يحيى زيدو: المصير..
يا ابن اليوم السادس من الخلق...
ها أنت في عزلتك القسرية كأنك على مشارف العدم
وحيداً مع صمتك العاري أمام أشيائك المنثورة في أرجاء المكان
و قراءاتك الفاسدة للضوء و الحب و الأحلام
وحيداً مع ريبتك من كل الذين يحيطون بك
و كأنهم أعداء محتملين سينقلون لك العدوى أو الموت..!!
تجلس كأنك مشارك في مراسم حداد
أمامك زجاجة نبيذ، و سجادة صلاة، و بضعة كتب
و حيرة كبرى تجعلك تتردد في الاختيار.
يئن جسدك.. هذا الوعاء سيء التصميم
المختبئ خلف الظل
كإناء من شرهٍ أبديٍّ و فسادٍ متكثِّر
وحيداً مع كلماتك التي تمشي في رأسك
بلا وزن أو قافية
و خوفك الذي ترتعد فرائصك منه لمعرفتك بمصدره
ليس الريح في الخارج هو ما يحزن النافذة
بل الخوف من أن يسود الصمت ما بقي
من الفسحة المشرعة في الدرب المعتم
الشوارع تمتلئ بالخواء
و المدينة غريبة كأسطورة إغريقية
و أنت كالذئب الذي أكل ليلى و جدتها معاً
تريد أن تعض الحياة
لأنها منحت عظمتك الوحيدة التي أحببتها لكلبٍ آخر.
****
العالم كله ملتهب.. "نار هو العالم" كما قال (بوذا)
و أنت تصغي لحكمة العراف:
" كي لا تشيخ.. مت باكراً".
الغراب وحده يتقن سرَّ الجنَّة الخالية
من كائناتٍ لوثتْ الأرض بضجيجها
و الموت بوجهه المجدور المليء بالدمامل و البثور
يتجه إليك و أنت تبالغ في استخدام المعقمات و المنظفات
الموت قصير القامة..لكنه لا يتعثر بثوبه الطويل
يمشي إليك بكل عنجهية و بطر
يسخر منك و من مشاريعك المؤجلة
و من أحلامك المُنَضدة في أدراج الأمل
يشحذ أسنانه مثل "دراكولا" على عنق الضحية
ثم يرقص منتشياً كطاووس حقير
و يكمل دورته كما يفعل جلاد لئيم.
*****
يا ابن آدم..
ها أنت تحصد عبث ما فعلته يداك بهذا الكوكب
ثم يأتي "فيروس" لا مرئي اسمه " كورونا"
يشهر ضعفه منافحاً عن هذا الكوكب الذي دمرناه مجتمعين
فهل نتيقن الآن بأن الأرض هي للكل و ليست لواحد..؟!!
هل سنقول للحياة.. للأرض نحن أبناءكِ المخلصين
لن يفصلنا عنك سوى طفلك المدلل.. الموت؟!
هل سنتقاسم معاً الشمس و أرغفة الضوء؟
و نغني أغاني الماء و الحصاد و الحب؟
و نرقص في الدروب الموحلة المتعبة بكل حفراتها و عثراتها
ثم نقوم بعد كل سقوط ننفض الوحل و النعس
و نتفرس في الوجوه التي أهلكها المرض
لنتعلم منها الدرس القاسي
بأن الأرض هي للناس جميعاً، وأننا كلنا نتشارك المصير نفسه..؟!!
و المصير مسؤولية الكل بلا استثناءات..!