المخرجة المسرحية لارا حتي لفينكس”: توجهي الخاص هو إيصال العمل المسرحي الى الجمهور بأسلوب ممتع وغير مملّ

حاورها – فادي نصار- بيروت

في تجربتها المسرحية الفتـــيّة، أكدت المخرجة المسرحية والممثلة اللبنانية لارا حتي حضورا فينا متميزا، لا بل تمكنت من التحليق بعيدا في فضاء إبداعها، تماما كما حلقت في الفضاء المسرحي لعملها الرائع “شتوية قاسية”، وهي تدأب في سبيل بناء حركة ثقافية تتصدى من خلالها لظواهر مجتمعية تؤرق حاضرنا والمستقبل، كالجهل والتعصب والحروب الدائرة باسم الدين، ثقافة إنسانية على مساحة أبعد من حدود وطنها، لتؤكد أن ثمة دورا للفنان في مراكمة مفاهيم ورأي عام لصالح الانسان أنى وجد.

 

حِتي الحائزة على دبلوم دراسات عليا في التمثيل والإخراج المسرحي من الجامعة اللبنانية، وماجستير في الفنون المسرحية من جامعة الكسليك)، تتحدث اليوم الى "فينكس" عن حبها للمسرح الذي تجلى في اخراجها لمسرحية “شتوية قاسية” الناجحة بامتياز، والتي حملت قضية المرأة كشعار عريض .

يعتبر الفن الملتزم بقضايا الشعب (ومن هذا الشعب النساء في اشارة الى مسرحية “شتوية قاسية”) فن متعب فهل تعتبرين نفسك من اصحاب الفن الملتزم … وهل التزامك بقضايا معينة يحد من ابداع الفنان؟؟

الفن بكل وجوهه وبمختلف أنواعه يحاكي قضايا الانسان، سواء كانت قضايا اجتماعية أو سياسية أو بيئية أو عاطفية، وعندما أقول انسان أقصد الانسان بالمطلق، في كل زمان ومكان وعلى مختلف مستوياته الثقافية والاجتماعية، لكن ما يميّز عملاً فنياً عن الآخر هو نوع وأسلوب هذا العمل وأدواته، لذلك، فالفن حكماً يلتزم بقضايا الشعب وهذا الالتزام لا يحدّ من إبداع الفنان على الإطلاق. بالنسبة للمسرح وهو مجال اختصاصي، فأنا أميل إلى المسرح الجاد الثقافي، وهذا النوع من المسرح ليس له جمهور عريض في لبنان للأسف. أما مسرحية “شتوية قاسية” التي كتبها الدكتور شكيب خوري وهي من إخراجي وبطولتي، ويشاركني في التمثيل كل من عبير الصياح وإيليسا عقيق، وفي هندسة الإضاءة إيلي سلامة وهندسة الصوت جان بيار عبدايم فهي تعالج قضايا النساء في المجتمعات الذكورية، وسنتوجه في 17 ايلول (سبتمبر) القادم إلى عمّان للمشاركة في “مهرجان عشيات طقوس المسرحي الدولي”. المسرحية مؤلفة من تسع لوحات تعبيرية تتداخل فيها عناصر متعددة منها التمثيل والرقص التعبيري، التصوير السينمائي، المؤثرات السمعيّة والبصرية، الحوار فلسفي، شاعري وعميق، وقد حققت المسرحية نجاحاً ونالت إعجاب كل من شاهدها في لبنان.+

 

من خلال تجربتك غير القصيرة، هل تعتبرين نفسك تؤسسين لمدرسة مسرحية جديدة … وما هي مقومات او صفات هذه المدرسة ؟؟

سيكون إدعاءً مني وغروراً القول بأنني أؤسس لمدرسة مسرحية جديدة، فأنا ليس لدي كم كبير من الأعمال التي كتبتها أو أخرجتها، ومسرحية “شتوية قاسية” هي باكورة تجاربي كمخرجة مسرحية، تجاربي السابقة كانت في مجال التمثيل أو كمساعدة مخرج، ولكن توجهي الخاص هو إيصال العمل المسرحي الى الجمهور بأسلوب ممتع وغير مملّ، دون تقديم تنازلات على المستويين الفكري والجمالي، ربما هدفي وحلمي هو أن أصالح الجمهور العريض مع المسرح الثقافي الجاد من خلال “شتوية قاسية” وأعمالي القادمة إن شاء الله.

السؤال الثالث: في وسط هذا التدمير الممنهج لكل ماهو راقي في عالم الفكر الانساني …هل تحلم لارا حتي بالتغيير، وهل لديك قناعة بان التغيير ممكن عبر الوسائل الثقافية والفكرية ؟ هل يستهويك مثال عالمي من بين مثقفي العالم؟

