يحيى زيدو: أنا مُتعَبٌ يا أبي

(1)
أنا مُتعَبٌ يا أبي..
متعبٌ من البلاد التي أحيا فيها كالغريب
أتجول فيها بجيوبٍ فارغةٍ، و قلبٍ فارغٍ
بعينين فارغتين، و فمٍ فاغرٍ
و أنا أنظر للأعلى.. كسائح أبْلَهْ
(2)
مُتعبٌ يا أبي..
من وسادتي المحشوَّة بالحنين
من المطر الذي يغافلني بغتةً في الربيع
من الحائطَّ الذي علقوا عليه صورتك
و من الذكريات التي يتكدَّس فيها الغبار
(3)
أنا متعبٌ يا أبي..
من الكتب التي تزيدني اغتراباً
من اللغة التي أهزُّها و لمَّا
تتساقط على صفحتي تفاحة "نيوتن".
من النصِّ الذي أكتبه بيدين مرتعشتين
من الجدار الذي يحدِّقُ بي
و من الجدار الذي أحدِّقُ به.
(4)
متعبٌ يا أبي..
من العزلة، و من الكراسي الفارغة
من الزغاريد و من النواح
من أصوات المارَّةِ في الشارع المجاور
من المراثي التي حفظتُها و لم أجرؤ على قولها
من الغراب الذي يعلمنا كيف ننبش في التراب
و كيف نفتح قبورنا
كي يرثينا
(5)
أنا متعبٌ يا أبي..
من سنوات عمري التي زادت عن الخمسين
كأنها خمسون طفلاً يضربون جرس الفكرة
يتبارون في سرقة اللوز من بستان الحلم الفاسد
متعبٌ يا أبي
من قبضة الباب التي تشبه يد المعزِّين
كانت لا تكفُّ عن المصافحة
الآن.. بيتي سرادق عزاء صغير
و أنا لِشدَّة التعب
حيٌّ.. ميتٌ.. و لا معزين.