم أميركيّ ، حضورهم الانفصاليّ الأرعن و الرّاهن عن سورية ، و هو ما قُدّم على أنّه ضربة سياسيّة كبيرة لأردوغان ، كعقوبة أميركيّة مقنعة و ناجحة الإخراج موجّهة إليه ، ظاهريّاً ، مباشرة لتسويغ سياساته ذات التّوجّهات التّجريبيّة الأولى مع روسيا ، و استمراراً لعلاقاته المعاصرة المهادنة و المتعاونة مع إيران .
و في هذا المضمار يجري التساؤل : هل أميركا و أردوغان هما من يحتوي روسيا؟ و ليس العكس الذي تتوهّمه روسيا من أنّها تحتوي أردوغان و تبعده عن أميركا ، في الوقت الذي تتفهّم أميركا خطوات أردوغان الجديدة .
و بضمانة كلّ ما قدّم أردوغان للإرهاب الأميركيّ من خدمات ، فإنّ طرامب مرتاح للتّوجّه التّركيّ نحو روسيا ، و هو الأمر الذي حدا بأردوغان إلى أن يمثّل أمام الرّوسيّ أنّه يهرب ، خائفاً ، إلى الأمام ، فيما كانت روسيا المخدوعة به و من قبله ، إلى جانبه بمختلف أنواع الدّعم سواءٌ بالسّلاح الدّفاعيّ المعاصر الجديد أو بالدّعم السّياسيّ و توهّم الاحتضان المباشر له في وجه الاحتضان الأميركيّ الحميم للكيان الصهيونيّ في فلسطين ..
و كان آخر مثال للدّعم الرّوسيّ الموسّع لأردوغان ، تلك الزّيارة الأخيرة التي نفذّها بوتين إلى تركيا مؤخّراً ، فإذا بها إعلان ظاهريّ لدعم أردوغان في وجه السّياسة الأميركيّة التي تمثّل بأنّها ضحّتْ مؤقّتاً بالدّور التّركيّ و حوّلته ، أمام روسيا ، إلى وظيفة سياسيّة مُلحقة لم تنل المباركة الأميركيّة المتوقّعة أو المطلوبة تركيّاً ، و بخاصّة عندما أظهرت أميركا نحو أردوغان العداء السّياسيّ المباشر في مشكلة الأكراد الانفصاليين ، فيما عملت أميركا على استخدام الأكراد السّذّج في هذه المسرحيّة لإبقائهم تحت السّيطرة ، لدفع روسيا إلى الطّمأنينة السّياسيّة الّلازمة لتبنّي أردوغان في وظيفته التي تتظاهر أنّها تضاءلت إلى درجة التّقزيم و المَسخ ..
و هذا ممّا يجعل روسيا - حتّى الآن - تخسر موقفاً تاريخيّاً في مناسبة "الحرب السّوريّة" ، مع أميركا و تركيا ، في الوقت الذي تنشأ مواجهة أميركيّة جديدة ، في الميدان السّياسيّ وجهاً لوجه ، و هو ما تحتفي به روسيا بوتين بغفلة - ربّما- بعلاقات ذات طبيعة اقتصاديّة حماسيّة مع أردوغان ، بعد أن أنهت "الحرب السّوريّة" العزلة الجليديّة الرّوسيّة إلى الأبد.

15 يمثّل أردوغان أنّه يراهن بصراحة على مناخ علاقاته بإيران و روسيا في المنطقة ، ممّا سيترك أثراً إيجابيّاً وهميّاً ، و هو الأمر الذي سيزيد من حضور أردوغان ، و تموضعه تموضعاً ثقيلاً في السّاحة السّياسيّة الدّاخليّة التّركيّة و السّاحة الأوربّيّة و الأميركيّة معاً ، و قريباً جدّاً ، عن طريق دعم روسيا له بلا حدود .
طمح أردوغان إلى دور رئيسيّ في "الحرب السّوريّة" ، و هو ما تهّيّأ للبعض أنّه لم يحرزه بدعم مطلق من قبل أميركا ، حيث بدأ بدور فاعل في الإرهاب الموجّه مباشرة إلى سورية ، ليضيف إليها تحقيقه نصراً في وظيفة مضافة ، و لو أنّه رافقها بعض المخاطر بالنّسبة إلى تصوّراته و رغباته على الإقليم ، و ربّما في الدّاخل التّركيّ السّياسيّ ، أيضاً .

