شرفة للتأمل والحوار.. الانطباع الأول: The First Impression

علي كنعان

 [كان أستاذنا الشاعر الأميركي/ الأرمني ليو هاماليان، أستاذ الشعر والأدب العالمي في جامعة دمشق(1954-65) يؤكد على أهمية الانطباع الأول.. ثم يطلب أن نعيد القراءة عدة مرات، فإما أن نؤكد سلامة الانطباع الأول.. أو نستكشف دلالات أدق وأعمق.]
ــــــــــــ
وهنا أرجو أن يسمح لي الوقت الضنين بمثل هذه الوقفة، بين حين وآخر، لأطل على نماذج من إبداعات الشباب ممن تتراوح أعمارهم بين الـ(40-60) عسى أن أرحل مرتاح البال مطمئن الوجدان، مستأنسا بقراءة نماذج مما يوزدني بها الأصدقاء، أو يتكرم علي بها العم (غوغل) من قصائد ومحاولات... ولعل حواراتنا عبر هذه الشرفة ستكون الزاد الفني/ الودي/ الروحي الذي أحمله معي في رحلتي المنتظرة عبر السديم الكوني...
قبيل بضعة أشهر، أسعدني حسن الطالع بقراءة قصيدة (11 بيتا) للشاعرة الشابة ليندا إبراهيم (ويبدو أنها من جيل الأحفاد، لأن غربتي الطويلة حرمتني من الاطلاع على عشرات المبدعين السوريين من جيلها، وحتى الجيل الذي سبقها بعشرين/ ثلاثين سنة) تقول في قصيدتها:
خَلَقْتُ طيناً.. ولم أجعلْ له عُمُرا - وشِمتُ برقاً... ولم أستطلِعِ الخَبَرا
وبعد ثلاثة أبيات من هذا المطلع الفني الجميل، تستلهم الشاعرة من الطين الخاص الذي صممت تشكيله، أو من الطين العام الذي امتاز به جدنا الأول، أكثر من صورة، فتقول:
وأقلقَ الماءُ طيناً، كان من قلقٍ - في خاطري ناطراً في غيبِهِ مَطَرا
وكان في الطِّين حُلمٌ كنتُ أغدِقُهُ - حلماً ولكنَّه من وحشتي انكسرا
ثم تنهي لوحتها الشعرية بهذه الصورة:
آمنتُ بالشِّعرِ خلَّاقاً يُخَلِّقُني - على هَوَاهُ، وكانَ الشِّعْرُ لي قَدَرا
أول ما لفتني في القصيدة هذا الانسياب الخيالي اللدن الذي يشبه النسيم، وهي تسكب القوافي بمهارة مدهشة وكأنها تستكمل منحوتة لم يبقَ لاستكمالها غير اللمسة الأخيرة، وهي لمسة لا بديل لها. وهذا يبدو جليا في انكسار الحلم بالوحشة. والقصيدة، على تلون أبياتها وعذوبة التناغم والاتساق في الإيقاع وفي رسم هذه الألوان، جاءت قصيدة فنية/ جمالية بهية النسج والتشكيل، أشبه بلوحة مرسومة بألوان مائية زاهية، لولا تكرار كلمات (القلق، الحلم، الطين، الخلق) فاللغة العربية حافلة بألوان من المفردات. ولعل النسغ الصوفي الموّار في نسيج القصيدة هو الذي أملى عليها بعض هذه الكلمات، كما في اقتباس كلمة (التخليق) القرآنية. لكن التكرار بإلحاح أثار في مشاعري شيئا غير مريح، ولعله قريب من النفور، وكنت أتمنى لو تعبت قليلا وجاءت بفعل آخر، مثل (يُشكِّلني، يصوِّرني) أو أي فعل مشابه. لكن هذه الملاحظة الدخيلة والمفترضة من قارئ هرم عابر لا تقلل من أهمية القصيدة، وإن كنا نشعر أن البحر الخليلي يصلح للغناء، أكثر من القراءة والاستغراق في الاستمتاع والتأمل المفيد.
الانطباع الأول أظهر تأثر الشاعرة بأكثر من قصيدة لبدوي الجبل، وهذا التأثر الذي يصل أحيانا حد الاستلاب يضر بموهبة الشاعر أكثر مما يفيده ويغني تجربته. ذلك أن الاستلاب ذوبان المقلد (المحاكي) بالمثال الذي تأثر به وعمد إلى محاكاته. وقد تأكد لدي هذا الانطباع حين قرأت للشاعرة قصيدة بعنوان (خالقة) وهي تعتمد التفعيلة في بنائها، وهي قصيدة تبدو حديثة في شكلها، لكن الهاجس أو الهواجس التي أطلقت خيالها لتشكيل الرؤى واستكمال النسيج الفني/ الجمالي في القصيدة، لم تأتِ بجديد. وأضعف ما في الشعر أن يقلد الشاعر نفسه. وهذا أمر لم أستطع فهمه ولا استيعابه. وإذا كانت الحكمة الإغريقية تقول إن الإنسان لا يسبح في النهر مرتين، لأن الماء جارٍ مع الوقت وظروف الإنسان تتغير بين لحظة وأخرى، فكيف يمكن لإنتاج فني أن يتشكل في صيغتين تقليدية وحديثة، والفصل بينهما سنوات؟.
نقطة أخيرة: ليس الشعر، ولا الفن بصورة عامة انغلاقا على الذات، بل لا بد من اجتراح كوى وآفاق منفتحة على الحياة والكائنات والكون من حولنا. وعسى أن أقرأ للشاعرة شيئا مختلفا، اختلافا جذريا، في هواجسه ورؤاه وأمدائه... والمستقبل مشرع الآفاق أمام جميع الجادين الدؤوبين في سعيهم نحو الأجمل.