عماد نداف: أول سقوط في الحرب كان للمثقف السوري! (1 و 2 و 3)

أول سقوط في الحرب كان للمثقف السوري!

أنا أخجل، أن أكتب هذا العنوان، لأن معناه يتضمن حكماً، إسدال ستارة سميكة على أشياء أخرى تجري في المجتمع، وهذا لا أفعله. وإذا كانت المسألة على هذا النحو، فأكثرية الكتّاب في سورية، ويفترض أنهم من المثقفين، مقصرون ومسؤولون  وقد وقعوا في مطبات كثيرة، وأهم هذه المطبات تلك التي تشبه المطبات التي وقع بها رجال الدين (المشايخ) الذين اعتادوا الموالد والمآدب وحضور المآتم والمديح والتبريك مقابل أن يقوم أحد ما بالمسح على رؤوسهم!

نعم هذه ليست مبالغة، كنت أتمنى أن لا يحصل ذلك، فعلى مدار الخمسين سنة من الوعي الذي عشته، كنت أعيش عملية انهيار تجري على خطين:

الأولى هي، خط التربية والتعليم.

والثانية على خط الثقافة  والفكر.

ولكي لا أضيع في بحث طويل، في متاهات هذين الخطين ، سأحصر جهدي وأركز على نقطة محددة، مضمونها هو الإجابة على سؤال :

أليس من المفترض أن تنشأ علاقات الانتماء على مبدأ الأخذ والعطاء ؟

فإذا اتفقنا على ذلك ينبغي الحديث صراحة عن أشياء مطلوبة من المؤسسات، وأشياء مطلوبة من المثقفين والكتّاب. والمطلوب من الكتّاب أولا أن يكونوا عند مستوى طروحاتهم الفكرية والثقافية والتنويرية، وتشمل حكما إعادة قراءة التجربة السابقة في الحياة الثقافية السورية، للوقوف على سلبياتها وإيجابياتها، فالمواطن السوري يسأل الآن : لماذا حصل ما حصل ، ولماذا فعل المثقف ما فعله خلال الحرب ؟!

أي أن المواطن السوري يُحمّل المثقف السوري مسؤوليات كبيرة تجاه الأحداث، فأول سقوط حدث في هذه الحرب، بالنسبة لهذا المواطن، هو سقوط المثقف السوري، وآخر ما تشهده الحرب، بالنسبة لمن تسأله، هو جنازة مجتمعية للثقافة والأدب والفن يحاول المخلصون دب الحياة فيها .

هل يمكن أن تدب الحياة في جسد ميّت؟!

هذه عملية مستحيلة، اللهم إلاّ إذا كان ثمة روح في الجسد ينبغي النفخ فيها ، وكثيرون من الأصدقاء يرون أن الروح موجودة، وأنا منهم، وأن بالإمكان استعادة دور المثقف والكاتب والفنان على أرضية التذكير بالهوية المجتمعية الحقيقية للسوري القائمة على الانتماء لوطن حضاري متنوع أصيل، وصاحب قضية مصيرية ..

هل هذا الكلام مجرد لغو ؟!

لا أبدا … لكنه مشروط بإعادة إنتاج ظروف اجتماعية يشتغل عليها المثقف بحوار مفتوح جريء ينتقد الذات أولا والآخرين تالياً، وتقوم الدولة بتحصينه باعتبار أن المجتمع السوري كله يضحي بسخاء، ويدافع الآن بوعي وبحماسة عن فكرة الدولة/ الوطن . الذي وضعتها الحرب  في مهب الريح .

ولأن الكاتب هو جزء من العملية الثقافية بمجموعها ، ولأن اتحاد الكتاب العرب مثار نقاش وطني وعربي في هذه الفترة ، يفترض أن يتقدم ُكتّابُه هذه العملية بجرأة لأنه المؤسسة المستقلة الجريئة النشطة التي تمكنت في الآونة الأخيرة من إصدار قرارات استثنائية رغم الخلاف حولها .

خلال أقل من سنة ، يتهيأ اتحادُ الكتاب العرب، الذي أنا جزء منه، إلى مؤتمر عام ، وكل الكتّاب كانوا يتمنون لو انعقد قبلاً ، ولو بطريقة استثنائية، ولكي ينجح يفترض أن يُعّد جيدا له ولمضمونه، وخاصة أن عام 2019 كان عام العيد الذهبي لاتحاد الكتاب العرب في سورية، بعد أن مر نصف قرن على تأسيسه..