● ٥ - الدّور الإيرانيّ :

16 انخرطت إيران مبكّراً في "الحرب السّوريّة" لتقديرها خطورة الموقف و بداية تضعضع الوضع الميدانيّ في سورية أمام حملة جريمة إرهابيّة عالميّة معاصرة بأدواتها ، واسعة التّمويل و التّدريب ، و بمساحة فضائيّة و تَقنيّة فائقة من الدّعم الإعلاميّ المرتزِق .
وأدركت إيران مبكّراً الخطر الدّاهم على سورية و عليها و على "محور المقاومة" كحالة شاملة . و إذ اتّخذت إيران مواقف سريعة و شجاعة و مخلصة ، تنمّ عن مسؤوليّة إقليميّة دفاعيّة ليس منها محيصٌ ؛ فقد كانت ذات دور محوريّ و جوهريّ و إيجابيّ و فاعل في "الحرب السّوريّة" ، لا يقوى التّاريخ على نسيانه أو تجاهله ..
و هو الأمر الذي ظهر في مواقف مختلفة إلى جانب سورية ، عسكريّة و اقتصاديّة و سياسيّة و دبلوماسيّة ، فاعلة ، ما جعل دورها منظوراً من قبل أميركا هذه التي لم تعدم فيه الحيل لمعاقبة إيران بشتّى السّبل ، و بخاصّة منها ذلك الحصار الأميركيّ لإيران بمختلف العقوبات الاقتصاديّة الإرهابيّة السّياسيّة الإمبرياليّة الجبانة و الحاقدة ، و هو الأمر الذي جعل الدّور الإيرانيّ أكثر حضوراً بالنّتائج و لو أنّه شكّل بالنّسبة إليها أخيراً خسارات متوالية و متعاقبة ، لم تأبه لها إيران على رغم أنّها خسارات موجعة في الدّاخل الإيرانيّ ، و كذلك بالنّسبة إلى سورية التي خسرت الكثير في تعاضدها مع التّعاطف الإيرانيّ المباشر و الفاعل و من شتّى الأنواع و الصّنوف .

17 و على رغم الموقف الأميركيّ و "الإسرائيليّ" المعادي مباشرة للشّعب و الدّولة في إيران ، فإنّها لم تتنازل عن دورها الإقليميّ الرّئيسيّ ، بصفتها دولة إقليميّة أُولى و وازنة أدركت قيمة و أبعاد الدّور الموضوعيّ المترتّب عليها في صراعات "الحرب السّوريّة" .
و مع ذلك فإنّ لإيران نقطة ضعف سياسيّة صريحة في علاقتها مع تركيا ، في مناسبة انخراط إيران في "محور المقاومة" هذه العلاقة التي ليس لها أيّ ملمح ذي حضور إقليميّ أمام حضور تركيا الذي يستثمر في "الغرب" و "الشّرق" .. ، و في "الشّمال" و "الجنوب".

18 تعاني إيران اليوم من حصارات اقتصاديّة و سياسيّة جدّيّة بسبب السّياسات الأميركيّة العدائيّة نحوها ، و كذلك بسبب السّياسات الرّوسيّة المتناغمة - أو التي تبدو على الأقل " متناغمة " - مع الرّغبة الأميركيّة و"الإسرائيليّة" ، ضدّ التّواجد الإيرانيّ العسكريّ في سورية ، و قضايا أخرى مختلفة و متعدّدة أهمّها أنّ أميركا و روسيا قد تتقاطعا بمصلحة عدم تفوّق دولة إقليميّة مثل إيران ، على اعتبارها لا يمكن أن تدخل تحت السّيطرة .
و بسبب هذا الوضع الإيرانيّ المعقّد و الصّعب ، فقد انعكس على سورية ما يُشبه الفراغ الإقليميّ و الدّوليّ ، و هو ما أدّى إلى تأخير حسم المعركة الأخيرة ضدّ الإرهابيين و المجرمين و الانفصاليين ، و دحر آخر عصابات هؤلاء في الشّمال و الشّمال الشّرقيّ السّوريّ ؛ بالإضافة إلى ما انعكس تراجعاً في أثر العلاقة الاقتصاديّة الخاصّة بين سورية و إيران .

