جمانة طه: التشابه والاختلاف بين الأمثال الشعبية العربية

لعل من أحسن الأدلة على اتفاق العرب في الصفات الجوهرية، أن الأمثال عندهم تكاد تكون واحدة من حيث المضمون والصيغة. وهذا الأمر ليس مستغربًا، فالمنطقة العربية مشمولة منذ القدم بثقافة متقاربة توحدت وترسخت في ظل الإسلام. بالإضافة إلى أن هذه البلاد تأثرت بنفس المقدار، بالكتل البشرية المتعددة الأجناس والثقافات التي تدافعت إلى أرضها وصبت معارفها في بوتقتها. وهذا كله يشجع على القول إن الأمثال الشعبية العربية كلها نبعت من مواقف متشابهة إنسانية واجتماعية وأخلاقية، وهذا ما لحظته من خلال عملي في مقابلة الأمثال الشعبية في عدد من البلاد العربية مع المثل الشعبي السوري. وفي حال وجد القارىء أو الدارس اختلافًا في بعض الأمثال بين بلد وبلد، فلا يذهب به الظن إلى أن هذا الاختلاف يمس الجوهر والمدلول وإنما هو فقط في اللهجات. فاللهجات المحلية التي قد تتغير من مدينة إلى أخرى وفي الوطن الواحد، واقع يحكم المجتمعات العربية وسواها من مجتمعات العالم. وعلى العموم فإن تعدد اللهجات ما هو إلاّ اختلاف في نطق أصوات حروف الهجاء، سواء أكان ذلك بالإمالة أم بالحذف.

الأمثال في تراث الحضارات القديمة
في مطلع القرن التاسع عشر اتجهت جهود علماء الآثار، إلى قراءة مدونات الإنسان القديم
وتفسيرها. فدرسوا الصحائف والرقم السومرية والأكدية والبابلية وما تلاها واستنطقوا نقوشها ونقلوها، وفسروا الكتابات والتصاوير المصرية المحفورة على جدران المعابد والمسجلة على أوراق البردي. فعثروا على مجموعة من الأمثال السومرية يعود تاريخها إلى أبعد من3500 سنة قبل الميلاد، وعلى مجموعة من الأمثال الفرعونية يعود تاريخها إلى 2500 سنة قبل الميلاد. مما يؤكد على أن أمثال هاتين الحضارتين هي الأقدم في تاريخ الحضارة الإنسانية، وليس سفر الأمثال المنسوب إلى سليمان الحكيم. وبالرغم من أن الأمثال التي ظهرت في بلاد الرافدين أبدعها أناس يمتلكون ميزات وخصائص تميزهم عن غيرهم من شعوب أخرى، بلغتهم وأخلاقهم وعاداتهم ومعتقداتهم وحياتهم الاقتصادية والاجتماعية. إلا أنها تنم عن فطرة وعقلية قريبة جدًا من فطرة وعقلية الناس في المناطق العربية، ومعظم أقوالهم تبدو مرآة لميولنا وتجاوزاتنا واضطراباتنا وطرقنا في التفكير. فشخصيات تلك الحقبة لم تغب بغياب المرحلة الزمنية التي عاشتها، وإنما بُعثت حية في تراثنا الشعبي، وانتقلت إليه بمشاعرها ومواقفها وحكمتها وتناقضاتها. ولا نبالغ إذا قلنا إن الأمثال السومرية تشبه الصدى الذي يحيط بشخصيات تظهر بوضوح في الكوميديا الإنسانية القديمة والمعاصرة، في مجتمعات قريبة من بلاد الرافدين أم بعيدة عنها بآلاف الأميال.
وتجدر الإشارة إلى أن الأمثال التي راجت في أوروبا القروسطية لفتت اهتمام بعض الشعراء، فنظموا قصائد طويلة ينتهي كل بيت فيها بنوع من المثل. ويلحظ هذا، في حكم (ايراسم) (1 ) وفي أمثال (سانشو) (2 ) في رواية (دون كيشوت). كما لجأ عدد من الرسامين إلى تصوير الأمثال في لوحات، على نمط أعمال (بروغل) الفلمنكي. ( 3) مما يؤكد على أن المستشرقين الأوروبيين أسهموا في تلقيح تراثهم المثلي بما نقلوه من الأمثال العربية والمشرقية، وفروع المعارف الأخرى. وتتبدى ظاهرة تلاقح الثقافات وتناقلها في عدد من أمثال الكتاب المقدس التي نجد لها نظائر من حيث المعنى في اليونانية القديمة، منها: (العين بالعين والسن بالسن) و(ابعث حكيمًا ولا توصه).

1-من مشاهير رجال الفكر في عصر النهضة
2 -هو خادم الفارس دون كيشوت في رواية الأديب الإسباني سرفانتس
3-رسام فلمنكي، عني بتصوير الحياة في الريف