والإعداد الجيد الذي أدعو إليه ضروري ومستعجل، ويستلزم تشاركية عالية ولا تتم هذه التشاركية في هذه المرحلة إلاّ بتشكيل لجان عمل تُعد وتناقش الجهات العليا في الدولة ، لتصل إلى توصياتها.

لاحظوا هذه الفكرة ، هي مضمون المسؤولية التي تجعل الكاتب فاعلاً وقويا في الوقت نفسه، على الكاتب أن يبحث (هو) عن فهمه لطبيعة المرحلة التي تمر بها الثقافة السورية، وأن يحدد (هو) ملامح هذه المرحلة واحتياجاتها، ومن ثم عليه أن يقوم بتأصيل النتائج وحمايتها بحوار آخر مع الجهات المعنية في الدولة  التي أعتقد أن من صالحها هذا النهوض الثقافي المطلوب على مستوى المرحلة التالية للحرب .

ومن أجل ذلك، أقترح كخطوة أولى،  فتح صفحات للحوار حول الأفكار المطروحة في الدوريات المحلية في الاتحاد، وفي الصحف ، وإقامة صفحات ومواقع لهذه الغاية ، ودون حوار من هذا النوع ، يبقى المواطن على حق في فكرة  سقوط المثقف، ويا ويلتاه عندما نسأل : من سيكون البديل عن العقل الثقافي ؟!

******

اتحاد الكتاب العرب في العيد الذهبي)2): برج للاتحاد، ولا يوجد غرفة للكتّاب !

عندما كان الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل رئيسا لتحرير صحيفة الأهرام، خصص مكاتب أنيقة في مبنى الأهرام الضخم لأبرز كتاب مصر، لكي يأتوا ويجلسوا فيها لأن الأهرام يُفترض أن تتشرف بهم، وقد تم تجهيزها بفرش أنيق ووسائل اتصال وكتابة، ويمكن لأي كاتب أن يستنفر أرشيف الأهرام بكامله إذا كان يحتاج لمعلومة منه.

وفي مقال شهير، نشره الكاتب الراحل محمد الماغوط في صحيفة تشرين ذات يوم من عام 1976، على ما أذكر، توقف عند صورتين لمقر اتحاد الكتاب العرب، وكان يقصد يومها ، المقر الموجود الآن في الأزبكية وفيه الآن فرع دمشق لاتحاد الكتاب العرب.

انتبه محمد الماغوط، والكلام من ذاكرتي، إلى هاتين الصورتين من خلال ملاحظته لما كان يحصل في هذا البناء، الأولى هي حالة الهدوء والسكينة فيه، حيث وصف المكان بطريقة توحي بأن لا حركة فيه، ولا نشاط ولا كتّاب ولا يحزنون، وظن أنه يصلح للكتابة والتأمل والنقاهة نظرا للجو الهادئ المحيط به، وللغرف الفارغة فيه..

والحالة الثانية هي حالة الضجيج التي دبت فيه بعد فترة قصيرة من مروره الأول، فسأل عن سبب هذه الحركة المفاجئة متوقعاً حراكاً ثقافياً ما، فقيل له إن الاتحاد أعلن عن التسجيل في جمعية سكنية للكتاب ، فراح كل من هب ودبّ يسعى للتسجيل ككاتب فيسجل في الجمعية!!

كان محمد الماغوط يسخر من حال الإتحاد وقتها، نعم فلا شيء يحركهم، ولا نشاط ثقافي يليق بهم ولا قضية تدب الحياة فيهم وفي مقر اتحادهم، وربما لا أحد يعرفهم كما حصل هذه الأيام مع أحد المكتبات الضخمة في العاصمة التي رفضت استضافة حفل توقيع لثلاثة كتاب دفعة واحدة لأن جدول أعمالها مشحون بالنشاطات (على حد قول مسؤوليها) !

فيما بعد انتقل اتحاد الكتاب العرب من ذلك الطابق الصغير  إلى الصرح الموجود فيه الآن في أوتوستراد المزة، وهذا البناء أهداه للاتحاد الرئيس الراحل حافظ الأسد مشكوراً لكي لا يحتاج الكتاب لأحد، وليكونوا مستقلين وأقوياء.

