ليندا ابراهيم: أمي (المنيرة) في ذكرى ارتقائها
مساء يوم 24 آذار 2014، دخلت مرحلة الغيبوبة، والـ "البرداء" حيث لم تعد تشعر بنا حولها، أو على الأقل هكذا كان يصلنا هذا الشعور، نكلمها نهدهدها نهمس لها نلمسها فلا تشعر بنا لكنها كانت ترتجف من البرد، وأزحنا جانباً كل تدخل علاجي، كانت تبسم بين الحين والآخر كما الأسابيع الأخيرة المنصرمة، حيث كانت فجأة تغيب عنا وتنشغل بأحد ما طيف ما، غير مرئي لنا، وحدها فقط من تراه، تبسم له وتعطيه إشاراتٍ معينة تنم عن الرِّضا والموافقة...
سهرنا الليل بأكمله مناوبة، وفي صبح اليوم التالي 25 آذار كان سكون مفاجئ يطبق على الدنيا، زهر الربيع يملأ الشجيرات في فناء البيت وما حوله، غبار الطلع كالسديم يعبق في الجو... سكون أقرب للهدوء التام أثناء صلاة في محفل الكون الأعظم ربما كان مؤشراً ومباركاً أن ثمة روحاً طاهرة قد غادرت لتقيم في مكان ما آخر من هذه الحيوات فوجب الاحتفال بمقدمها وليس برحيلها...
كانت قبل أيام ثلاثة قد غادرت المشفى، طالبة عدم تعذيبها مرة أخرى بالذهاب خارج سريرها، وإذ احتفلنا ظاهرياً بيوم 21 آذار لكنها كانت تكابد أشد أنواع الآلام الجسدية، طلبت أن نخرجها خارج الغرفة، ففعلنا، قضت بعض الوقت على البرندا، وتابعت برنامجاً بمناسبة عيد الأم استضافتني فيه الفضائية الوطنية وقتذاك، ثم قالت أعيدوني لفراشي، سهرت ذلك اليوم يوم 22 آذار ونمت من الإعياء، لبعض الوقت من الليل وأفقت على صوت أنينها... أعطيتها المسكنات الموصى بها، وغادرني النوم إلى قلق ثم قراءة وكتابة وسهر حتى مطلع الفجر وكانت آخر القصائد لأجلها... لم أسمعها إياها فقد خفت أن أحزنها، ولكنها تعرف في يقينها أنني أكتب لها...
هامش: لدى تكريمها كأم مثالية قبل سنوات عام 2011، وكان الاتفاق معي على أن أقدم الحفل الذي ستكرم فيه أمهات من جميع أنحاء سوريا، رجتني أن أنطق اسمها للتكريم آخر اسم كيلا يقال إن الابنة قد ميزت والدتها عن الأمهات الأخريات...
هامش آخر: نقل لي إخوتي بالمنزل، أنها كانت تحفظ القصائد التي ألقيها والتي تتابعها عن التلفزيون وأنا بمسابقة أمير الشعراء، وتعلم مواعيد البث وساعات المسابقة وتترنم بالقصائد وهي تنجز أعمال البيت...
هامش ثالث: كانت لا يغيب شمس نهار أسيء لها فيها إلا وتمتص الإساءة وتعيدها ندىً وكرماً وعطاء لمن اساء... نادرة بين العالمين حق عليها القول عزيزة في قومها ذليلة في نفسها فكانت الأم المثال...
هامش رابع... أقسمت المشرفات على جناح غرفتها في مشفى الأسد الجامعي بدمشق أنهن لم تمر عليهن مريضة بهذا الصبر وبهذه النفس الرضية... لدرجة لا تصدر عنها أنَّة من ألم طوال فترة استشفائها بالمشفى...
هامش أخير... حتى اللحظة، وبعيد فقدانها انتاب الأسرة جميعاً شعور وكأن لها أعواماً طوالا ً راحلة... أما أصعب الأوقات فالتي تلت غيابها وللآن.... وأما الآن فالشعور الأكبر الأوحد الذي ينتابني هو كيف صمد هذا المنزل طوال سنوات ست وهي ليست فيه إنها معجزة... أهي مشيئة الحياة... أم صيرورتها.. أم قدرنا أن نفتقدها وهي حاضرة في روح كل من عرفها حتى ليمكن القول بعد هذه المدة أنه لم يكن لديها من كاره أو مبغض بل محبون يذكرونها بكل الترحم والطيبة والمودة...
أيتها "المنيرة" لروحك السلام
/25 آذار 2014 - 2020/