● ٦ - الدّور الرّوسيّ :

19>▪ بدلاً من استثمار اللحظة السّياسيّة التّاريخيّة النّادرة ، فإنّه يبدو أنّ روسيا قد اكتفت بدور إقليميّ دفاعيّ محدد ، قياساً بالهجوميّة الأميركيّة العلنيّة و العربدة "الإسرائيليّة" العسكريّة الحربيّة المتواصلة و التي تشكّل جزءاً جوهريّاً من العقيدة القتاليّة السّياسيّة "الإسرائيليّة" .

20 لم تكن روسيا - أو حتّى الاتّحاد السّوفييتيّ - يوماً ، عدوّة لـ ("إسرائيل") . و هذا باعتراف كبار المفكّرين السّياسيين الرّوس أنفسهم ، و ذلك بسبب الحضور اليهوديّ الضّاغط ، تاريخيّاً ، في روسيا ؛ و هذا على الأقلّ.
وذلك رغم أن ("إسرائيل") اعتبرت ، بصراحة العبارة ، روسيا عدوّاً لها ينبغي مواجهته .
ترك سقوط الاتّحاد السّوفييتيّ المدوّي ، عقدة دونيّة روسيّة أمام ("إسرائيل") و أميركا ، مع استغرابنا لمن يرى الأمور أبعد أو أقصر من ذلك ..
و هذا في حالة استثنينا ، هنا ، العلاقات الأميركيّة الرّوسيّة "الإسرائيليّة" من نظريّة "المؤامرة" لتوازع العالم المعاصر ..
فيما تنشغل الصّين بمشاكل التّنمية و الهندسة الاجتماعيّة و السّياسيّة لسكانها الذين يطرقون أبواب المليارين من البشر؟
من الصّعب حسم قضيّة أنّ الدّور الرّوسيّ قد اكتفى جيوبوليتيكيّاً بإطلالته على البحر الأبيض المتوسّط ، في الوقت الذي تغرينا فيه الوقائع المباشرة - ( و هذا خارج إطار إحاطة السّياسات الدّوليّة و العالميّة بالألغاز و الإلغازات الأسلوبيّة في الأداء؟) - لكي نقرأ هذه القراءة المغرقة بالواقعيّة ؛ في الوقت الذي أثبتت فيه سياسات الدّول ، "الجيوبوليتيكيّة" ، في القرن العشرين ، المنصرم ، أنّها غالباً ما تُنجز تناقضات حقيقيّة تؤدّي إلى خسارات استراتيجيّة في الهيمنة أو في الفاعليّة العمليّة بالحضور السّياسيّ ، في عالم يتواجه في ما بينه بسياسات القوّة الصّريحة من غير أسرار أو مخاتلات صعبة التّفسير ..
الّلهمّ إلّا في حالة واحدة و وحيدة ، من الاتّفاقات التّواطؤيّة الضّمنيّة المقولة أو المتفاهم عمليّاً عليها ما بين "الأقوياء"(؟) على تقاسم ما هو أبعد من النّفوذ العالميّ ، أي إلى الاتّفاقات و الاتّفاقيّات الاعتباريّة الدّوليّة الكبرى على تقاسم استثمار الكرة الأرضية.. وهذا يبقى احتمالا ياخذه الكثيرون بالحسبان .

21 في كلّ حال ، فإنّ علينا أن لا نغفل عن حقيقة أنّ لروسيا "مطامح" جديدة معاصرة ، تواكب "الأطماع" الإمبرياليّة الغربيّة - الأميركيّة التّقليديّة ، وإن كانت تختلف عنها ، في الوقت الذي علينا أن لا ننظر إلى هذا الأمر نظرة سياسيّة تقليديّة ، في أن نعمل على اتّهام روسيا ، على اعتبار أنّ روسيا في حالة مواجهة تاريخيّة و ثقافيّة و حضاريّة مع الغرب الأوروبّيّ و الأميركيّ ، و هذا شأن معروف و مفهوم لدى الجميع .
و لكنّنا في هذه الحالة علينا ، أيضاً ، أن ننظر إلى "الدّور" الرّوسيّ نظرة "متواضعة" ، بالمقارنة مع "المسؤوليّة" الأميركيّة العالميّة التي تنظر فيها أميركا إلى نفسها ، على طريقتها الإمبراطوريّة البربريّة ، و هو الأمر الذي يؤخر و يعقّد على نحو أكبر الخَلاصَات و الخُلاصات النّهائيّة للحرب السّوريّة التي هي اليوم محور العالم المعاصر .

