ظهير عبد الصمد من النشأة الدينية إلى الحزب الشيوعي

د. عبد الله حنا

{ بعد أن تناولنا على هذه الصفحة الفيسبوكية عددا من شخصيات الفكر السياسي بمختلف مشاربه في عهد الصعود النهضوي، لم يبق إلا حلقتان: تعالج الأولى رفيق درب ظهير في النضال الوطني المشرق وما أعقبه من حكم العساكر بعجره وبجره، تحت غطاء ما كان يُسمى "الجبهة الوطنية التقدمية". ونختتم الثانية بقول المؤرخ المسعودي بأن مسار التاريخ بين "مُقبل ومُدبر" }
***

ولد محمد ظهير بن عبد الفتاح عبد الصمد في حمص 1919. توفي والده حين بلغ من العمر ستة أعوام, ولذلك انتقلت والدته للسكنى في بيت أهلها من عائلة علوان.. وقد وضعت والدة ظهير ما في حوزتها من النقود عند أخيها الأكبر, الذي كان يتاجر بالأغنام. وتشاء الظروف أن تنْفُق الأغنام المودعة لدى البدو الرعاة, ويخسر الأخ وتفقد والدة ظهير ما لديها من مال. وهنا احتضنها أخوها الثاني وساعدها في محنتها. وكانت ثالثة الأثافي بالنسبة لظهير وفاة والدته ولم يبلغ من العمر تسع سنوات, حيث أصبح يتيم الأبوين. ولكن خاله الشهم بقي ينفق على ظهير وأخته, حتى بدأ العمل.
بعد أن أنهى ظهير "الكتّاب" دخل المدرسة الوقفية, التي كانت تدرّس إلى جانب علوم الدين مبادئ عامة في الرياضيات والكيمياء وبعضا من العلوم الاجتماعية. وفي هذه المدرسة تأثر ظهير, كغيره من التلاميذ, بالأفكار الاشتراكية والعدالة الاجتماعية, التي كان يروّج لها في التدريس الشيخ أحمد البواب المتحمس لأفكار أبي ذرّ الغفاري. ويلاحظ أن كثيرا من تلامذة الشيخ أحمد البواب انتسبوا, عندما بلغوا سن الرشد, إلى الحزب الشيوعي أو أصبحوا من أصدقائه.
بعد تخرج ظهير من المدرسة الوقفية عمل معلما في مدرسة الشراشفي ومدرسة الجودي, ثم انتقل للعمل في مهنة النسيج المنتشرة في حمص والمشهورة بأنوالها وخبرة صنّاعها ودقتهم في الإنتاج. وبعد أن ألمّ ظهير بعمل النول سافر عام 1943 إلى فلسطين وعمل عدة أشهر في أحد ورشات النسيج في يافا, ومنها انتقل إلى القدس متابعا العمل في أحد ورشات النسيج فيها. وهناك التقى بابن عمه الصغير السن عبد السميع, الذي كان يعمل في أحد المطاعم, فعاد به إلى حمص.
وبعد عودة ظهير من فلسطين توظّف في مصلحة الإنتاج الزراعي متنقلا بين مراكزها مقدما الأمثولة لزملائه في الإخلاص في العمل ورفض الرشوة.
***
عام 1940 انتسب ظهير عبد الصمد إلى الحزب الشيوعي على يد عبد المعين الملوحي أحد الشيوعيين الأوائل في حمص والذي سيصبح شاعرا وكاتبا معروفا فيما بعد. وسرعان ما أصبح ظهير من قادة منظمة حمص في عامي 1943 و 1944. وكان في عداد وفد منظمة حمص إلى المؤتمر الوطني للحزب الشيوعي في سورية ولبنان المنعقد في بيروت أواخر 1943 وأوائل 1944. وعلى أثر انقلاب حسني الزعيم 30 آذار 1949 واعتقال معظم أعضاء منطقية حمص قام ظهير عبد الصمد بأسلوبه الرصين في إعادة تشكيل منطقية مؤهلة للعهد السري وقادها بأسلوبه المتزن البعيد عن الضوضاء.
قاد ظهير في عام 1952 مظاهرة معادية للأحلاف العسكرية الاستعمارية في دمشق. اصطدمت مع الشرطة في السنجقدار وجرى إطلاق رصاص وثبات المتظاهرين, الذين اعتقل بعضهم وعلى رأسهم ظهير و أُحيل إلى المحاكمة. وقد أمضى في سجن قلعة دمشق عدة أشهر كان مثالا للمناضل الشيوعي المتواضع الرصين.
رشح الحزب الشيوعي ظهير عبد الصمد في انتخابات المجلس النيابي في خريف 1954. وبعدها عمل رئيسا لتحرير جريدة النور في دمشق. ثمّ أوفده الحزب للدراسة في موسكو.