يشبه بناء الاتحاد اليوم برجاً عالياً، يدخل الأثرياء إلى مطعمين فاخرين تابعين له للترفيه عن أنفسهم وصرف الفائض في جيوبهم، ومن زجاج هذين المطعمين يمكن لهؤلاء الأثرياء، وبعضهم من المسؤولين، مشاهدة أعضاء الاتحاد وهم يمرون من أمامهم غرباء مهزومين (معترين)، يتأبطون مقالاتهم الجاهزة للاستكتاب بأرخص الأسعار، فلا يستطيع احد منهم شرب فنجان قهوة في الصالتين المبردتين الجميلتين اللتين أجرهما الاتحاد، فذاك يحتاج إلى ثمن مقالين على الأٌقل ينشرهما الكاتب عندنا.

والآن لا يشغل الاتحاد منه إلا الطابق الأول، والطابق الأول يحتوي على المكاتب المتعلقة بالديوان والمالية وأمانة الاتحاد وبعض المكاتب لأعضاء المكتب التنفيذي، وهناك قاعتان للاجتماع لا تصلحان للاجتماع إلاّ بصعوبة!

لا يوجد في (برج الكتّاب)  قاعة يجلس فيها الكاتب مع ضيوفه، ولا مكتبة يمكن أن يعود من خلالها إلى منشورات الاتحاد أو أعمال زملائه، وليس هناك من مكان يرحب به سوى الزميل المحاسب سلام الذي يعدّ إبريقاً من الشاي بحجم طنجرة، ليقدم منها كؤوسا كبيرة لأولئك الذين يتوقع قدومهم لقبض الاستكتاب بين لحظة وأخرى.

والغريب أن في اتحاد الكتاب العرب جمعيات للقصة والرواية والمسرح والشعر والدراسات وأدب الأطفال، وليس هناك في هذا (البرج) غرفة ، أو خزانة أو حتى رف لأي جمعية، إلى الدرجة التي أعلن فيها أحد الزملاء (وقد أصبح رئيسا للاتحاد الآن) في أحد اجتماعات جمعية القصة والرواية أن من الضروري المطالبة بخزانة لكل جمعية، وهذا أضعف الإيمان ، كي لاتضيع الأوراق والنصوص التي يقرؤونها أو يتناقشون حولها.

ومع أن الاتحاد قام بتأجير هذا (البرج) تاريخياً، واسترد بذلك دخلا مهما، فقد ظل الكاتب على حاله يقبل أن ينشر مقالاً أو دراسة أو بحثا أو قصيدة مقابل تعويض لا يكفي ثمناً لفناجين القهوة التي تتطلبها طقوس الكتابة!

إذاً . الكاتب ليس بخير، ولا يمكنه أن يكون فاعلاً في المجتمع الذي يخرج اليوم متعبا من حرب ظالمة وهو بحاجة إلى عقول جديدة نيرة قوية مستقلة تقدم له حصانته الوطنية وقادرة على تقديم نموذجٍ على شخصية الإنسان السوري الحضاري الذي يمكنه تجاوز ماحصل بثقته بغده ووطنه وثقافته التنويرية التي يرفع الاتحاد شعارها..

******

اتحاد الكتاب العرب في العيد الذهبي : كيف كان المثقف السوري، وكيف صار !

نشر الباحث السوري الراحل عبد الله حنا في أحد كتبه مجموعة وثائق من بينها أربع وثائق تتعلق باتحاد الكتاب العرب في سورية، والوثائق تعود إلى أيلول عام 1954 ، وفي هامش الوثيقة الأولى نقرأ عبارة مهمة تقول :

“كان من إحدى تجليات النهوض الوطني العربي في منتصف القرن العشرين حيث انعقاد مؤتمر الكتاب العرب في دمشق من 9 إلى 11 أيلول 1954 “..

ومن المعطيات المتعلقة بذلك المؤتمر وجود كتاب عرب بارزين مشاركين فيه من بينهم : اللبنانيون مارون عبود والشيخ عبد الله العلايلي وحسين مروة وأحمد سويد ورضوان الشهال ومحمد دكروب وحبيب صادق. والمصريان الدكتور يوسف إدريس وأحمد صادق. والعراقيان غائب طعمة فرمان ومحمد غني حكمت. والأردنيان الدكتور عبد الرحمن شقير والدكتور نبيه رشيدات .