22إنّ الاصطفاف الرّوسيّ اليوم في الدّور الذي نتحدّث عليه ، هو ممّا يُضعف الفاعليّة الرّوسيّة الإقليميّة و العالميّة ، و نحن نستطيع تلمّس هذا الواقع إذا قارنّا موقف روسيا من تركيا مع موقف روسيا من إيران و سورية ، في نسيان و تجاهل للدّبلومايسيّة الرّوسيّة التي نشطت في السّنوات القليلة الخالية في "أستانة" و "سوتشي" و ما إلى ذلك من قدرات ضائعة في العلاقات المتوازنة في المنطقة الإقليمية ، بخاصّة ، و التي تحيط بالحرب السّوريّة في الجغرافيا و المكان .

● ٧ - و أخيراً ، سورية :

23من الصّعب أن نبدّل أيّ مصطلح سياسيّ أو غير ذلك ، بمصطلح "الحرب السّوريّة" ، الذي أصبح واقعاً عالميّاً لا يخفى على أحد . و يكاد هذا المصطلح أن يضمّ إلى جانب "الحرب على سورية" ما من شأنه أن يكون "الحرب في سورية" و " الحرب على سورية " و " الحرب مع سورية " و "حرب العالَم" في سورية ، بوضوح .
في هذا الإطار تبدو صورة الواقع المدمّر في سورية ، ضرباً من اختزالات الحرب العالميّة المعاصرة ، و "الأدوار" المتبادلة ، للجميع ، و الوظائف المختلفة ، أيضاً ، و ذلك من دون أن نغفل مطامع و أطماع الآخرين بمصالح تجاوزت و تتجاوز المفهوم الاتّفاقيّ لبحث الدّول على متّسع لها من المصالح و المجالات الحيويّة ؛ في وقت تتّسع فيه الفجوة ما بين مصالح الآخرين ، و بين آلام و فظائع و خرابات و دماء و معاناة السّوريين.

24 تشكّل سورية اليوم نموذجاً تاريخيّاً فريداً للصّراعات الإقليميّة و الدّوليّة و العالميّة ، ضمن ما عرف بـ "محور المقاومة" في المنطقة ، و الذي كان كافياً ، حتّى الآن ، للحفاظ على بقايا أمل و ضوء مستقبليين ، يمنعان محو الإنسان المشرقيّ - السّوريّ - الإقليميّ ، في "المحور" المذكور .
في المسائل الجديدة و المباغتة ، يحتاج القرار إلى الكثير من الشّجاعة التّاريخيّة التي تختزل العقلانيّة و الموضوعيّة و المعاليم و المجاهيل ؛ و في السّياسة ، فقط ، يغدو هذا المُعامِل ضروريّاً و يكاد يكون مطلقاً ، لما له من معانقة المطلق من جرأة على الإقدام .
و حيث أنّه ليس ثمّة هنالك من لا يخاف ، فإنّ العبرة هي في تعميم "الخوف" الجدّيّ على جميع أطراف العلاقة الحاكمة في التّحدّيات و الصّراعات ، إنْ كان ذلك على مستوى الأفراد أو كان على على مستوى الدّول .
من الطّبيعيّ أنّ الدّعوة إلى الإمعان في الحرب ، ليست دعوة مسؤولة ، في الرّأي ، و لا تنمّ عن الشّجاعة المطلوبة في مثل هذه الأحوال ؛ غير أنّ العكس ليس في الإذعان المجانيّ لنتائج حرب سدّدت فيها سورية و "محور المقاومة" الكثير ممّا تحبّه الذّاكرة أو ممّا تكرهه و تأنفه ..
و على هذا الأساس فإنّ الصّمت السّياسيّ على الحقوق الوجوديّة للشّعوب و الأمم و الدّول ، لا يقدّم و لا يؤخّر في الحلول المطلوبة للمسائل المستعصية ، بقدر ما يُحدث المزيد من الآلام و الهوانات و لو كان ظهورها يأتي تباعاً في التّاريخ .
لقد سدّدت سورية و حلفاؤها أثماناً كثيرة في الدّفاع عن المكان و عن المنطقة و عن العالَم ، لقاء الأمل في انتصار مشرّف و ليس في نهاية بائسة و مؤذية إلى الأبد ..
و لهذا كان على سورية أن تطوّر من أدواتها في النّظر إلى الوقائع و التّحدّيات ، هذا و لو كلّفها الأمر إعادة صياغة لتحالفاتها و شراكاتها أو التّلويح بذلك في وضع جادّ و جِدّيّ .