من وجهة نظري، سبب التدمير الممنهج لكل ما هو راقٍ في عالم الفكر الإنساني هو التخلف والتعصب وعدم تقبل الآخر، أنا مع الانفتاح ومواكبة التطوّر العالمي، ادعو الى المحبّة والسلام وإرساء القيم الإنسانية الجميلة في مجتمعاتنا حتى لا نبقى نتخبط في الحروب والمآسي، سلاحنا هو الوعي الفكري الذي يتحقق من خلال الوسائل الثقافية والفكرية والفنية، عندما يتكلم عمل مسرحي مثلاً عن قضية الإرهاب، فهذا نوع من أنواع النضال ضد إنتشار هكذا فكر دموي متطرف، وعندما نتبنى في “شتوية قاسية” فكرة النساء المعنفات والاغتصاب والاضطهاد، فهذا يعني أننا حملنا السلاح من خلال عملنا المسرحي ضد كل من يعنف، يغتصب، يظلم أو يهمش المرأة، عندما ندعو في أعمالنا إلى قيام الدولة التي تحفظ حقوق وكرامة المواطن أياً كان دينه وعرقه وانتماؤه الفكري والسياسي، فنحن بذلك نقدم الجيد على الرخيص، وندعو إلى أن تلعب هذه الدولة دورها في إرساء ثقافة السلام والحب والقيم الانسانية،

لكن يبدو أن هذا الحلم لن يتحقق على المدى المنظور، ونحن نناضل كي يعيش أولادنا والأجيال القادمة في مجتمعات راقية ومتمدّنة. وللإجابة على الشق الأخير من السؤال أقول: يستهويني المثقف الذي لا تحوله ثقافته الى مغترب عن بيئته وعالمه ولا يقع في التشاؤم والسلبية، المثقف الذي يعرف كيف ينخرط مع الناس على اختلاف مستوياتهم ويسمح لهم بالاستفادة من تجربته الفكرية والثقافية. وفي مجال المسرح تعجبني شخصية “جورج برنارد شو”، وفي مجال السياسة أُعجب بالرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة الذي نقل تونس الى مرحلة متطوّرة في مجالات عدّة وأعطى المرأة التونسية حقوقاً مهمة، كذلك أنا معجبة بقريبي المؤرخ فيليب حتي الذي أدخل تاريخ العرب بوجهه الحقيقي إلى الغرب وإلى أميركا تحديداً من خلال مؤلفاته وعمله في جامعة “برينستون”.أ لارا حتي شتوية قاسية

السؤال الرابع: طغت الدراما التلفزيونية على السينما والمسرح، فألقتهما في الظل … برأيك كيف يمكن مساعدة المسرح على النهوض مجددأ واعادته الى الناس ؟

هذا يعود الى أسباب عدّة، أولها ان الناس يستسهلون مشاهدة الدراما التلفزيونية في منازلهم، وثانيها أن الوضع الإقتصادي المتردّي جعل السينما والمسرح من الكماليات، أو نوعا من الرفاهية خارج إمكانيات شريحة كبيرة من الشعب. هذا بالإضافة إلى غياب دعم الدولة الحقيقي للمسرح عبر وزارة الثقافة، وعجز النقابات الفنيّة المختصّة عن فرض شروطها وتطبيق القوانين التي من شأنها حماية قطاع المسرح في لبنان وإنعاشه. النهوض بالمسرح يحتاج إلى خطة واستراتيجية متكاملة ترعاها وتدعمها الدولة عبر وزارة الثقافة بالتعاون مع النقابات الفنية وأهل المهنة، من الخطوات المهمة التي يمكن اتخاذها مثلاً، تخفيض سعر إيجار المسارح على المنتجين المسرحيين، وبالتالي تخفيض سعر بطاقات الدخول للمشاهدين، تخفيض

أسعار إعلانات المسرحيات على المحطات التلفزيونية وعرض الجيّد منها في ما بعد (أي الأعمال المسرحية) على شاشات التلفزيون. ومن ناحية أخرى إنشاء مسارح جديدة، وخصوصا المسارح المختصّة بالأعمال الثقافية الجادة، لأن هذه المسارح بات عددها ضئيلا جداً بعد إقفال العديد منها. وأخيراً إنشاء فرقة مسرحية وطنية ومسرح وطني لبناني، بالإضافة إلى تأسيس مهرجان مسرحي لبناني سنوي يستقطب أهم العروض المسرحية العربية .

 

السؤال الاخير: بمن تأثرت لارا حتي مسرحياً وموسيقياً إن كان على المستوى العربي أم العالمي؟

أولاً تأثرت بأساتذتي، وأذكر منهم: أنطوان ملتقى، ريمون جبارة، شكيب خوري، فاروج هادشيان، موريس معلوف، كميل سلامة، نقولا دانيال وغيرهم، هؤلاء الأساتذة تأثرنا بأعمالهم وتعلمنا منهم الكثير في الجامعة لنكوِّن بعد ذلك أسلوبنا الخاص، عالمياً تأثرت من خلال دراستي للمسرح بهنريك إبسن، أنطون تشيخوف، شكيسبير، تنيسي ويليامز، صمويل بيكيت، هاينر مولر، جان بول سارتر، جان جونيه، اوجين اونيسكو وغيرهم، أما عربياً فاطلعت وتأثرت بأعمال سعدالله ونوس، أحمد شوقي، توفيق الحكيم، يوسف إدريس، صلاح عبد الصبور، الطيّب الصديقي، الفاضل الجعايبي، عبدالله السعداوي، حمد الرميحي والكثير غيرهم، أما موسيقياً فأحب الاستماع الى الأغاني القديمة مثل أغاني ام كلثوم، وردة، عبد الحليم حافظ، كما أحب أغاني ماجدة الرومي وفيروز وسلوى القطريب وهبة قواص. عالمياً، أستمع إلى توم جونز، الفيس بريسلي، إديت بياف، داليدا وشارل ازنافور .