***
عاد ظهير عبد الصمد صيف عام 1959 إلى بيروت للاستعداد لدخول سورية سرا والمشاركة في قيادة الحزب الشيوعي المثخن بالجراح على أثر الضربات التي تلقاها من المباحث السلطانية السراجية. لا نعلم كيف انتقل ظهير سرا من بيروت إلى دمشق. ولكن ما أفادتنا به نديمة يسوف زوجة دانيال نعمة أن ظهيرا سكن دائما في بيوت سرية مع دانيال وعائلته. وكان واحدا من ثلاثة هم ظهير ودانيال نعمة وإبراهيم بكري, شكلوا القيادة السرية في دمشق قبل أن ينضم إليهم يوسف الفيصل.
وعندما احتدمت أزمة الحزب الشيوعي وجرت الانقسامات كان ظهير معروفا برصانته وهدوئه وتطلعه لبناء حزب متجذّر في أعماق الشعب. ولم تكن خلفيته الحضارية العربية الإسلامية بعيدة عن سلوكه وسياسته في بناء الحزب. وفي الوقت نفسه لم يكن متعصبا أو عنيدا في مجالات البحث والاجتهاد الفكري.
***
يروي ماهر الجاجة أنه سأل ظهيرا وهو يعيش شيخوخته: إنك تقرأ سيرة أبي نواس اليوم, ألم تقرأها سابقا؟.. فأجاب ظهير: أقرأ سيرة أبي نواس اليوم أيضا كي أفهم الحاضر أكثر فأكثر. من الصعب أن تقرأ التاريخ وتحكم عليه من خلال الماضي, لكن بإمكانك أن تجد تفسيرا للكثير من الظواهر في الحاضر من خلال قراءة التاريخ وحركته.
وينقل الجاجة عن ظهير: "...في الماضي كان الحزب يواكب الأحداث صغيرها وكبيرها, وللحزب مواقف من كل نبضة من نبضات الحياة... كانت عواطفنا المشحوذة تضخم أحلامنا وآمالنا بانتصار الاشتراكية في بلادنا و وكان الكثير من مواقفنا يبنى على هذا الأساس. لكن الحياة علمتنا بالتجربة المُرّة والحلوة أن العواطف إذا لم يلازمها العقل ضارة ومحبطة. في ظروف عالمنا اليوم وأمام الأحداث والمتغيرات المذهلة لا قيمة إلا للذين يعرفون كيف يفكرون ويريدون ويتصرفون بوعي وفق إيقاع الأحداث والمتغيرات".
قبل وفاته وجه رسالة إلى الحزب جاء فيها:
" ... مسيرة حزبنا الطويلة كانت صعبة وشاقة, لكنها كانت جليلة ومفخرة لنا جميعا, بصرف النظر عمّا أرتُكِب فيها من أخطاء... وإذا كان وضعنا الحالي لا يليق بمكانة حزبنا, ولا بمستوى التضحيات التي قدمها عبر مسيرته التاريخية, فعزاؤنا, الذي لا يوازيه عزاء هو أن البذرة التي غرسها رفاقنا الأوائل في تجربتنا الوطنية, هذه البذرة ترسّخت ونمت وهي لم تزل حية في عقولنا وأفئدتنا... ونحن الذين تقدّم بنا السن وأقعدنا المرض بملء فمنا نقدم لهذا الشعب الأسف والاعتذار لأننا لم نتمكن من تحقيق الآمال العراض التي وعدناه بتحقيقها. ولا يساورني الشك أبدا بأن أجيالنا الشابة التي تتابع الطريق الذي اخترناه ستنجز ما عجزنا نحن عن إنجازه... ولتبق القضية الوطنية محورا أساسيا من محاور مناقشاتكم وأعمالكم. فعار علينا أن نندثر جيلا بعد جيل وفي أنفسنا غصّة الاحتلال ولا ننعم بتحرير أرضنا والأراضي العربية الأخرى من رجس الصهاينة.

***
عندما قرأت الكلمات الملقاة في حفل تأبين ظهير عبد الصمد في حمص شدتني الكلمة المختصرة المعبّرة لعبد المعين الملوحي, الذي أخذ بيدي ظهير إلى الحزب الشيوعي عام 1940, كما رأينا. قال الملوحي:
 "....الفقراء الذين استطاعوا كسر أغلال فقرهم فئتان:
1 – الفئة الأولى أناس ذاقوا ويلات الفقر ولما حطّموا بسعيهم قيود فقرهم ظلوا يذكرون ماضيهم ويخلصون للطبقة التي خرجوا منها ويسعون لإنقاذها.
2 – الفئة الثانية أناس ذاقوا كما ذاقت الفئة الأولى أحوال الفقر والجوع. ولكنهم ما أيسروا نسوا ماضيهم وخانوا منبتهم الطبقي...
واشهد أن رفيقنا ظهير عبد الصمد كان في طليعة الفئة الأولى لم ينس ماضيه ولم يخن طبقته، بل زاد على ذلك فقرر إنقاذها"