يُؤخَذُ ولا يُعطَى...
مسألة إشكالية عميقة، بتمظهرات جليَّة ليس أولها التشرذم، وليس آخرها عدم إثمار حركة فكرية نهضوية ثقافية تنويرية جمعية، مروراً بعدم وضوح الرؤية، وإدراك الدَّور لنكون على مستوى ما نشهد في المشهدين الفكري والثقافي بل والمشهد المجتمعي أيضاً..
فالمشهد الثقافي مخترق، والمشهد الفكري مخترق، والمشهد المجتمعي مخترق، فضلاً عن التداخلات بين المستويات والمشاهد كافة، وامَّحاء الحدود بين من يعمل وينظِّر ويكتب ويفكر بين المستويات المختلفة هذه، من أبرز ملامح هذه المرحلة...
لعلَّ أكثر ما يثيرُ الاشمئزازَ والبرَمَ ومشاعرَ العجزِ، حينما يسأل مثقَّفٌ دوراً، أو يتسوَّلُ ذو فكرٍ موقعاً، أو يستطلب صاحب قلمٍ ورأيٍ مكانةً، وبغيته في كل هذا كما يدَّعي أن يجدَ المنبر المناسب أو الموقع المؤثر ليكون ذا تأثيرٍ أو فعلٍ.
الميدانُ مُتاحٌ... والمُناخُ يُصنَعُ... والوسائلُ تُبتَكَرُ... والحواملُ تُستقطَبُ... حواملُ أيِّ مشروعٍ أو رؤية أو رؤيا، فإذا ما كان هذا المثقَّفُ متمكِّناً من مشروعِهِ ومبدئِهِ حدَّ القضاءِ في سبيله، أو تحقيقه، فهو عندئذٍ أرفعُ من أن يطلبَ دوراً أو يستجديَ وسيلةً أو يستمطرَ مساعدة...
ترى ما الذي اعترانا... ما الذي اعتوَرَ مسيرة أجيالِ المثقفين وداهمَهُم وواجَهَهُم عبر العقود الماضية الأخيرة حتى وصلنا لوقتنا وحالنا الراهنين...
هل لأننا بدأنا نتخلَّى عن الفكرة-المبدأ، لصالِحِ المنصبِ-الهدف وهنا مقتلُ الثَّقافة والفكر والقلم.
إنَّ ما يستوجب طرح هذه التساؤلات لهذه الإشكالية بروز بعض المظاهر التالية:
لمَ الجهودُ الإبداعيَّة والفكريَّة والثَّقافيَّة، على فرادتها وتميُّزها، فرديَّةٌ أحاديةٌ غيرُ جمعيَّة، لِمَ لمْ يتأتَّ لها أن تشكِّلَ نهضةً جمعيَّةً طوالَ العقود الماضية؟
لمَ الأفكارُ والهمومُ والهواجسُ والتَّطلعاتُ حين اللقاءات والأحاديث الشخصية أو الفردية أو الجانبية بيننا واحدةٌ وملتقية، بينما لا تتوضَّح في إرادات حقيقية لتحقيقها؟
بالتالي، وإن سلَّمنا بأنَّ هذه الفكرةَ صحيحةٌ وهي واقعٌ نعيشُهُ، أيْ انفصامُ المثقَّفِ عن واقعه وعن فكرِهِ وعن حاضره ومستقبله، لصالحِ ماضويَّته، إلى أكثرَ من شخصيَّة في الوقتِ الواحد: فهو هنا صاحبُ رأيٍ ومبدأٍ مُفَكِّرٌ مُنَظِّرٌ بكلِّ دلالة الكلمة – وهو هناكَ متخَلٍّ عن هذا كلياً أو جزئياً، بل ومتنكِّرٌ له أحياناً مضمرٌ له فقط – وفي مكان آخر لا يُصَرِّحُ برأيه أو موقفه أو مبدئه ولو تطلَّبَ منه موقفُ الحقِّ والصِّدق واللحظة التاريخيَّة ذلك؟
ترى كيف ولِمَ وصلنا إلى هذه الحال... سؤالٌ برسمِنا جميعاً
ولعلنا لا نكتفي بنتائج الانفصام هذه، بل نتعداها لعداءِ بعضنا البعض فكراً وشخصنة، مع يقيننا بأنَّ البعض الآخر ممَّنْ نخالفُهُ أو نختلفُ معه أو نخاصمه هو غاية الحقِّ وغاية الصَّواب بل وتجبُ مساندته بالقول والرأي والفعل؟
ترى هل وصل بنا واقعُ التشتُّت، وحالُ التشرذُمِ لدرجة أن بتنا وراء المشكلاتِ والمعضلاتِ والأسئلة الجوهريَّة والمبادئ الأساسية الكبرى، بدل أن نكون في الطليعة والمقدمة كفكر وقول وفعل وممارسة لا تنفصم عراها في الشخص الواحد، لدرجة أننا إن عثرنا وبقي بيننا من يقبضُ على جمر مبدئِهِ يُشَارُ له بالبنان إشارةَ الخوف والتَّوجُّس والرَّيبة منه لدرجة اللا إشارة؟ وكأنه المجذومُ المنبوذُ المهمَّشُ المَقصِيُّ؟
سؤال أيضاً برسمنا جميعاً مثقفين وأدباء وكتاباً وحملة فكر وقلم
ترى هل باتت أقصى مطالبنا وطروحاتنا تدور في فلك المشكلةِ لا جوهرها، وفي مظاهرها لا مسبباتها، وفي قشورها لا لبِّها...
ترى هل باتت قيمة الكاتب أو المفكر أو الأديب أن يسألَ مكانته وقيمته؟، فمن هو إذاً إن لم يأخذ دوره وينتزعه من الجميع؟
لو كنا نمثل كحالةٍ جمعية ضميرَ الشَّارع وزخم الجماهير، لما احتجنا أن نطلبَ تظهيرنا، أو أن نعطى دورنا... لقد باتت الضَّرورةُ ملحَّةً لتغيير وتطوير الخطاب الفكريِّ وذهنية العمل الفكري...
شهداءُ المبدأ لا زالوا أحياءَ في الضَّمائر... خالدين في صفحات الأوطان النَّاصعات...