من روابينا القمر: سعيد عقل.. وفيروز..

شوقي المعري: 

1

بعض قصائد سعيد عقل من الصعب علينا أن نفهم لغتها ورموزها من القراءة الثالثة.. فأنت بحاجة القراءة العاشرة عندما يبدع ويُغرِبُ في رمزه الشعري.
ولا يقل إبداعه عن إبداع الرحابنة، كلماتٍ وألحاناً، وربما هذا ما جعلهم يلحنون عدداً من قصائده أغانيَ لفيروز، وعند ذاك فالإبداع يزداد، ويكتمل عندما يكون الأقنوم الثالث صوت السيدة فيروز..


2

أعترف أن من أصعب قصائد سعيد عقل وأغربها قصيدته "من روابينا القمر" وأعترف أنني حاولت جاهداً أن أفسّر ما غمض منها، وأن أفتح ما انغلق لكن صعُب عليّ كثيراً، قرأتها عشرات المرات، وكنت قد سمعتها عشرات المرات.. ولكن لم أصل إلى ما أقتنع بكتابته.. وما سأكتبه هنا هو قراءة قد أكون ابتعدت في بعضها عما قصده الشاعر لكنه هو السبب في ذلك..
لم أكن ألتفت إلى كلمات هذه الأغنية كثيراً، بل كنت أظن أن سعيداً يقصد جمال الطبيعة التي تكونت من الرابية والقمر الشيئين الحسيين الواقعين في الطبيعة؛ ربما لأنني كنت أقصد أن أسمع فيروز صوتاً حملني إلى لوحة من الطبيعة جميلة، وهذا الصوت ضاهى اللحن الخفيف الهامس لكلمات كنت ألتقط واحدة وتتفلّت خمسٌ..


3

فإن كنت قد التقطت..
"من روابينا القمر.." 
على سجيتها وطبيعتها، وأظنها على غير ما فكرت، إلا أنني لم أعِ الجملة التالية:
"جاءه أم لا خبر.."
ولم أفكر مرة أن أقف على هذه العبارة، بل كنت أظن أن فيروز تغني "أم لا.." كلمة واحدة هي فعل (أملى) ولاسيما أن بعدها كلمة (خبر)، فقد يكون القمر قد أملى كلاماً لمن ينظر فيه. ولكنني اكتشفت جهلي عندما قرأت حرفين اختَصَرا أكثرَ من جملة، فهو يسأل بحرف استفهام محذوف، (أجاءه)؟ ليعطف بالحرف (أم) ويسأل أليس من خبر؟


4

وإذا كنت قد استوعبت الجملة هذه، فأنا على يقين أنني لم أستوعب بقية القصيدة: حروفاً تآلفت مع حروفٍ.. وكلمات رُصِفت مع صديقات لها، وجمل متناسقة مع أخواتها..وكنت كلما بدأت الكتابة أتراجع وأعيد القراءة والسمع.. Image result for سعيد عقل فيروزإلى أن أقنعت نفسي أن سعيد عقل قصد من القصيدة الجملة الأخيرة:
"يا تُرى.. العمر قمر.."؟
وهو وإن استعمل نداء التعجب إلا أن فيه سؤالاً مخفياً؛ فضحه صوت فيروز، والمعروف أنه في الشعر لم يستعمل الشعراء الاستفهام الحقيقي، بل السؤال الذي يتضمن الجواب..فهل كان يقصد بالقمر العمر أم الحبيب، أم كلاهما؟ ربما كلاهما، وإن كان واحد منهما يُغْنِي عن الآخر، وإن كان كذلك فنحن أمام جسد متمثلاً بالقمر وروح متمثلة بالعمر..
وهذا يعيدنا إلى الجملة السابقة "جاءه أم لا خبر" فهل أرسل الشاعر خبراً ولم يصل الحبيب؟

5

إن من يقرأ أشعار سعيد عقل يقع على أسماء فتيات حبيبات عاشقات يسمّيهن أسماء غريبة، ولا نعلم إن كانت هذه الأسماء حقيقية، أم أنها رموز مثل ليلى ولبنى وسعاد وعزة؟ هي بلا شك رموز، وهذا ما دفع الكثيرين إلى أن يسمّوا بناتهم بأسماء سبقهم إليها سعيد، فكثر في فترة اسم "يارا" بعدما غنت له فيروز "يارا الجدايلها شقر" وتسمت كثيرات باسم "رندلى" التي سمّى أحد دواوينه باسمها، وهي في هذه الأغنية بعمر القمر ومن جيله فقد:
"جايلته رندلى.." 
ليست رندلى وحدها التي بعمر القمر بل مثلها كثيرات تشبهن بالدمى لجمالهن..وربما خص رندلى بالاسم؛ لأنها المحبوبة والبقية تابعات، وهو إن لم يصفها جميلة إلا أن بقية العبارة تشير إلى ذلك
"..ودُمى الحُسن الأُخَر.."
ومتى كانت رندلى وأخواتها بعمر القمر، إلا إذا كان القمر هو الحبيب؟ أو إلا إذا كانت نجوم تدور في فلك القمر، وكم من نجم وكم من حبيب؟