25 و أمّا و قد نشطت الدّبلوماسيّة الإقليميّة الجديدة بعُدّةٍ سياسيّة جديدة ، تركيّة و روسيّة ، فإنّ خطر فرض تصوّرات الآخرين على حلول النّهايات ، تزداد فرصه ، تدريجيّاً ، و هو ما يجعل الموقف السّوريّ ؛ الذي هو - بحكم الواقع - جماع دور و وظيفة و تحدّ وجوديّ تاريخيّ ، في صراع غير متكافئ مع "العالَم" ؛ موقفاً يزداد في التّعقّد و التّأزّم يوماً بعد يوم ، و ذلك بسبب ما طرحته الحرب و مسيرتها المزمنة و القابلة للاستدامة و الدّيمومة ، و يحتاج إلى التّأمّل السّياسيّ الذي لا تخامره العادة و لا يصرعه التّعوّد .
و عندما نكون مقبلين على حالة سوريّة ليست مضمونة و لا محسومة ، بعد ، فإنّ ما يتقدّم كلّ فكر إنّما هو واقعيّة المضمون و حرفيّة الحقائق ، مع العلم أنّ هذا الأمر لا يضرّ بأيّة دبلوماسيّة مفروضة على سورية ، و ذلك ليس بحكم التّقاليد ، فقط ، و لكنْ أيضاً بحكم مراكز القوّة العالميّة و الإقليميّة المباشرة .

26 ليس من العدل أن ننظر إلى أنفسنا في سورية على أنّنا ، بواقعيّة و عموميّة شاملة ، على ما يرام .
و لهذا فإنّ عادة إعادة صياغة قيمنا السّياسيّة العمليّة هو شرط حيويّ ، و يقابل بالنّسبة إلى الآخرين جميع ضروب "البراغماتيّات" التي تصلُ إلى حدّ تسويغ الكارثة و تجميل القبح و ترويض الضّمائر و حذف الشّعور و تسخيف ما تبقّى من أهمّيّات نوعيّة حالّة و محقّة ، من أجل تسوية كلّ شيء بكلّ شيء .
لا تعني ، في رأينا ، السّياسة أنّها ترحالٌ دائمٌ في المتغيّرات ، و إنْ كانت ثوابتها شيئا من الأمنيّات .
و على هذا الأساس فقط ، فإنّ ما يبدو لنا في هذا الوضع السّياسيّ الإقليميّ خطِراً ، فإنّه ، أيضاً ، يجب أن لا يستمرئ الكارثة .. ليتحوّل إلى قدر مزيّف للمكان.

******

فعقّب الشاعر المهندس ياسين الرزوق زيوسأ ياسين الرزوق1:

في حديثك تبني السياسات العالمية تشابكاتها لكنْ حكماً ليس على مبدأ ١+١=٢ بل على جملة من المبادئ الواحدية و غير الواحدية في ظل طوفان الأحدية الشعبية التي تسرق حتى أدنى مقومات الأفق و تطمس حتى أقل تعريف ممنهج للتحليل و المحللين و حكماً لا مساومات سياسية نخوضها لنخسر أنفسنا و أوطاننا و نركز هنا على وطننا السوري العظيم فما نخوضه ليس على مبدأ ساوم حتى تتنازل عن مبادئك بل على مبدأ ساوم حتى تربح تنفيذ أكبر قدر من هذه المبادئ على أرض الواقع و ما أدراك ما نعيشه من وقائع متنافية لا تتمم بعضها بقدر ما تجعلنا حيارى أمام تكتيكاتها المتناقضة و أحداثها المتناحرة !..

و عليه :

١ ) : عندما ترى أميركا ترفع قرون الشيطان لا تظنّن أنّ الشيطان مسٌّ عاشه الممسوسون في القرآن و التوراة و الإنجيل و لا تفرق بين الأبالسة و الشياطين و بين الجن و الإنس بل اعلم بكلّ ما تبقى لك من عقل ممسوس أيها الإنسان في هذا العالم أنّ أميركا هي تناقضات ممسوسة و مس لا ينتهي من مسوس المتناقضات التي خلقت في خضمها توازنات فرضت نفسها و جعلت إسرائيل صلب هذه التوازنات في الشرق الأوسط قبل الخوض في الحرب السورية الكونية الكبرى !

