إحسان عبيد: التعرية

المشاهد لجميع محطات التلفزة هذه الأيام، يلاحظ أن مادتها الأساسية والوحيدة تتحدث عن فايروس الكورونا.. كم عدد الإصابات، وعدد المتوفين.. وعن الحظر والعزل والحجر وما إلى ذلك.
.
في أمريكا بشكل خاص والدول الغربية بشكل عام ، يموت يوميا أضعافا مضاعفة جراء حوادث الطرق وضحايا الجرائم وتبادل إطلاق النار بين العصابات وضحايا الجرعات الزائدة من تناول المخدرات، ولكن الحكومات تعتبر أولئك الموتى ضحايا فردية، وهي ليست مسؤولة مسؤولية مباشرة عنهم.
.
لكن مجيء الفايروس قام بتعرية تلك الحكومات أمام شعوبها، وقد تبين أن اهتمامها بالشعب هو اهتمام قشري وسطحي الغرض منه الانتخاب بنهاية المطاف.. فأمريكا تهتم بموقوف أمريكي في سوريا أو إيران، وتشغل الإعلام والرأي العام، لكنها في ساعة الكشف تبين أن اهتمامها الصحي بمواطنيها هو صفر.. وعلى سبيل المثال فإنه لا يوجد عندها إلا جهاز تنفسي واحد لكل مئة مصاب بالفايروس.
.
في حين تجد أن ترسانتها من الأسلحة مليئة بمخزون وافر، وجاهزة لتغذي الفتن في جميع أنحاء العالم، ولعدة سنوات، خدمة لمصالحها الرأسمالية المتوحشة.. والملاحظ أنها عندما تستشعر قوتها تتنمر وتزداد صلفا وخبثا. وعندما تعجز تطوي ذيلها بين ساقيها كخضوع كلب بائس.
فهي قادرة على إيقاف الحروب لكنها تذكيها ولاتوقفها وتبقى متنمرة، أما عندما تتهاوى أمام الفيتناميين والصوماليين وجماعة طالبان وأمام فايروس كورونا، فتصبح طائعة خائرة وتسخر الماكينة الإعلامية لتبرير أفعالها.
.
كان يستشهد عندنا في سوريا يوميا – بفايروس داعش وأخواتها بالسلاح الغربي - أكثر مما يحصد فايروس الكورونا في جميع أنحاء العالم، ولم نكن نسمع بهذه الهيزعة الإعلامية الحريصة على حياة الإنسان السوري.. لقد مرت سنوات وآلاف السوريين تنهشهم أسماك البحار، ولايأخذ خبر موتهم أكثر من بضعة ثوان في نشرات الأخبار، وكأنهم يتحدثون عن حادث قطار، فكم من السوريين احتضنت أمريكا وأجارتهم من الموت؟ بل على العكس فقد طلبت من دول الخليج عدم استقبالهم، وبنوا لهم الخيام في الزعتري ووادي خالد وغازي عنتاب.
.
لقد استقبلت أوروبا اللاجئين السوريين تحت الأمر الواقع، فأصبحوا أيدي عاملة رخيصة، ورغم ذلك فهناك تبادل بالمنفعة.
.
ضحية الكورونا من المتوفين يلاقون ربهم وهم على سرير طبي وتحتهم وسائد وشراشف نظيفة، لكن الشهداء السوريين كانوا يلاقون ربهم بحز الرقاب وفتح الصدور وأكل الأكباد، وكانت أرحم ميتة لهم طلقة في الرأس وهم معصوبو العينين ومقيدو اليدين وسط تجاهل عالمي خبيث ومقيت.
.
هذا زمان التعرية.. تعرية الحكومات المتخاذلة بحق شعوبها.. وفي نهاية المطاف طلبوا مساعدة الصين وكوبا الشيوعيتين، وروسيا وريثة الاتحاد السوفييتي الشيوعي، وهذه الدول بالذات لشدما عانت من حصار الغرب لها وتشويه صورتها.. فهل تصح مقولة: إن مابعد فايروس كورونا لن يكون كما قبلها.