6

هل القمر هو العمر الذي تسايره الجميلات وكلهن يتمنين صحبته، أم العكس فإن القمر/العمر هو من يتمنى صحبة رندلى ومثيلاتها؟ يبدو لي أن القمر/العمر هو الحبيب الذي حامت حوله الفراشات كما الضوء، وبدا في صورة لا يبدعها إلا سعيد عقل.. فالجميلات:
 "طالما فاجأنه حافياً..... فوق الزهر"..
لقد شبه الحبيب بالقمر حافياً فوق الورد يمشي؛ لأنه يعرف أن ورق الورد لن يجرحه بأشواكه الناعمة.. يتبختر يتهادى يتسلل كما يحلو له ويظن أنْ لا أحد يراه. وهو كالعمر الجميل الذي لم تشُبْه شوائب، ولم يعكر صفو روحه أي أمر سيئ.. 
وفي صورة أكثر إبداعاً يقول إن النزوات قد مزقت ثوبه، ثوب العمر، وهي لن تترك له ما يستره.. ولن تدع شيئاً.. وأرى أن الثوب هو العمر.. والنزوات هي كل ما يحاول التأثير على نقائه..
"مزقت من ثوبه نزوات......... لا تذر"..
وقوله "لا تذر" للدلالة على كثرة النزوات التي تحاول تدنيس ثوبه.. ولكنها لن تستطيع.

7

"هُمَّ ما هُمَّ.."
غريبٌ لفظُ هذه الكلمات معاً، كنت أظنُّ أنها من العامية، لأن سعيد عقل يضمن كلامه بعض الألفاظ العامية، وله مواقف لغوية ليس هنا محل مناقشتها..فأعدت القراءة مقرونة بالصوت والنغم اللذين يقربان المقصود إلى العقل والفكر، ووصلت إلى أنّ من أراد فهم المعنى عليه أن يقرأ "هُمَّ" مسبوقة بحرف استفهام وهو استفهام مخفيٌّ "أهُمَّ" أي هل أصابه الهمُّ؟ وقبل أن يفكر أحدنا بالجواب- والتفكير يحتاج إلى وقت - يعجّل بالتتمة ويجيب: لا.. لم يُهمَّ ولو مزقت ثوبه النزوات، لأن العذارى سينسجن له ثوباً ويغزلن له أنقى من الثوب الذي يمكن أن تدنسه تلك النزوات.. وعلى لسان العذارى يقول:
"ومن غزلِنا يُكسى القَمر"

8

أما لفظ "العذارى" فهو الأبلغ في القصيدة كلها، وهو الذي يأخذ بيدنا، ويؤيد ما قلناه أن القمر العمر هو الحبيب وهو الطفل.. هذا الحبيب الذي تحلقت حوله الصغيرات العذراوات كما القمر الذي أحاطت به النجوم المضيئة النقية نقاء العذارى..
تحلقت العذارى..
"حوله في الربا".. 
كأنهن....
"عقد شرر" 
وما أغرب هذا التشبيه وما أبدعه. فقد شبههن بعقد من شرر النار الذي يتطاير، فكأنهن خرزات حمراوات، فهل هن النجوم التي تحيط بالقمر؟ أم هي أيام العمر التي يمر فيها القمر؟


9

ابتسامة الطفل بريئة جميلة.. وكذا ابتسامة العذراء نقية طاهرة، فهي تفرح للعمر الجميل كما الحبيب..
وابتسامة القمر ضوءٌ بريقُه طيف هارب بألوان قوس قزح..
أما ضحكته فهي..
"ضحكة طافرة"
وتكون أبلغ مع ارتفاع صوتها.. تشعر أنها تهرب تطفر في كل الأماكن، هاربة متفلتة لا أحد يمكن له أن يوقفها عن جلجلتها وفرحها الذي تحوّل أغنية يُسمع صداها في كل مكان، وهي:
"نشيد في الأثر"


10

يبدأ المقطع الأخير بقوله:
"المساء المنتحي بعض هاتيك الصور" 
يعبر عن آخر عمر القمر في دورته؛ فقد انتحى المساء جانباً، وهو يحاول أن يستعيد بعض الصور التي مرت في خلال العمر، وكأنه يعيد دورة الحياة من جديد؛ فالمساء:
"ذاهل.." 
ولكن ثمة من سيتكفل بأن يعيده إلى وعيه..وأن يشيله، إنه صوت الناي..
"شال به صوت ناي مبتكر"
الناي هو صاحب الصوت الهامس الذي سيوقظه من مساءاته إلى صباح جديد..
هو صوت الولادة الجديدة.. التي تعبر عن عودة دورة الحياة إلى الإنسان... وتنهض معه تلك الروابي التي عاش في خلالها، سينهض الجميع ونحو أفق جديد ينظرون..
"والروابي نهضت فوق تجواب النظر"


11

وزُبدةُ النصّ قوله:
"يا ترى العُمر قَمَر.."
يسأل سعيد عقل وكل الإجابات تقول نعم..
نعم العمر قمر.. له دورة الحياة.. إنها قصة الولادة الجديدة التي تتمثل أمامنا..
نعم العمر حبيب يولد معنا في كل طلوع قمر..
إنه العمر الذي يتمناه كل واحد يحب ألا تدنسه نزوات العمر..