رضا باشا الركابي.. شخصيّة تاريخية
كتب خالد محمد جزماتي
هو الذي ترأس الوزارة الأولى في العهد الملكي الفيصلي في سورية.. وُلد في دمشق عام 1868 في أسرة دمشقية عريقة، ودرس في المدرسة الرشدية العسكرية، ونظرا لتفوقه المبكر في دراسته، فقد أُرسل الى الاّستنانة وأكمل دراسته في الكليات العسكرية وتخرج برتبة "رئيس أركان حرب".. تم تعيينه في القدس قائدا للجيش التركي فيها، وبعد الانقلاب على السلطان عبد الحميد الثاني وانهاء وضعه عام 1909 أُرسل الى المدينة المنورة محافظا عليها وقائدا للجيش فيها.
ولما نشبت الحرب العالمية الأولى عام 1914، كان رأيه واضحا بعدم مشاركة الدولة العثمانية بالحرب وطرحه بشكل واضح الوقوف على الحياد بين الطرفين المتصارعين، وذلك عندما استشارته الدولة التركية، فتسبب ذلك بتسريحه من الجيش، فعاد الى دمشق، فأراد جمال باشا السفاح أن يستوعبه ويستفيد من عظيم خبرته الإدارية، فأمر بتعيينه رئيسا لبلدية دمشق، بالاضافة الى ترأسه لعمل الاستحكامات الخاصة بدمشق، واضطر الركابي بقبول تلك الأعمال على مضض..
ومن المعروف أن الركابي كغيره من المثقفين العرب الذين أصابهم الغضب من تصرفات الاتحاديين الأتراك بحملات التتريك والظلم الشديد لمواطنيهم العرب ولغير العرب، فقد كان من المؤسسين لجمعية "العربية الفتاة" وجمعية "العهد" اللتان دعتا الى احياء الحق العربي..
بعد دخول الجيش العربي دمشق في عام 1918 تم تعيين الفريق رضا اركابي حاكما عسكريا للمنطقة الشرقية ثم تم تكليفه بتشكيل الوزارة، .فشكلها من السادة: الأمير عادل رسلان, ياسين باشا الرفاعي, بديع المؤيد, فارس الخوري, عطا الأيوبي.. وكان الركابي يوصف بالاعتدال وفي عهد هذه الوزارة (تاريخ تشكيلها 30 ايلول 1918) احتلت فرنسا الساحل السوري ودخلت مدينة اللاذقية. وذلك تسبب بقيام الثورات السورية المختلفة، وقامت تلك الحكومة بدعم تلك الثورات وتمويلها بالمال والسلاح والمحترفين العسكريين.. واستمرت هذه الوزارة حتى تاريخ 26 كانون الثاني 1920..
وبتاريخ 9 اّذار 1920شكل وزارته الثانية بعد اعلان استقلال سورية بقيادة ملكها فيصل الأول، وكانت الوزارة على الشكل التالي: علاء الدين الدروزبي رئيسا لمجلس الشورى, رضا الصلح وزيرا للداخلية, سعيد الحسيني وزيرا للخارجية, عبد الحميد القلطقجي وزيرا للحربية وينوب عنه يوسف العظمة في غيابه, فارس الخوري وزيرا للمالية, جلال زهدي وزيرا للعدلية, ساطع الحصري وزيرا للمعارف, يوسف الحكيم وزيرا للتجارة والأشغال والزراعة. وفي عهد هذه الوزارة اشتد الصراع الانكليزي الفرنسي بشدة وانعكس ذلك على اّراء الوزراء والمتنفذين السوريين، وكان هناك مجموعة من السياسيين لا يسمحون باختراق السياسة الانكليزية أو الفرنسية لتنعكس على قراراتهم، وعلى رأسهم الوطني الكبير ساطع الحصري ويوسف العظمة، ونتيجة سياسة الملك فيصل ارضاء جميع المصالح والأهواء لم تصمد هذه الوزارة، فاستقالت بتاريخ 3 اّيار 1920...
بعد سقوط المملكة السورية بتاريخ 24 تموز 1920 يوم احتلال دمشق من الجيش الفرنسي بقيادة الجنرال "غورو" غادر الفريق رضا الركابي دمشق الى مصر ثم الى الحجاز، فالتقاه الشريف حسين وطلب منه التوجه الى الاردن لمساعدة ابنه الأمير عبد الله، حيث كلفه بتشكيل الوزارة في الأردن، فشكلها بتاريخ 10 اّذار 1922، وساهمت هذه الوزارة قي اصدار القوانين الكثيرة اللازمة للامارة الحديثة التكوين... ولقد اصطحب الأمير عبد الله الركابي معه الى لندن بتاريخ 3 تشرين الأول عام 1922 فعقد مع الانكليز بعض الاتفاقيات، و لما عاد الى الاردن وكان الأمير قد سبقه اليها فتركه يتابع المحادثات بمفرده، دب الخلاف بينه وبين الأمير فقدم استقالة الوزارة التي شكلها من بعده السيد مظهر رسلان..
و في أوائل عام 1924 دعاه الأمير عبد الله الى تشكيل الوزارة الأردنية مرة أخرى، فنجح في تشكيلها وعمل على تطوير البلاد، مع دعمه المستمر للسوريين وثورتهم على الفرنسسين.. و استقال في شهر حزيران 1926 وانتقل للاقامة في فلسطين وتنقل فيها بين حيفا والقدس.
وعاش في فلسطين قرابة السنتين ونصف عيش الكفاف، فقد كان نظيف اليد يشهد بذلك جميع من عملوا معه ومن عاصروه، وكان لا يقبل أبدا الا بوضع الرجل بالوظيفة الملائمة له ولمؤهلاته.. ولما انتهت الثورة السورية وصدر العفو العام عاد الى سورية، وأيضا بعد وفاة الملك فيصل الأول اعتزل الغمل السياسي وانقطع عن الجميع بالتزامه منزله...
غادر رضا الركابي الحياة الدنيا الى جوار ربه بتاريخ 25 أيار من عام 1942 بعد مرضه الشديد.. كان رجلا نزيها ومثالا للنزاهة والاستقامة ..
حكايا من التاريخ السوري