الباحث الاستراتيجي والدبلوماسي العميد الدكتور هيثم أمين الكيلاني
كتب خالد محمد جزماتي
عندما يجتمع النسب الشريف مع التقوى والخلق العظيم ، والوطنية الصادقة، مع حسن الأداء في أي عمل يوكل لذلك الانسان، تستفيد من المجتمعات والأجيال المتتابعة الى أبد الاّبدين، فترانا جميعا نعتز به ونفخر بأعماله العظيمة المفيدة.
واذا كان صاحب النسب عكس ذلك ، فقد ينفعه في الدنيا قليلا عند الجهلة والمتخلفين، وعند الله يكن من الخاسرين.
ففي عام 1970 قرأت كتابا قيّما عنوانه "المذهب العسكري الاسرائيلي" لمؤلفه العميد الجوي هيثم أمين الكيلاني (1926 - 2007) ابن الشيخ الجليل أمين الكيلاني.. أخذني العجب وأذهلتني المعلومات العسكرية التي احتواه الكتاب.
وكانت سورية وغيرها من البلاد العربية خارجة حديثا من هزيمة حزيران المأساة، أي أن الكتاب تم اصداره بعد حرب حزيران 1967 بسنتين تقريبا وقد لفت نظري كثرة الجداول التي وثّقت عديد الجيش الاسرائيلي، وتفاصيل أسلحته البرية والبحرية والجوية، ومقارنة ذلك بما يمتلكه العرب وخاصة دول الجوار لفلسطين المحتلة من أسلحة بصنوفها المختلفة.
ولقد أصبح هذا الكتاب لا يفارقني طوال سنوات الانتظار حتى قامت حرب تشرين عام 1973. وكنت دائم التفكير بكيفية التعرف عن قرب على ابن بلدنا مؤلف الكتاب العميد هيثم الكيلاني، ويدور الزمن وتتوالى السنون.
ففي العام 2001 كنت في رحلة الى الزبداني مع بعض الأقرباء والأصحاب، حيث أمضينا أياما حلوة وجميلة على طريق السيران الحموي. ولكن في أحد تلك الأيام ذهبناء لتناول الغداء في أحد المطاعم الجميلة، وما أن جلسنا على الطاولة التي اخترناها، حتى شاهدنا مجيء بعض السيدات والسادة بمظهرهم الجميل والوقور، فجلسوا على طاولة تقابل طاولتنا.
فقال ابن خالتي هذا هو العميد هيثم الكيلاني وعائلته وضيوفه، فقلت له هل أنت متأكد؟ فأجابني نعم.. فقمت من فوري واتجهت نحو ابن البلد البار هيثم الكيلاني، وألقيت على الجميع السلام ومددت يدي مصافحا الكيلاني، وصافحني متعجبا لأنه لا يعرفني.
وعرفته على نفسي وشرحت له ونحن الاثنان واقفان أني قرأت في العام 1970 كتابه "المذهب العسكري الاسرائيلي" وأنا معجبٌ بك منذ ذلك الوقت، وعندي رغبة شديدة بالتعرف عليك.
وعند ذلك شعرت بسروره الشديد من اسلوبي ودعاني الى الجلوس على طاولته، ولكني خجلت من الذين يجلسون معه واعتذرت منه، وتبادلنا الحديث لمدة بسيطة على الواقف ثم غادرته الى طاولة غدائنا.. وكان هذا اللقاء هو الأول والأخير بيننا.
والمرحوم بإذن الله الدكتور العميد الجوي (هيثم الكيلاني) من مواليد مدينة حماة سنة 1926 حي الكيلانية، وأبوه هو الشيخ أمين الكيلاني ذو السمعة الطيبة. وبعد دراسته المتدرجة نال شهادة الدراسة الثانوية وانتسب وتطوع في الجيش السوري الحديث التكوين.
ثم تم فرزه بعد اجتيازه الفحوص الطبية بنجاح الى القوى الجوية، وكان خلال خدمته العسكرية محبوبا من رؤسائه ومرؤوسيه، وتدرجع في الرتب العسكرية بشكل طبيعي.
وكان من الذين يؤمنون بالعمل الجاد في الجيش، فالتدريب المتواصل كان ايمانه به شديد ولا يحاول أن يتدخل في السياسة وأحداثها، ولذلك كان ناجحا في عمله ويتسابق القادة الكبار الى تعيينه في أرفع المناصب العسكرية دون خوف أو حذر.
وفي العام 1953 حصل بنجاح تام على شهادة ركن طيار، ثم أتبعها عندما أرسلته قيادة الجيش الى فرنسا بحصوله على شهادة أرطان عليا جوية.
وكان العميد هيثم الكيلاني يجيد اللغة الفرنسية والانجليزية محادثة وكتابة، بالإضافة الى معرفته الممتازة باللغة العربية التي اكتسب علومها بشكل مبكر ضمن عائلته في حماة .