٢ ) : ما جعلنا بداية المنتهى و منتهى البدايات ككائنات سياسية ممسوسة في هذا العالم هو ضرورة التعامل بهذا المس السياسي العالمي لكن ليس على مبدأ تلك الآية في القرآن و القائلة :"لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس !" بل على مبدأ أن أميركا هي الشيطان ذاته بكل قرونه الخرافية و غير الخرافية في خلق مسٍّ عالميٍّ لا ينتهي و لن ينتهي ما دمنا نعيش معترك السياسة المعترك الأصعب لكسب معركة الوطن و الإنسان و المبادئ بفنون كثيرة على رأسها فن المساومة و فنّ إدارة الحدث !

٣ ) : المنطق الشرق أوسطي "هوشة عرب " لن يجعلنا نكسب قضايانا ما دمنا نخلق ستاتيكو سياسيا مشحونا ضد مصالحنا أولاً في المنطقة ٖ و ما الستاتيكو السعودي الإيراني الذي ينجرف وفق حدود ما زالت مضبوطة إلا مثالاً صارخاً على شقوق و فوالق شرق أوسطية عربية لن تنقذ المنطقة بقدر ما ستحافظ على الستاتيكو الإقليمي المشحون لصالح توازنات عالمية لم تصل بها روسيا إلى جوهر الصراع على المنطقة و لم تتخلص من مسها المنحاز لحد الآن ببرود سياسي فاق الحد اللازم لتسخين بنية طبخ ملفات هذه المنطقة حتى تستوي لصالح شعوبها بأقل التعاريف المصالحية في منطقة عائمة على الثروات و التناقضات و المناحرات !

٤ ) : لولا التوازنات الثنائية في العالم و لو أنها مجيرة لقطب واحد لما بدأت في سورية ملامح خلق نظام عالمي جديد على مبدأ "أشرق في الشرق و دع الغرب ينتظر غروبك طويلاً جداً!" فهنا بدأت روسيا تبحث عن شحنة قطبها المفقود كي تعيد شحن وجودها العالمي لكنها ما زالت تركب القضية السورية بأفق نراه نحن على الأقل ضيقا في تعويم أردوغان لكسب جذبه مع أنه يساوم بها أكثر مما تساوم به لأنه ذيل أميركي يلعب على المتناقضات كي تضيع روسيا عن شحنة قطبها و تبقى قطباً مجهولاً أمام أميركا سيدة الأقطاب العالمية !

٥ ) : الصهيونية المسيحية الإسلامية اليهودية ما زالت تربح وجودها بكسب كل تناقض في منطق "هوشة العرب" الخاص بكل انفصال قطري عن كتلته الكبرى في منطقتنا العربية و ما الاعتراف بالجولان كولاية ترامبية نتن ياهوية و ضم القدس الشرقية إلا صب دماء نزيف كبير لمومسات يعدن تسويق العذارى في أمعاء الأسياد القابعين في غرف سرية تصنع طقوس الخرافة ليربحها الشيطان الأميركي البريطاني الفرنسي العالمي كمستعمر أمبريالي على كل نزعات المنطقة في التحرر بما يجري على الأقل من تثبيت توازنات و ثنائيات الستاتيكو في المواجهة "سورية إسرائيل ؛ أميركا روسيا ؛ السعودية إيران ؛ تركيا مصر؛الأكراد و (العرب و الترك)

٦ ) : روسيا تتبع سياسة اهدأ بالنووي كي لا تموت مصطاداً أو متفجراً في حزام التنين الناعم الذي يستفيق و القطب الذي يعرف شحناته الشيطانية هناك في أبيض ترامب (حقيقة أميركا بغبائها الظاهري و خبثها الشيطاني )و أسوده

لكن هل ستفيد هذه السياسة إلى أجل غير مسمى ؟!

٧ ) : لنا بهكذا أحاديث أن نكسر قرون الشيطان كي لا ينطحنا تجّار الشيطان و الإنسان أكثر من ذلك

لك سلام الإنسان بما يعني هذا السلام من أحزمة محبة مهما تفخخت سيبوح ياسمينها بالسلام دكتورنا الغالي بهجت سليمان.