كي لا تضيع جهود (حارس القدس)
محمد سعيد حمادة:
شاهدت أربع حلقات من مسلسل "حارس القدس"، ولن أزيد على كلّ من أثنى على هذا العمل الجميل الآسر، خصوصًا وأن الأديب حسن. م. يوسف، معلّم ويتقن صنعته ويخلص لها، وكذلك الفنّان البارع المخرج باسل الخطيب.
نبتهج جميعًا لعمل جميل ومهم يتناول حياة المطران المقاوم كبوجي، ونهلّل لعمل فنّيّ مميّز يعطي الرجل بعضًا من حقّه، لكنّ هذا كمن يضحك على نفسه؛ فالمطران كبوجي ليس بحاجة إلى إنصاف، فقد أنصف نفسه بحياته ونضاله ومعاناته وعناده من أجل الحقّ فاستحقّ تاريخه وسيرته وذكره. من يحتاج إلى الإنصاف هو نحن.
نحن نحتاج إلى تكريس المطران كبوجي وأمثاله في عقول وقلوب الأجيال وجعلهم منارة وأنموذجًا ومثلاً، ولا يمكننا حفر هذا المثال وتكريسه إلا بالتعليم، من خلال إطلاع الأجيال الجديدة على سيرتهم وتعريفها بمعاني نضالهم ولماذا، من خلال المناهج الدراسيّة التي لا يغفل أحد عن الأهداف المتعدّدة والمهمّة لمثل هذا التكريس.
العمل الدراميّ ضروريّ، لكنّه لا يغيّر شيئًا، في ظلّ هذا الكمّ الهائل من الرخص المتداول على الشاشات. وسيذهب بعد سنة أو سنتين أدراج النسيان، لكنّ الذي يبقى هو عين القراءة والامتحان التي تحفر في قلوب الأجيال وعقولها وتعلّمها أنّ رجل الدين المسيحيّ اليتيم هذا دافع عن وطنه ومقدساته كلها وشعبه كله من دون تمييز ودفع ثمنًا غاليًا لقاء تمسّكه بالحقّ، فتعرف الأجيال الجديدة أنّ نهج هذا المقاتل هو التوحيد بعينه فلا شرك ولا إشراك ولا تكفير.
أن ننتج مسلسلاً ونصرف عليه الملايين ونُسرّ به وبردود الأفعال الآنيّة عليه وبالثناء على المشاركين والمساعدين والعاملين والداعمين لظهوره، لا يغيّر شيئًا في النظرة إلى فلسطين والمسيح والمسيحيين ومعنى نضال المطران كبوجي ووقوفه بوجه أعتى عنصرية في العصر الحديث. فأن يخرج هذا العمل إلى رحاب الشاشة المنزليّة، وفي الوقت نفسه يُفصل بين أبناء البلد الواحد والحيّ الواحد في المدرسة، ومنذ الصفّ الأوّل الابتدائيّ، على أساس دينيّ، فهو عمل أعرج أكتع أعور لا فائدة اجتماعيّة تُرجى منه.
أذكر وتذكر أجيال عملاً كبيرًا ورائعًا للمبدع حسن. م. يوسف في تسعينيّات القرن الماضي هو "أخوة التراب" الذي أظهر فيه كلّ ما يمكن قوله عن وحشيّة الاحتلال العثمانيّ لبلادنا، والأجيال التي شاهدت المسلسل نفسها هي التي خرجت بعد سنوات تحمل العلم التركيّ وتحرق وتدوس علم بلادها؛ ذلك أن العمل الفنّيّ لم يكن متناغمًا مع المنهاج الدراسيّ الذي كان يبجّل هذا الاحتلال ويعدّه فتحًا مبينًا، بل كان من السهل جدًّا ضحد كلّ ما ورد في هذا العمل، ذلك أنّه ليس من المعقول أن يكون أتباع وأهل الخليفة سمِيّ النبيّ العربيّ "محمّد الفاتح"، كما تعلّمت الأجيال، بهذه الوحشيّة والقسوة والهمجيّة.
الثقافة منتج متكامل، وتعزيز نهج ثقافيّ لا يكون إلا بتضافر علوم وآليّات ومنهج تفكير جديد يصيغها جميعًا من أجل تكريس الانتماء، وإلا فنحن نضحك على أنفسنا ونشرب أنخاب النصر في سرايا المؤخّرة بينما تنهار خطوطنا الدفاعيّة الأولى.