وفي القائمة الكبيرة للكتاب السوريين المشاركين نقرأ أسماء : حنا مينة وسعيد حورانية وشوقي بغدادي وعادل أبو شنب وحسيب كيالي ووصفي القرنفلي وخليل هنداوي وشاكر مصطفى ومدحت عكاش وصلاح دهني وعبد المعين ملوحي ومحمد علي الزرقا واليان ديراني وسعد صائب وصميم الشريف..

وقدم المؤتمر نصيحة تنظيمية لافتة للكتاب العرب في دولهم جاء في مضمونها: “الدعوة لإنشاء رابطة للكتاب العرب في كل بلد عربي تحت اسم : رابطة الكتاب العرب”، فماذا تعني هذه الوثائق والمعلومات البسيطة في سياق الاستعداد للعيد الذهبي أو العيد الخمسين لاتحاد الكتاب العرب في سورية ؟!

هذه الوثائق تعني أن المثقف السوري كان قادراً على المشاركة الفعالة في تجليات النهوض الوطني العربي (والعبارة ليست لي كما أشرت)، وكانت سمعة كتّابه الكبار قادرة على استقطاب خيرة كتاب العرب بمختلف تطلعاتهم، أي كان الاتحاد منارة حقيقية في الثقافة العربية : قويّ، فعّال. مبادر. تنويري. وشجاع أيضاً. أسس مشروعه وبرنامج عمله على أفكار تستند إلى رؤية واضحة منتمية ومؤصلة ومتنورة، وعلى وجود قامات ثقافية وفكرية وأدبية معروفة من الوطن العربي، تلتف حول مشروع واحد عاصمته دمشق..

وعندما نقول (دمشق عام 1954) فهذا يعني أننا في مرحلة مهمة من النهوض نعتز بها في سورية، وأهم ما فيها أنها هيأت المنطقة لرفض المشاريع الاستعمارية وبنت تجربة حية على الفكرة القومية قامت على أساسها وحدة سورية ومصر عام 1958 أي : (الجمهورية العربية المتحدة)، وأسست لتعاطٍ قومي مع قضية كبيرة فأصبح هذا التعاطي ثابتاً من ثوابت الأمة اسمه ( القضية المركزية فلسطين) .

ما أريد قوله، أن المثقف السوري بمختلف تصانيفه، ونماذجه كان واضحا في كل اسم من الأسماء التي أوردتها، فكان في الصدارة، وكان قادراً على الفعل والتأسيس لفعل متجدد على مختلف الصعد، وكان في تنوعه قادراً على تمثيل مختلف الاتجاهات السياسية الوطنية الفعالة، في بلده، في ذلك الوقت.

في العيد الخمسين لاتحاد الكتاب العرب الذي نعيشه هذا العام (2019)، نرى المثقف العربي بشكل عام مهزوماً  ومعزولاً وعاجزاً ومكبلاً بشروط عمل وأداء ثقافي وفكري مرتهنة لغير أفكاره الحقيقية، كان ينبغي أن لا يقبلها وأن يعمل بقوة على تغييرها. وأهم مؤشر على حال هذا المثقف أنه خسر قوته التي صعد بها إلى الواجهة الاجتماعية والثقافية في المراحل الأولى من الحياة الثقافية العربية في مرحلة التحرر الوطني، وهو اليوم بحاجة إلى وقفة مهمة جداً تعيد تقييم ماجرى وما يجري ليستطيع العودة إلى دائرة الفعل والمساهمة في إيجاد مخرج حقيقي للاستعصاء العربي الكارثي الذي ينعكس علينا جميعاً .

والمثقف السوري، في هذا الإطار، نجده وقد انكفأ عن دوره، وحالت الظروف، وهي ظروف شبيهة بما عاناه شقيقه العربي، دون حركته ودون متابعة الدور الذي انطلق به وحلم من خلاله بمستقبل ذي أفق تنويري وطني.

ومن سمات هذا المثقف اليوم أنه مقسوم ومشتت، وهناك جزء منه عاجز أصابت رؤيته الضبابية المغشوشة للحرب وطبيعتها وأفقها مقتلا منه ففقد المصداقية ولجأ إلى الخارج لأنه وقع في دائرة الضلال (تضليل خارجي، وتضليل داخلي/ذاتي)، فضاع . وهناك من باع نفسه وأفكاره ليأكل  وهو يعرف أن (الحرة تجوع ولا تأكل بنهديها) .