ولقد شغل العميد الجوي هيثم الكيلاني منصب رئيس أركان القوى الجوية من عام 1957الى عام 1958.
ولما قامت الوحدة بين القطرين السوري والمصري تم تعيينه مديرا لمكتب قائد القوى الجوية من عام 1958الى عام 1961 وكان برتبة عميد طيار.
بتاريخ 1 كانون الأول 1961 تم نقله الى ملاك وزارة الخارجية، حيث تم تعيينه سفيرا في الجزائر، وذلك من الاع 1962 الى العام 1963، ثم نُقل الى المغرب سفيرا من عام 1963الى العام 1965.
ثم تمت اعادته الى دمشق ليشغل منصب المفتش العام لوزارة الخارجية، ثم أمينا عاما لها وذلك من عام 1966 الى عام 1969.
بعد ذلك تم تعيينه سفيرا لسورية في ألمانيا الديموقراطية بين عام 1969 وعام 1972 ، وبعد ذلك أرسل سفيرا لسورية في المكسيك وكندا لوقت قصير من عام 1972.
ثم تم تسميته بالمندوب الدائم للجمهورية العربية السورية لدى الأمم المتحدة في مدينة "نيويورك" من عام 1972 حتى عام 1975، حيث شغل أثناء ذلك منصب نائب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة للدورة الأممية رقم 17، وكان أداؤه عظيما وأصبح اسمه معروفا عالميا.
ثم تم انتخابه عضوا في لجنة حقوق الانسان المدنية والساسية التابعة للامم المتحدة بين عام 1977 وعام 1980.
ومن الجدير بالذكر أن أذكر أن السيد العميد هيثم الكيلاني كانت القيادة السورية تضع اسمه بشكل دائم تقريبا عضوا في الوفود السورية الى مؤتمرات القمة العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي وحركة عدم الانحياز ودورات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي عُقدت بين عام 1975 الى عام 1983.
وتصور أيها القارىء الكريم أن هذا الرجل العظيم كان الى جميع وظائفه المذكورة يمارس التدريس لمادة المنظمات الدولية في المعهد العالي للعلوم السياسية من عام 1978 الى عام 1981، لأنه وأثناء خدمته الدبلوماسية حصل على شهادة دكتوراه في التاريخ المعاصر من جامعة "لايبزيغ" سنة 1973.
ومن المفيد القول أنه أيضا أنه ترأسس تحرير مجلة "شؤون عربية" العظيمة بمعلوماتها وذلك من عام 1984 الى عام 1999، وكان متعاقدا مع الجامعة العربية كخبير سياسي.
وشغل وظيفة معاون رئيس المركز العربي للدراسات الاستراتيجية بين عام 1999 وعام 2002، وبنفس الوقت كان رئيسا لتحرير مجلة "قضايا استراتيجية".
ألا ترون معي أيها الكرام حجم العمل الذي قام به هذا الرجل المُبدع خير قيام، ولقد ترك لنا مؤلفات عظيمة أصبحت مراجع موثوقة في عدة اختصاصات عسكرية ومدنية حقوقية، فلقد ألف أكثر من أربعين مؤلفا أذكر بعضا منها:
-رسالة في التنظيم العسكري
-رسالة في فن الحرب عند العرب
-متى تحارب اسرائيل
- المذهب العسكري الاسرائيلي
- في اّفاق فتح
-الجانب العسكري في النضال من أجل الوحدة العربية -الجديد في المذهب العسكري الاسرائيلي
-المياه العربية والصراع الاقليمي
- دراسات في الأمن القومي العربي
-النظرية الاسرائيلية في التفاوض
-تركيا والعرب
-الارهاب يؤسس دولة: نموذج اسرائيل
-الحرب الذرية المقبلة
-الحرب العالمية الثالثة
-تحدي العرب
. وغيرها الكثير
ولقد أسهم في الأعمال للموسوعات المختلفة وخاصة "الموسوعة الفلسطينية"، وأنا لا أزعم أني أحطت بجميع ما ألفه وما ألقى به من محاضرات لا تحصى في جميع منتديات العالم الثقافية، ولكن يأخذني العجيب ويكبلني التساؤل، وأنتم معي كما أعتقد من غزارة انتاجه وعظيم دراساته المختلفة الأهداف وعلى رأس تلك الأهداف الصراع العربي الاسرائيلي.
أتعجب كيف وجد الوقت الكافي للقيام بوظيفته ان كان ضابطا أو كان سفيرا، والحقيقة صعب علي التعليق ال بأنه رجلا مبدعا لأقصى حدود الابداع، وهذا الذي يدفعنا على الترحم على البطن التي أنجبته وأمثاله، الذين لم تمتزج دماؤهم بدماء أفرزتها عروق دساسة.
توفي رحمة الله عليه في أوائل شهر أيار من عام 2007م.
حكايا من التاريخ السوري