أما الجزء الآخر، فهناك جزء كبير منه موجود في الداخل، وينضوي تحت تصنيفين، أو نوعين إذا جازت التسمية، نوع ضائع تتجاذبه تيارات كثيرة، أحدها نوستالجي يأخذه الماضي إلى حديث عن ديمقراطية تتيح له أن يستعيد شكري القوتلي ورشدي الكيخيا وناظم القدسي، فيجلس في البرلمان خالد بكداش مع عصام العطار مع أكرم الحوراني مع ميشيل عفلق فيتحاورون في مشاريع الخارج المطروحة عليهم وكلٌ يقاومها من موقعه. وآخر مهزوم وخائف أضاع المجتمع النموذجي الذي يحلم به، فإذا به يعود للتمسك ببيئته الاجتماعية قبل الوطنية، وهي بيئة مؤطرة بالإثنية والعشيرة والطائفة،  وهذا الجزء من المثقفين خطير بخطورة الجزء الذي ضلله الخارج فضلل ذاته وآخرين معه..

ومن هذا التيار مثقفون دخلوا في لعبة الفساد والمصلحة والسوق، أو أنهم ندموا على عدم الهجرة، وهم هنا يشبهون مريضا في حالة العناية المشددة، يمكن أن ينجو ويمكن أن لا !  .

أما النوع النظيف الذي يستمر قلبه في النبض وأوعيته لازالت تتسع للحلم فهو قليل، يعيش كباقي فئات الشعب يبحث عن زيادة في الدخل، وعن آلية لمواجهة وحش الغلاء، وعن محاربة تنين الفساد، وتضيق طموحاته لتصل إلى البحث عن وسيلة نقل توصله إلى البيت حتى لو تدافع الناس فوقه واصطدم رأسه في سقف الميكرو الكوري أو الياباني ، أو دفعه شاب أحمق فرمى الكتب والصحف من بين يديه.

ونرى في هذا النوع أحيانا من يبيع كتبه أو مقالاته بأي ثمن، كي يعيش دون سرقة، ولكي يدفع فواتير الماء والكهرباء والهاتف ولكي يشتري الطعام لأسرته، وهو يبدو هنا كربة بيت شريفة تبيع (أساورها وخاتمها) عند الحاجة لتقي نفسها شر الفقر.

هذا المثقف موجود بيننا يقطن بين سكان لا يعرفون قيمته تماما كالسلطات التي شغلتها الحرب عن كثير من المهمات الضرورية في المجتمع، ومن بينها أهمية المثقف(!!!).

علينا أن ننتبه إلى أن هذا المثقف ( ورغم هذا الوضع المأساوي) يريد التغيير والتمسك بثوابت الهوية السورية الوطنية المنفتحة مع تنظيفها من عوالق الحرب والتضليل الإعلامي والفساد والانتهازية والفردية ويسعى ليعيد الشريحة التي ينتمي إليها إلى دائرة الفعل الوطني في أصالتها وتنوعها وانفتاحها على الآخر..

وهذا المثقف نوعي يحتاج إلى ثقة الآخرين به وإلى حرية ثقافية وسياسية واسعة ودعم غير محدود من قبل السوريين، وينبغي على السلطات أن لاتخاف منه أبداً، فالمثقف عندما يشتغل ضمن دائرة الانتماء الوطني لا يخيف المجتمع الطموح ولا يضعف سلطاته الوطنية، وإنما يخيف المجتمع المغلق الذي لايريد أن ينفتح على العالم .

ينبغي أن لانخاف منه حتى لو كاسر التابوات في حياتنا سواء تلك التي  وضعت منذ زمن السلطان سليم، أو تلك التي وضعناها نحن، بل إن هذا المثقف يمكن أن  يتحول تلقائيا إلى رافعة حضارية في المجتمع الذي يرسم مشروعاً ضخماً لإعادة بناء ماهدمته الحرب.

ينبغي أن ندافع عن المثقف الوطني بكل ما لدينا، لكن ينبغي على هذا المثقف أن لا يخاف، وليس ثمة شيء يخاف عليه السوري بعد هذه الحرب الصعبة ، سوى الوطن!

بوابة الشرق الأوسط الجديدة